تجارب ومواقف غريبة

المناجم المسكونة

بقلم : عامر صديق – مصر
للتواصل : [email protected]

رأيت رجال عراة إلا من مئزر بسيط و يغطي أجسادهم الفوسفات و يحفرون في الحائط
رأيت رجال عراة إلا من مئزر بسيط و يغطي أجسادهم الفوسفات و يحفرون في الحائط

 
السلام عليكم أصدقائي الأعزاء ، أعتذر عن ابتعادي لفترة عن الكتابة في الموقع ، وها أنا ذا أعود إليكم بما سمعت ومررت به الأيام الماضية ، و سأبدأ بالجديد أولاً ، منذ أسبوع كنت أجلس مع بعض الأصدقاء و تطرق بنا الحديث عن مناجم الفوسفات المهجورة في جبال البحر ، بل أن هناك قري و مدن صغيرة منذ أيام وجود الإيطاليين في بداية القرن الماضي أُنشأت في الجبال لاستخراج الفوسفات ، و لكنها الأن مهجورة و قصصت عليهم ما شاهدته ، و كان الاتي :

منذ شهر تقريباً ذهبت مع صديقين إلى أحد هذه المدن المهجورة في رحلة سفاري و كان الوقت بعد العصر و تركنا سيارة الدفع الرباعي و تجولنا في هذه المدينة القديمة شبه المهدمة و قررنا أن نصعد إلى مكان قريب به بعض المغارات والمناجم المهملة و أخذنا نشاهد عربات المناجم شبه الصدئة و بقايا الأدوات المستخدمة في الحفر و أعمال المناجم وقتها ، و بالقرب من فتحة احدى المغارات لفحتنا حرارة عالية جداً كأن الجحيم فتح أبوابه علينا برغم اعتدال الطقس ، و قال صديق لنا : لا تخافوا ، لأن أحياناً تصدر من مناجم الفوسفات حرارة عالية من تفاعله مع الهواء و قد تسبب هذا في قتل كثير من عمال المناجم قديماً ، سألت : و لماذا هذه المغارة بالذات وهناك أثنتين أخرى يخرج منهم تيار بارد ؟ فلم يجد إجابة ،

و كان المغرب يقترب و فجأة و نحن نتحدث سمعنا صوتاً كأن هناك من يتألم بشدة داخل هذه المغارة و أنين مؤلم ، فتوقفنا عن الحديث و كل منا ينظر للآخر ، و طلبت منهم أن ننصرف و لكن صديقي الذي تحدث عن تفاعل الفوسفات مع الهواء قال : أنه صوت تيار الهواء ، و أخذ يضحك مع تأكدي أنا والصديق الأخر أنه صوت أدمي يتألم و يئن ، و ليثبت لنا شجاعته عرض أن يدخل إلى هذه المغارة ، و عندما حاولت أن أمنعه و أجعله يغير رأيه سخر مني و قال : سأثبت لكم أنه لا وجود لما في أوهامكم ، و دخل إلى المغارة ، و وقفنا أنا و صديقي الأخر خارجها ، وعندما غاص في ظلامها بعد مسافة و رأيناه يشعل بطارية صغيرة معه قلت لصديقي الأخر : تعال لنجعله يخرج ، لأن هذه الأماكن عامرة بالجان و الأشباح ، فرفض و قال : أذهب أنت ،

و عندما خطوت عدة خطوات للداخل واقتربت من المنطقة المظلمة سمعت نفس صوت الألم والأنين يتردد ، و لا أكذب عليكم توقفت مكاني و أنا أرى صديقي بالخارج متسمر في مكانه و يصرخ بنا أن نخرج ، و سمعت الصديق الأخر يصرخ و يخرج جارياً من الداخل و هو يتعثر و يحاول أن يقرأ آيات القرآن الكريم ، أمسكت بيده و قلت : أهدئ ، أهدئ و لكنه كان فعلاً مرعوب جداً ، و خرجت موجة هواء ساخنة جداً حتى أن عيني ألمتني ، و خرجنا بسرعة و قلت نغادر الأن ، و أقسم بالله أننا سمعنا أصوات تصرخ و أخرى تستغيث أثناء ابتعادنا ، و عندما نظر صديقي الأخر خلفه و أنا ممسك بالصديق المرعوب صرخ و قال : أنظر خلفك ، وعندما ألتفت أنا و الصديق الأخر رأينا ظلالاً كأن هناك من يقف على مدخل المغارة دون تحديد ،

