أدب الرعب والعام

بين قبور الغد

بقلم : تقي الدين – الجزائر
للتواصل : [email protected]

ما ذنبي أنا إذا أبحرت سفينة شبابي في خضم عاصفة الوقت غير العادلة ؟
ما ذنبي أنا إذا أبحرت سفينة شبابي في خضم عاصفة الوقت غير العادلة ؟

 
دقات الساعة كانت أقرب ما تكون لسكين ينخر رأسي ببطء ، و ظلام غرفتي الموحش أضيئ فقط بوهج تلك الكلمات التي طبعت فوق صفحة بيضاء من صفحات ذلك الكتاب المجهول :
من أطلال حلم مكسور وُلد واقع  وجدت نفسي حبيساً خلف قضبانه الزائفة دون أن أشعر .
لقد كان اليوم الذي رُفض فيه طلبي للانخراط في الجيش ، قالوا أنني فشلت في الاختبار النفسي ، لكنني لم أصدق ذلك .

كنت أحس بالوحدة رغم أني محاط بالناس كوردة ذابلة في حديقة غناء ، غارقاً في الخيبة و شارداً أتأمل قطرات المطر و هي تبلل شارعنا في منظر كئيب رن هاتفي فكان المتصل خالاً لا أسمع صوته إلا عبر الجوال و يكون ذلك عادةً من مناسبة لمناسبة ، بدا مبتهجاً و هو يقول:

– أهلا بني ، لقد سمعت عن رفضك و تحدثت مع أحد معارفي في الجيش ، و قال لي أنه وضع أسمك في قائمة الناجحين ، أنت مقبول بني .
خليط غريب من الضحك و البكاء خالجني ، كالأبله شكرته بسرعة :
– شكراً لك يا خالي … شكراً جزيلاً .
ثم أغلقت الهاتف و قفزت كطفل وسط غرفتي قبل أن أخرج منها صارخاً :
– أماه ، أماه ، لقد أتصل خالي …
فقاطعتني مبتهجة ضعف بهجتي و هي تضحك كأن كل هموم الدنيا قد زالت من على كتفيها:

– أنا أعلم ، لقد خاطبني أولاً و قال لي أنه يجب عليك أن تكون في الثكنة في أقرب وقت ممكن .
و طبعت قبلة على خدي كان عنوانها : ” أنا فخورة بك ” .
حقيبتي كانت ما تزال موضبة ، فسحبتها بهدوء من ظلام الغرفة لضوء الرواق و أسندتها على الحائط أمام الباب ثم صحت مجدداً :
– أمي … أمي.

لكنها لم تجب ، بسرعة توجهت لغرفة المعيشة فوجدتها تغط في النوم فوق الأريكة ، فسحبت المبلغ الذي أعطته لي مسبقاً و حملت مفاتيح السيارة ثم طبعت أنا بدوري قبلة على جبينها هامساً:

– وداعاً …
و بعينين مبتهجتين نظرت للإطار المعلق على الحائط البعيد ، كانت مبتسمة كعادتها ، و عيناها البنيتان تشعان أملاً ، تقف مسندة يدها علي و كأنها تقول :
– بدونكِ سأسقط .

أخذت نظرة أخيرة على المنزل ، نظرة كانت بمثابة رواية سطورها ذكريات عن ذلك المكان ، ثم غادرت ، تحت المطر كنت أسير بفخر كأني قهرت جبروت الحياة و في خلدي خيالات عن مستقبل دافئ أكون فيه في حضن زوجتي ، مشاهداً ولدي يركض أمامي مغتبطاً متجهاً صوب جدته ، و في خضم تلك الأحلام التي داعبت رأسي كما داعبت قطرات الودق ملابسي رأيت مانسون يقف أمامي و كأنه خرج من العدم ، وحيداً وسط الشارع و في يده حقيبة سوداء بدت موضبة ، بهدوء أقترب نحوي قائلاً دون سابق إنذار :

– هل تريد حقاً فعل هذا ؟.
فأجبت :
– نعم ، بكل تأكيد .
نظر إلي لوهلة متلثماً بالصمت ثم قال :

– إذا أردت حقاً المضي قدماً في هذا فعليك أن تكون مثلي ، لك ثقة يرضخ لها الجبل ، و قوي لدرجة أنك تكسره إذا رفض الرضوخ لك .
ابتسمت بعد قوله ذاك فقد رأيت في ذلك الرجل جزءاً من نفسي و رديت عليه بسرعة :
– نعم ، بكل تأكيد .
فأستدار قائلاً :

– الوقت يداهمنا يا صديقي ، علينا التحرك .
بخطوات سريعة بدأنا المشي جنباً إلى جنب حتى وصلنا لباحة الركن حيث كانت السيارة تنتظر بهدوء في الجانب البعيد ، و ما إن مررنا عبر البوابة حتى لمحت حارساً عجوزاً هزيلاً جالساً داخل غرفة الحاجب الصغيرة يحدق بجمود لصندوق تلفاز صغير قديم بشاشة بيضاء و سوداء و قد أنعكس وهجه على ملامحه الحزينة بوضوح ، لم يسبق لي أن رأيت ذلك الرجل هناك فقد كان الفتى مصطفى دوماً هو من يستقبلني بمقولته الفلسفية المعتادة :

– أصبحنا نعيش في سجن كبير داخل رؤوسنا و المخرج الوحيد منه هو بانفجار يخلصنا جميعاً منه أو يقتلنا .
لكنني و لسبب ما أحسست كأني رأيت ذلك الرجل من قبل فضيقت عيني محاولاً قراءة ملامحه بصورة أفضل لكن مانسون أجفلني قائلاً :

– أحس كأن هذا المكان كان هنا منذ الأزل .
فأجبت و أنا أعاود المسير :
– نعم ، هذه المدينة لا تتغير قط .
بخفة وضعت حقيبتي في الصندوق و أخذت مكاني خلف المقود ثم فتحت الباب لمانسون الذي دلف بهدوء ملاحظاً حقيبة الظهر الصغيرة المرمية في المقعد الخلفي ، فسأل :
– ماذا يوجد فيها ؟.

أجبت و أنا أنظر لما كان يشير له :
آه ! قارورة ماء و كأس ، في كل مرة أسافر مع أمي ننسى أن نجلبهما معنا ، لذا قررت أن أضعهما هنا بصفة دائمة .
– حسناً .

أجاب باقتضاب بينما حركت أنا عجلات تلك الفولفو الحمراء الباهتة فوق الأرض المبتلة .
قطعنا شوارع و أحياء جعلني ذلك المنفى الذي خلقته لنفسي داخل منزلي أنسى أنها موجودة ، أماكن تغيرت و محلات جديدة فتحت أبوابها الزجاجية الفاخرة لكن ذلك الحي الذي أشعل فتيل ذكرياتي لحظة دخولي بين جدرانه بدا كما لو أن الزمن توقف عنده ، مجموعة المنازل المتراصفة بلونها الآجوري الفاقع ، الباحات الأمامية الخضراء ، و الأقزام الزجاجية الصغيرة التي وقفت فوق ذلك العشب دون حراك ، مانسون بدا أنه لاحظ شرودي فسأل :

– هل يدق هذا المكان أية أجراس ؟.
بسرعة أجبت :
– المنزل الأول كان يقطن فيه عقبة ، فتى طيب و مهووس جداً بموسيقى بالروك ، و المنزل الثالث كان منزل وليد ، سمعت أنه تلقى منحة للدراسة في النرويج فقد كان لامعاً بشكل استثنائي .
و بخفة حركت السيارة بضع أمتار حتى وصلت لنهاية الشارع ثم أشرت لآخر منزل و أدلفت:
– و هذا كان منزل أنور ، لقد توفي غرقاً وسط البحر بعد رحلة هجرة سرية فاشلة .
– ذلك مؤسف ، قال مانسون مواسياً ، فرديت عليه:
– نعم ، لقد كنا لا نفترق أبداً .
– و ماذا حدث ؟ قاطعني بسؤاله فأجبته و أنا أعاود المسير :
– الحياة حدثت .
و مجدداً سأل :

– بالحديث عن الحياة ، لماذا هذه الحياة ؟ السلاح و الموت و الغضب .
فأجبت مباشرة :
– ربما كان هذا حلمي دوماً ، و ربما لأني لا أملك حلاً آخر في هذا الوطن .
ضحكة صغيرة صدرت منه قال بعدها :
– و هل وظيفة قد تؤدي بك للموت هي أفضل حل حقاً ؟.
فرديت بيقين :

– و هل نحن أحياء حقاً في هذا المكان لنخاف الموت .
– ربما معك حق ، قال بنوع من الهمس ثم أعقب :
– لم يكن لدينا حقاً سقف فوق رؤوسنا ، بل نصف سقف و النصف الآخر كان حديداً رفيعاً من ساحة الخردة مثبت ببضعة صخور .
شرحه الدقيق جعلني أطرح السؤال البديهي :
– و هل عشتم في حي فوضوي ؟ .
فأجاب بملامح جامدة :

– لمدة ستة عشر عاماً ، و لم نحصل على منزل إلا بعد وفاة والدي ، كما نقول ” عندما كان حياً أشتهى حبة تمر و عند وفاته أهدوه عرجوناً ” .
و دون أن أكبح نفسي قاطعته قائلاً :

– يبدو كالمكان الذي ترعرعت فيه باستثناء أن والدي لم يكن …
و على حين غرة أرتسم في ذاكرتي مشهد غريب كنت واقفاً فيه دون حراك فيه في ساحة تايمز سكوير بنويورك ، فتساءلت مع نفسي مرتبكاً بينما تلاشى حديث مانسون كريشة يحملها النسيم : ” هل زرت نيويورك ؟  أظن أني فعلت ذلك ، لكن متى ؟ أظن أنه كان لدي عمل سري هناك ” كلماته عادت للوضوح مجدداً فقاطعتها متسائلاً بنوع من الفضاضة :
– و كيف مات ؟.

لكنه أجاب غير مبال :
– أزمة قلبية ، كما أنه كان كفيفاً و أراد أن يبصر النور مرة قبل رحيله ، لكن ذلك لم يحدث.

لم أضف كلمة أخرى بعد ذلك كما وضع هو لجام الصمت على فمه و بعد مشية طويلة في ذلك الطريق الريفي على أطراف المدينة أضحى ذلك القمر الناضج بادياً فارضاً سلطانه على النجوم بعدما أزيح ستار الزرقة فاسحاً المجال لسواد الليل و بدأ يعتريني نوع من القلق الذي لم يلاحظه هو مما دفعني لسؤاله :

– و أين هي هذه الثكنة تحد …
و قبل أن أنهي كلماتي صاح قائلاً :
– هاه ، لقد وصلنا ، أنعطف يميناً .

المكان كان ضخماً بشكل لا يُصدق و مختلفاً قليلاً عن المرة الأولى التي كنت فيها هنا ، بضع تفاصيل و بنايات بدا كأني أهملتها فشردت فيها هذه المرة و أنا أركن السيارة في تلك الباحة الأمامية الخالية ، بسرعة نزلنا و بين أيدينا حقائبنا الثقيلة ، و لأزيد من تعاستي حملت معي حقيبة الظهر لعلي أحتاج مساحة زائدة ، و رحت أتصارع معهما حتى وصلنا للمدخل ، فكان أول شيء جال في خاطري في تلك الوهلة :

– هذا هو المكان الذي أنتمي إليه ؟.
جنود يركضون و يرددون أناشيد و أغاني ثورية ، طلقات الرصاص و الأزياء الموحدة ، وصفة أدت لشرود طويل جداً لدرجة أن مانسون كان قد أرتدى زيه الرسمي هو بدوره ، شعرت بالإحراج لأني كنت أتصرف كطفل صغير في متجر حلوى ، لكنه بدى أنه لم يكترث لذلك و قال بجدية :

– عليك أن تنتظر حتى الغد للحصول على زيك ، فآخر واحد قدم لي أنا .
لم أمانع ذلك إطلاقاً و سألته بينما سحبت هاتفي من جيب بنطالي :
– و هل تعلم أين أضع ملابسي ؟.
فرد بسرعة :
– نعم ، أتبعني .
 
***
 
مشية قصيرة وصلنا بعدها لغرفة ضيقة بباب خشبي أخضر بدا مكسوراً ، و سرير بمرتبة بيضاء اكتسحتها ألوان الوسخ السوداء ، لوهلة وقفت محدقاً في ذلك المنظر ، فطمأنني مانسون قائلاً بغطاء التوبيخ :

– هذا هو العمل يا رجل ، أنت لست في فندق . سأحاول أن أجد لك بطانية .
– نعم ، رديت عليه غير راضي ثم جلست على حافة السرير و من جيبي سحبت الهاتف فكانت قائمة الاتصالات غير المجاب عليها طويلة و كلها من أمي.
” ماما : 16 اتصالاً لم يُجب عليه “.

كان الظلام قد أطلق أشباحه السوداء خارجاً و الهدوء رمى بردائه على المكان ، فقلت في سري :

– إنها قلقة فقط ، كما أن الوقت متأخر سأتصل بها غداً .
و بخفة أعدت جسمي للخلف حتى ألتصق ظهري بالحائط العفن ، ثم أسندت رأسي عليه و سمحت لجفوني بالانغلاق لحظات قليلة قبل أن تقطع السكون صرخة بدت بعيدة و جادة :
– أظن أنه هناك .

بسرعة اعتدلت في جلوسي و ما إن نهضت حتى دخل مانسون مفزوعاً كأنه كان هارباً من الشيطان بنفسه ، و قال و هو يلتقط أنفاسه :
– علينا التحرك فوراً .
مرتبكاً إستدرت لحمل حقيبتي فصاح في قائلاً :
– دعك من الحقيبة ، هيا تحرك .

لكنني خطفت حقيبة الظهر و رحت أتحرك خلفه بخطوات صامتة ، خائفاً كان يحرك رأسه يميناً و شمالاً ، لكني سألته لأزيح جبل الغموض عن كاهلي :
– ما الذي حصل ؟.
فأجاب و قد توقف أمام سور حجري متوسط العلو :
– إنهم يبحثون عنك ، لديك معلومات يريدون أخذها.

و بسرعة قفز متشبثاً بصعوبة بنهاية السور قبل أن يدفع نفسه بقدميه لأعلى ثم يقفز للجانب الآخر ، بخوف ألتفت فلمحت أضواءً تتحرك في الأرجاء كأعين ذئاب جائعة ، فما كان مني إلا أن أقوم بمثل ما قام به مانسون و أقفز رغم خوفي من أدنى مرتفع ، حاولت تهدئة نفسي بأخذ أنفاس قصيرة ثم أغمضت عيني و دون أن أشعر وجدت نفسي متشبثاً بنهاية السور و الحجر يجرح يدي ، فدفعت بنفسي لأعلى و قفزت للجهة الأخرى ،

بدون أدنى فكرة أين كنت سمعت صوت مانسون الخشن ينادي فاهتديت نحوه وسط ظلام لم ألمح فيه الكثير سوى طريق حجري قديم كان هو واقفاً وسطه و بيده بندقية كلاشينكوف سوداء ، و من الظلام خلفه برز فتى بدا كتميمة للشباب ، طويل القامة و مفتول العضلات ، ينسدل على كتفيه شعر طويل و ترتسم على وجهه الطفولي ملامح جادة مشكلة مزيجاً غريباً ، بخطوات متثاقلة تقدمت نحوه متسائلاً :

– ما الذي يحدث ؟.
فأجاب :
– هذا رابيت ، واحد من المجموعة المكلفة بحمايتك.
– ماذا ؟  سألت مرتبكاً ثم أضفت :
– مجموعة ؟ .

ببطء استدار و أشار بسلاحه لقرية صغيرة اصطفت على جانبيها منازل بطراز أوروبي تقليدي و قد شقها في الوسط ذلك الطريق الحجري الذي كنا واقفين عليه ، للحظة حدقت لذلك المنظر غير مستوعب و همست مع نفسي :

– طيلة مدة عيشي هنا لم أعلم بوجود هذه القرية ؟ هل كنت حقاً منعزلاً لتلك الدرجة ؟ .
ثلاثتنا بدأنا بالمشي دون أن ننطق بكلمة حتى وصلنا لمدخل القرية ، فاتضح المشهد أكثر ، أبواب مخلوعة ، جدران أخترقها الرصاص و منازل خاوية تسمع صفير الريح يمر عبرها ، كانت جريحة تلك القرية بل و تنزف بغزارة فدفعتنا لنبطئ خطواتنا و نزيد حذرنا ، كنت أنظر حولي محاولاً إيجاد أي إشارة و لو كانت ضئيلة للحياة ، لكن كل ما لمحته عيناي كان لافتة خضراء ساقطة على الأرض و فوقها بلون أبيض كتب :
” Zuhause “.

– أسم ألماني هنا ! ، قلت متفاجئا ثم واصلت مسيري خلف مانسون و رابيت الذي كان يهمس بكلمات لم أستطع سماعها ، لكنها بالتأكيد لعبت على عقل مانسون الذي أستدار قائلاً :
– تحتاج سلاحاً يا صديقي .

و بسرعة مد يده للخلف و سحب مسدس بيريتا أسوداً رماه تجاهي في لقطة غريبة قررت تجاهلها و حملت السلاح ، بخبرة أخرجت المخزن لأتأكد أنه ملقم ثم أعدت المزلاق و بإحكام أمسكت المسدس بكلتا يدي قبل أن يصيح هو قائلاً :

– علينا أن نفتش تلك المنازل قبل أن ننضم للمجموعة ، لا يجب أن نترك أحداً خلفنا .
أخترت الصمت كأداة للموافقة ، فنظر لرابيت و قال آمراً و هو يعطيه رشاشه :
– خذا المنزل على اليسار و أنا سأخذ المنزل على اليمين .
فقلت أنا بسرعة :

– و ماذا عنك ، ستدخل بدون سلاح ؟.
أجاب و هو يتحرك بعيداً :
– لا تقلق بشأني .
 
***
 
بوثبات صامتة اقتربنا من الباب ، صفير الريح البارد يطلق ترنيماته المقدسة و ضوء القمر ينير دربنا كبوصلة إلهية ، المنزل الغريب الذي كنا على وشك دخوله كان بقعة مقدسة في نظر أهله لكننا و بكل بساطة كنا سندنسها دون تفكير في العواقب و كأن ذلك المنزل خال من أي روح قد تتأثر بعجرفتنا ، بسرعة وضعت يدي على المقبض و حاولت فتحه لكنه كان موصداً ، نظرت إلى رابيت الذي كان واقفاً بلا حراك ثم تراجعت بضع خطوات للخلف و بسرعة تقدمت نحو الباب رامياً بكل قوة قدمي تجاهه بركلة عنيفة جعلت القفل يستسلم منكسراً،

سجادة صغيرة مزخرفة و بضع سلالم مهترئة كان أول ما رأيته أمامي ، فالتفت يساراً لامحاً غرفة جلوس ضيقة جلست وسطها طاولة خشبية بدت مكسورة ، بهدوء أشرت لرابيت ليتجه يساراً بينما أخذت أنا السلالم للطابق الثاني و عبر رواق ضيق اصطفت على جانبيه ثلاثة أبواب سرت متربصاً حتى وصلت لأول باب فدفعته بكوعي و دلفت غرفة أطفال مطلية بلون أزرق فاتح هادئ أختفى تأثيره المسالم علي لحظة رؤيتي لتلك الخزانة الخشبية التي كانت واقفة وحيدة في زاوية الغرفة ،

خطوة بخطوة اقتربت منها و بيدي اليمنى فتحت الباب بعنف حتى كدت أخلعه بينما كانت اليسرى مستعدة لإطلاق النار ، لكن جسمي تصلب و سبابتي ارتفعت من فوق الزناد مستحية من منظر تلك الفتاة البريئة و هي منكمشة تبكي بحزن و على جسمها ثوب نوم وردي متسخ . ببطء قرفصت لأجعلها تشعر أنها ما زالت بين الأحياء ثم سألت و قد أحسست بالتفاهة تجاه حذري الزائد :

– هل تأذيتِ ؟ .
أرتفع رأسها ببطء نحوي ، و من بحر عينيها الزرقاوين نزلت دموع بريئة قالت و هي تصارعها :
– لقد جرحوني لكني اختبأت .
– حسناً ، رديت هامساً ثم أضفت :
و أين والديك ؟ والدك ؟.
فأجابت :

– لقد ذهب ليساعد جارنا لكنه لم يعد .
– حسناً … حسناً … رددت تلك الكلمة مصدوماً ثم قلت :
– سأحاول أن أجد لك دواءً ، لا تتحركي .

بسرعة خرجت للرواق و فتحت الباب الثاني على اليسار ، فكان غرفة نوم مظلمة لا تبصر فيها العين شيئاً ، فأعدت إغلاقه بعنف قائلاً :
– أين الحمام اللعين ؟.

و ألتفت للباب الأخير خلفي ، و ما إن دفعته ليُفتح حتى سقطت و قد وهنت ركبتاي على صوت رصاصة قوي صم أذناي ، بسرعة نهضت متخبطاً كأنما كنت واقفاً على الجليد فتجمدت مقلتاي على منظر تلك الفتاة مستلقية بجمود و رأسها المنسوف مستنداً على الحائط الذي تناثرت دمائها فوقه ، العالم بدا موحشاً فجأة و كأن كل السعادة اختفت منه ، لم أعرف كيف أتصرف و كل ما استطعت القيام به هو إطلاق همسات ضعيفة تجاه رابيت الذي كان يتسلل في الظلام كشبح صاعداً السلالم :

– لا … لا … لماذا فعلت ذلك أيها المختل اللعين كنت سأسا …
الكلمات انسلت هاربة من فمي و التوضيح كان أفضل ما أمكنني القيام به ، فاستدرت للحمام لأبين المقصد الذي عجزت الكلمات عن شرحه ، لكن صدمتي ازدادت برؤيتي لمانسون يقف بالداخل دون حراك وسط غرفة مشققة الجدران و عارية السقف ، فسألته و قد توقفت أنفاسي:

– مانسون ، هل هذا أنت ، لما فعل ذلك ؟.
و أشرت لرابيت ثم عدت بنظري له ، فكان كل ما رأيته هو انعكاسي في مرآة ضخمة مثبتة بعناية فوق بلاط الحمام الأبيض فقلت في نفسي :
– ما الذي يحدث معي ؟ هل أنا أنقاد لحافة الجنون ، أم أن الجنون هو واقعي ؟.
 
***
 
في وسط الشارع خارجاً وقفت نصف وقفة و شعور الغثيان يلاعب فمي ، قدم مانسون راكضاً مباشرةً و سأل بنبرة قوية بدت لي بعيدة جداً و أنا محبوس داخل زنزانة يأسي :
– ماذا حدث ؟ .

أجبت بعنف :
– أسأل صديقك اللعين .
بسرعة ركض إلى داخل المنزل مختفياً وسط الظلام ، و بعد بضع دقائق من الصمت خرج يدفع رابيت كأب يشعر بخيبة الأمل تجاه أبنه و هو يصرخ :
– كان عليك أن تقتلها هاه ، لماذا ؟ لتسهل الطريق لبقيتنا ، و كأن طفلة صغيرة كانت تشكل أي خطر علينا ، اللعنة .

أنفاس عميقة كانت تدخل و تخرج من رئتيه بينما كان ينظر للسماء بتأمل ، و في لحظة الوضوح تلك قال بهدوء :

– لنجتمع بالبقية ، لا مزيد من المنازل .
في صمت سرنا حتى كدنا نصل نهاية القرية ، و قرب باب المنزل الأخير الذي كنا نقترب منه ببطء لاح شبح رجل زاد وضوحاً مع كل خطوة حتى بانت ملامحه ، شعر بني قصير مثل قامته ، وجه جامد بلا تعبيرات و عينان كبيرتان ، بسرعة رفع يده ملوحاً لنا ، فأقترب منه مانسون قائلاً :

– فالكون ، خذ رابيت لأعلى قبل أن يطلق النار على أحدنا .
– نعم سيدي ، رد باختصار و دفع رابيت بلطف من ظهره بينما دعاني مانسون للدخول ، لم يختلف المنزل كثيراً على ذلك الذي كنت فيه باستثناء أنه كان يحوي إنارة سمحت لعيني أن تلاحظا أن الأريكة كانت تحمل فوقها رجلاً أشقراً بملامح ممثل هوليوودي يبتسم بغرابة رغم أنه كان ينزف من بطنه ، و قبل أن أسأل أجابني مانسون :

– لقد تلقى رصاصة عندما كانت الأمور فوضوية هنا سابقاً .
متفاجئاً و مصدوماً سألته و أنا أقترب منه :
– هل أنت بخير ، هل تحتاج ضمادة أخرى أو … ؟.
فأجاب و كأنه في الجنة مسبقاً :
– أنا بخير ، إنه مجرد جرح !.

و بسرعة نظر ليدي ملاحظاً الجروح و قال :
– ذلك مؤلم على الأرجح !.
ببطء نظرت ليدي و قلت كاذباً :
– لا ، أنا بخير.
– لا ، أنت لست كذلك .

قال رافضاً ، ثم مد يده لجيب معطفه الرمادي و سحب قرصي دواء ناولني إياهما قائلاً :
– سيخفف هذان الصغيران الألم و يساعدانك على النوم .
متردداً أخذت القرصين و رديت :

– أظن أنك تحتاجهما أكثر مني .
لكنه لوح بيده غير مبال و قال بنوع من التهكم :
– ترهات ! أنا فقط جزء من كل هذا .
و سرعان ما عاود وضع يده فوق جرحه متألماً دون أن يخفي ابتسامته ، فسارع مانسون نحوه و تفقده قائلاً :

– حاول أن لا تتكلم .
و بخفة سار نحوي ساحباً إياي خارجاً بجانب المدخل ثم همس :
– هاوك كان دائماً مفعماً بالأمل ، لكنه لن يصمد حتى الصباح .
– حسناً ، قلت بسرعة ثم أضفت :
– و ما الحل ، هل ندعه يموت و حسب ؟.
– لا …

أجاب بسرعة ثم نظر للقرصين في يدي فقلت رافضاً و قد قرأت نيته :
– لا … لا ، تريدني أن أقتله بالأقراص التي أعطاني إياها ، إنه ليس أمراً لا أخلاقياً و حسب لكنه تصرف مريض .
بهدوء رد :

– لن تقتله ، ستجعله يخلد للنوم وحسب .
– لقد وثق بي ، قلت بنبرة عالية دون أن أشعر قبل أن أتدارك نفسي و أواصل حديثي خافضاً صوتي :

– لقد وثق بي بإعطائي هذه الأقراص .
مانسون أخذ نفساً عميقاً ثم قال بتركيز :
– الثقة هي هدية ، لكن الإنسانية فطرة ، أنت تخون ثقته في سبيل الإنسانية ، و أحياناً كذبة حلوة أفضل من حقيقة مرة .

جامداً وقفت دون حراك ، نصف مقتنع بما قاله لكنه أضاف :
– إنه يتألم لكنه لن يعترف بذلك ، أنت مخرجه الوحيد .
– اللعنة ! ، قلت يائساً ثم وضعت حقيبة ظهري على الأرض و سحبت منها قارورة الماء و الكأس و بسرعة رميت القرصين داخل الكوب ثم مزجتهما مع الماء حتى اختفت تلك الشوائب البيضاء المميتة و بهدوء سرت نحوه ، نيتي الخبيثة تنظر بافتراس لابتسامة الثقة التي رسمها على محياه .

– أشرب هذا ، لا بد أنك عطش .
شعرت أنني بحاجة لأخذ حمام بعد تلك الكلمات القذرة التي صدقها ، و بعفوية مرر ذلك الماء عبر حلقه ثم عاود الاستلقاء مجدداً بينما سرت أنا مبتعداً ، متسائلاً في قرارة نفسي :
– هل القذارة تكمن في كذبي عليه أم في تبريري لفعلتي بغطاء الإنسانية ؟ .

و عند الأدراج المؤدية للطابق الثاني وجدت مانسون يسأل فالكون الذي وقف في الأعلى :
– هل هو بخير ؟ .
– نعم ، إنه جيد .
– حسناً ، قال مانسون و هو يسند سلاحه على الحائط بجانب المدخل ثم أدلف :
– خذ ضيفنا لأعلى ليأخذ قسطاً من الراحة .
 
***
 
– يمكنك أن تنام على السرير هناك .
قال فالكون و هو يشير للزاوية البعيدة لغرفة أضيئت زواياها بمصباح زيتي عتيق ، ببطء سرت ناحية ذلك السرير الخشبي المهترئ و أرحت جسدي المنهك فوقه ، فاقترب مني تاركاً الباب مفتوحاً و قال فاتحاً قوس المحادثة معي :
– هل هذا ما قررت أن تفعله بمستقبلك ؟.
فرديت :

– هذا ما قرر المستقبل أن يفعله بي .
ببطء استند على الحائط ثم قال :
– لا … المستقبل مجرد نقطة تستمر بمطاردتها حتى تموت .
– الأمر لا يتعلق بالنقطة ، بل بالمطاردة ، أجبت و أنا أضع المسدس فوق السرير بجانبي .
نعم … ، قال هامساً و هو يومئ برأسه ثم أضاف كأستاذي القديم في الجامعة :
– هل كنت تعلم أن اللبؤة هي من تصطاد و ليس الأسد ، مع ذلك يأخذ الأسد لقب ملك الغابة؟.

مرتبكاً قلت :
– نعم .
فردد بعدي
– نعم … ثم أعقب :

– اللبؤة تطارد الغزال لإطعام أولادها ، فلم بدأت أنت المطاردة في المقام الأول ؟
– حبيية ! لكننا افترقنا ، لقد كانت ذكية جداً و بارعة في الألمانية من بين كل اللغات .
– و ماذا حدث ؟.
– ما يحدث دوماً ، حصلت على عمل و حياة أفضل و أنا بقيت في حلقة ” أنت رجل … ستتدبر الأمر “.

ابتسامة ساخرة ظهرت على وجهه قال بعدها :
– تركتك لأنها ظفرت بحياة جيدة ؟.
فأجبت و أنا أكتوي بجمرة الذكريات :
– لا … أنا تركتها ، لأني كنت خريج جامعة يعمل كبناء بأجر يومي زهيد .
بسرعة قاطعني :

– ذلك ليس عذراً .
فقلت مواكباً سرعته :
– نعم هو كذلك ، أنا لست سافلاً للدرجة التي تجعلني أجرها معي لحياة مزرية كتلك .
لكنه أضاف و قد بدت عليه علامات الغضب :
– إذاً فربما لم تقعا في الحب قط .
و حاولت أنا بيأس إنهاء المحادثة قائلاً :

– و ربما وقعنا في الحب لدرجة تعجلنا لا نستطيع إيذاء بعضنا حتى و إن كان ذلك يعني الافتراق .
لكنه أستمر بالحديث :
– هاه ! و مع ذلك استمريت في المطاردة ، لماذا ؟.
– ربما ، هذا أنا ذا توقفت و أستسلم للواقع .
– و الذي هو ؟.

– وُلدنا في زمان غير زماننا ، في مكان لا نستحق العيش فيه ، ليس لأننا سيئون بل لأننا جيدون كفاية بالنسبة للذين يحكمونه .
اكتفى لوهلة بالصمت و بخفة أبتعد عن الجدار قائلاً:
– ربما مشكلتك هي أنك متشائم .
لكني دافعت عن نفسي :

– مشكلتي هي أنني واقعي .
– و كيف ذلك ؟ سأل ثم أضاف قبل أن أجيب :
– يبدو لي أنك تلوم المستقبل على كل خطوة تقوم بها رغم أنك أنت من يتحكم فيه .
أجبت و قد بدأ جليد الهدوء يذوب داخل صدري :

– أولئك الذين حاولوا التحكم به أنتهى بهم المطاف إما جثثاً في عرض البحر …
– هاه … يبدو كاختيار خاطئ لا دخل لي فيه .
رد مقاطعاً بنوع من التهكم لكني واصلت :
أو موتى وحدهم في غرف مظلمة .
– و لم ذلك تحديداً ؟.

– لأنهم لم يستطيعوا تحمل تكاليف زواج و عائلة .
– و هذا هو الانطباع الوحيد الذي أعطته لك تجاربك السابقة ؟ ترى فقط الجانب المظلم !.
– هذا هو الانطباع الوحيد الذي أعطاه لي الوطن الذي وثقت به ، و أرى الأمر بعينيه الرماديتين و سأشكره دوماً لتحويل ربيع عمري .

ثورة غضبي الصغيرة فترت بعد تغير ملامح فالكون دون سابق إنذار من الهدوء للمفاجئة و هو يقترب ناحية النافذة التي كانت خلفي ، فاستدرت بسرعة و أخذت نظرة على طول الشارع قبل أن يهمس في أذني :

– المنزل الثاني ، هل ترى ما أراه ؟.
– نعم .
أجبت متفاجئاً و أنا أنظر لضوء برتقالي ساطع يخترق زجاج نافذة المنزل الأمامية الكبيرة فيلقي بظلاله على الشارع المظلم ، بسرعة استدرت له فاكتفى بالتحديق لي و بخطوات متسارعة أقرب ما تكون للهرولة نزلت للطابق السفلي و بدون تفكير عميق فتحت الباب فأوقفني :

– خذ هذا معك .

و ناولني سلاح مانسون ، فأخذته و بدأت السير كل خطوة على حدة كاسراً سكين الصمت الذي كان يقطع المكان ، و مع كل خطوة كنت أقترب بها من تلك النافذة تضاف صخرة أخرى لحائط الخوف الذي كان يشيد بداخلي حتى اكتمل برؤيتي لخيال فتى صغير يركض على لوحة الظل التي رسمها ذلك الضوء في الخارج ، فسارعت متخوفاً حتى انكشف السر الذي كان يقبع خلف الزجاج ، فتاة صغيرة بشعر أسود طويل تلجأ ببراءة لحضن جدتها التي أمسكتها بقوة و هي تضحك ملئ شدقيها بينما جلس الزوجان في الخلف يحتضنان بعضهما و يضحكان على وقع ذلك المنظر ،

فؤادي لمس لذة السعادة للحظة و الابتسامة التي غابت لزمن عادت كصديق قديم ، ببطء اقتربت من الزجاج لعل شعور النشوة ذلك يزيد ، و مع آخر خطوة أخطوها يرتعش جسدي و يهتز كياني على صوت رصاصة قادم من المنزل ، فاستدرت بسرعة و قد عدت حبيس الواقع مجدداً ، بارتباك و خوف غريب ركضت عائداً للمنزل ، و بعنف فتحت الباب محركاً عيني يميناً و يساراً باحثاً عن روح أناشدها ، فصدرت صرخة الخلاص من الطابق الثاني :

– نحن هنا .
و بسرعة قصدت مصدرها حتى وصلت لمانسون و فالكون  يقفان على عتبة باب الحمام و يحدقان بأعين مصعوقة لجثة رابيت الجامدة مغطاة بالدماء داخل حوض الاستحمام و قد أنفجر شطر وجهه الأيمن بفعل رصاصة من المسدس الذي كان قبل لحظات بين يدي .
من خلف هلعي حاولت الدفاع عن نفسي :

– لم أكن أعلم أنه .
لكن مانسون قاطعني :
– إنه ليس خطأك ، فقد شعرت دوماً أنه كان سيموت بهذه الطريقة .
– لكن ماذا ؟ ، سألت مصدوماً ، فأجاب :

– لم يكن حقاً من نوع الرجال الذي يفضفضون ، و ربما قتله لفتاة بريئة كان الشعلة التي أدت لانفجار البركان .
رعشة خفيفة سرت بين عظامي كأنما أصابتني الحمى فجأة ، فأخذت بضع خطوات للخلف و أنا أنظر لفالكون الذي بدا حاله أسوأ من حالي و هو يبصق الكلمات بصعوبة :
– و ماذا نفعل الآن ؟.

فأجابه مانسون ببرود :
– خذ السلاح ، و أغلق الباب حين تخرج .
ثم استدار نحوي قائلاً :
– و أنت خذ بعض الراحة ، لديك يوم كبير غداً .
 
مع ملامح الفجر الأولى رفعت جسدي من فوق السرير على صوت جلبة خفيفة في الطابق السفلي ، بهدوء مشيت خارج الغرفة و نزلت السلالم بحذر ، لكن ليس بحذر كاف لمانسون الذي قال و قد شعر بوقع أقدامي :

– أنا لا ألومك ! من يستطيع النوم بعد ليلة كهذه .
– نعم .
قلت و أنا أنضم له في المطبخ ، فصفع الأرضية بجانبه حيث كان جالساً بعفوية فوقها غير مبال بأتساخها و قال :
– تفضل بالجلوس .

بدون تفكير جلست بجانبه و كأنني أعرفه طيلة حياتي و سألت :
– هاوك ؟.
فأجاب باختصار :
– لقد رحل في سلام ، بابتسامة على وجهه .
– تباً ! همست بينما واصل حديثه مطمئناً :
– توقف عن لوم نفسك .
فأجبته لا مبالياً :

– طبعاً .
و ببطء ضم قدميه لصدره و أسند يده اليمنى على ركبته ثم قال بطريقة مباشرة أقرب ما تكون للأمر:
– لا ، توقف عن لوم نفسك على كل خطوة تقوم بها ، فمعظمها صحيحة لكنها في الطريق الخطأ و حسب .

– و ما هو الطريق الصحيح ؟ ، سألت فرد بسرعة كأنه كان يرجو في قرارة نفسه أن أسأله:
– أنت وحدك من يعرف ذلك ، لكني متأكد أنه ليس هذا الطريق .
و لوهلة صمت ثم أدلف :
– ما هو الشيء الذي يجعلك تشعر أنك لا تهتم بالعالم حين تقوم به ؟.
فرديت :
– الكتابة .

– حقاً ؟ قال بطريقة هزلية ثم أضاف :
– أعطني سطراً ؟ .
بارتباك زائف نظرت إليه محاولاً التهرب من طلبه فأصر :
– هيا … فقط سطر واحد .
فاستسلمت له و أعطيته سطراً من أحدى قصصي القديمة التي جف حبرها :

– عندما يموت أملك متأثراً بجراح الخيبات ، و ينتحر شبابك متأثراً بقتله لروح البراءة بداخلك ، لن يبقى لك خيار سوى دفن مستقبلك و العيش هائماً في دهاليز الوحدة المظلمة….

و قبل أن أنتهي بدأ بالضحك ، و لم أفهم إن كانت تلك الضحكة على وجهه ضحكة سخرية أم مجاملة ، لكن كلماته التالية أوضحت موقفه :
– هذا أعمق من أن تفهمه الحياة بنفسها يا رجل ، فهي لا تنظر سوى لأولئك الذين يحطون من قيمتها و يعاملونها كأنها شربة ماء .
بهدوء ربتت على كتفه مستعداً للنهوض و قلت :

– لن أجادلك في ذلك .
و ما إن استقامت ساقاي حتى دخل فالكون رامياً بمسدس البيريتا أرضاً و بين يديه رشاش مانسون ، فنظرت بسرعة للمسدس ثم عاودت النظر نحوه ، فقال و ملامح الصدمة باديةٌ على وجهه :

– أحمله .
مانسون حاول التحدث خلفي :
– فالكون ، أهدأ …
لكنه قاطعه بعنف :
– أغلق فمك اللعين .
ثم أمرني مجدداً :
– أحمل السلاح أو سأفرغ المئة رصاصة التي في المخزن على كليكما ، لقد نلت كفايتي من هذا .

– حسناً … ، قلت و أنا أقرفص لأحمل السلاح ، و ما إن لامس يدي حتى قال :
– سأعد إلى خمسة و إن لم تطلق أنت النار علي سأقتلكما .
مليون فكرة في رأسي ، مليون ذكرى ، تجمدت  كغلام يتعرض للتوبيخ ، و مع كل رقم يزداد تمسكي بالحياة .
– ثلاثة … أثنان … واحد …

توقف العد و سقط أمامي كأنه لم يكن واقفاً بينما أنسلت الحياة من جسده ، لقد ضغطت على الزناد و أنهيت حياته ، أو ربما أنقذت حياتي ، لكني في كلتا الحالتين قتلته ، قلبي يخفق بقوة و رأسي يدور كعجلة دوارة في مهرجان ، مانسون أخد المسدس من يدي المتصلبة و صرخ بقوة تجاوزت قضبان صدمتي :

– هاي ! علينا دفنه … حسناً .
فاستفقت على صوته الخشن مجيباً و أنا ألتقط أنفاسي :
– ماذا ؟ هناك جثتان لعينتان هنا … لماذا ندفنه هو ؟.
بعنف أمسكني من كتفي و قال و قد أقترب مني :

– رابيت قتل نفسه و هاوك مات متأثراً بجروحه ، لقد قتلته أنت ، و الآن أمسك بقدميه .
شعرت كأنه ثقيل بشكل غير اعتيادي و أنا أحمله مسايراً مانسون الذي أتجه ناحية الباب الخلفي الذي ركله بباطن قدمه كحصان ، لنجد أنفسنا نقف وسط أكبر مقبرة رأتها عيناي ، كان المكان أشبه بقرية أخرى ، لكن بقبور مصطفة بدت كأنها لا منتهية ، و الشواهد منتصبة فوقها دون حراك كجنود يحيون قائدهم ، و في بداية ذلك الصف اللامتناهي حفرة لم يُرمى عليها التراب بعد ، قادني مانسون إليها و هو يجر النصف العلوي لفالكون قبل أن يرميه هناك ليحتضنه التراب و الظلام ، ثم استدار إلي قائلاً :

– أذهب ، أنا أتكفل بهذا .
و لأول مرة لم أجادله و استدرت خارجاً من المنزل ، ضوء شمس الصباح الخافت كانت منارتي ، فركضت بضع خطوات في أتجاه المخرج قبل أن أستدير متداركاً العائلة التي رأيتها بالأمس ، و بجنون رحت أصرخ و أنا أركض :
– هاي ، أخرجوا من هناك … هاي !.

و قبل أن أصل نُسف السقف كأنه بالون منتفخ لامس إبرة ، و تطايرت شظايا الخشب فوقي كالمطر ، فانزلقت ساقطاً على الأرض الصلبة ، و لمحت في غمرة صدمتي دبابة مصفحة نسفت سقف المنزل الثاني ، فاستدرت منسلاً كالفأر هارباً بجلدي و الأسقف خلفي تتناثر واحداً تلو الآخر ، و من العدم أحسست بضربة قوية شقت صدري نصفين و أوقعتني على الأرض بعنف جعلني أصدم رأسي مغشياً علي .
 
***
 
العالم حولي يدور و صوت من بعيد يردد :
– إنه هنا ، إنه بخير .
بالكاد استطعت فتح عيني ، و أول ما رأيته كان زي الشرطة الأزرق ، ملامحه كانت ضبابية و لم تتضح إلا بعد بضع لحظات ، وجه مربع و ذقن محلوق ،  إنه شرطي حتماً ، حاولت التحرك لكنه سمرني في الأرض و قال بهدوء لا يعكس عنف تصرفه :
– ستكون بخير .

ثم مد يده للراديو و قال :
– لقد وجدته ، إنه في القرية الأثرية .
و فجأة عاد الهلع بعد أن نسيته و قلت خائفاً :
– الدبابات … الدبابات خلفنا .
ظننت أنني أصرخ ، لكن من الواضح أني كنت أهمس إذ اقترب مني قائلاً :
– ماذا ؟.

ثم مد يده لي و أضاف :
– هيا … سأساعدك على النهوض .
بصعوبة أعطيته يدي و استدرت لتستقر عيناي على قرية قديمة أضحت معظم مبانيها أطلالاً و أعمدة بلا روح ، بينما كانت الأخرى مجرد منازل قديمة خاوية ، فقلت غير مصدق :
– أين مانسون ؟ لقد كان في ذلك …

و ضربت بسوط سخافتي إذ كنت أشير لأعمدة فارغة أتعبها الزمن و أكلها التراب ، فاستدرت للضابط متسائلاً :
– ما الذي حدث بالأمس ؟.
فأجاب متهكماً :

– لم أعد للمنزل بالأمس ، أبقيتنا بالخارج طول الليل نبحث عنك ، أمك قلقت حتى المرض عليك