و ظهر منها ثعبان ضخم جداً ، أسود اللون كأنه قطعة من الظلام ، عيناه كأنهم اللهب ، و لسانه يخرج من فمه ، جرينا إلى السيارة و أنا لا أقود سيارات ، و تحرك بنا الصديق الأخر بالسيارة و نحن ننظر خلفنا و الشمس بدأت بالمغيب خلف الجبال ، و حاولنا أن نسأل صديقنا الذي دخل إلى المغارة فطلب ماء و أخذ يشرب وهو ينطق الشهادتين ، و قال : أعطوني وقتي و سأخبركم بما رأيت ، وسكتنا و عبرنا الطريق غير الممهد حتى وصلنا الطريق الأسفلتي بعد ساعة تقريباً و بعدها بساعة أخرى وصلنا إلى البلدة و جلسنا على كافيه لالتقاط الأنفاس ، و تحدث الصديق وقال : كنت أنكر وجود أشباح و غيره و كنت أعتقد أن الخوف هو ما يهيئ الأشباح ، و لكن صدقوني عندما دخلت المغارة كنت فعلاً خائف و خفت أن أعود و تضحكوا علي ، و تقدمت إلى الظلام و شعرت أن هناك ناس حولي أشعر بأنفاسهم الحارة ، و عندما سلّطت بطاريتي الصغيرة أمامي رأيت رجال عراة إلا من مئزر بسيط و يغطي أجسادهم الفوسفات و يحفرون في الحائط ، فتسمرت مكاني ،

و سمعت صوت يقول لي : انقذني ، أنا أموت ، أنا عطشان ، و كأن يداً أمسكت بكتفي ، فصرخت و خرجت أجري فوجدتك في وجهي ، و أقسم ألا يعود أبداً إلى مثل هذه الأماكن ما دام حياً ، فسألتهم أن شاهدوا ما شاهدت عن الثعبان و ظلال الناس على باب المغارة ؟ أجابوا : نعم ، و عندما قصصت ما حدث لأصدقائي الجالسين ، و كان معي الصديق الذي بقي خارجاً و أكد ما قلت ، ضحكوا و قالوا : أنتم أغبياء لم تعيشوا هنا و لم يعمل أباءكم في المناجم ، لقد مات الكثيرين ردماً من انهيارات داخل هذه المناجم و قص علينا أجدادنا و آبائنا الكثير من هذه المواقف و هذه المدينة مهجورة منذ أكثر من ٨٠ عاماً ، و بالطبع هي مسكونة بالجان وأشباح من قُتل هناك ، وهذا الثعبان من جان المكان ، و أحمدوا الله أنكم خرجتم سالمين ، و لا تحاولوا أبداً دخول هذه المغارات ،

و قال أحدهم و هو يعمل مهندس تعدين ، أن له موقف مشابه لما حدث في مدينة أخرى مهجورة منذ ٢٠ سنة تقريباً أسمها أم الحويطات بعد مدينة سفاجا بحوالي ٢٠ كيلو متر ، و حوالي ١٥ كيلو داخل الجبال  سأقصها عليكم المرة القادمة ، وعن نفسي ندمت أني لم أمنع صديقنا من دخول المغارة لأني فعلاً كنت متأكد من وجود خطر ، و لكنه أصر بشكل مستفز ، الصحاري والجبال والمغارات أماكن مهجورة من البشر و لكنها مسكونة من مخلوقات أخرى فهذا هو وطنها  بعدما أبتعد وأنقطع عنه البشر ، قريباً سأقص ما حكاه صديقنا المهندس عن أم الحويطات ، ما رأيكم ؟ في أمان الله.

ملاحظة :

مناطق التعدين القديمة بها حوالي ٢٠ قرية و مدينة صغيرة بداخل الوديان والجبال ولا زالت مهجورة تماماً ، و كان الإيطاليين أول من أنشاء هذه التجمعات لاستخراج الفوسفات ، و ما زال بعضهم مدفوناً قربها ، و كان ميناء مدينة القصير هو ميناء تصدير الفوسفات إلى أواخر القرن الماضي .

تاريخ النشر : 2021-06-07

مقالات ذات صلة

19 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى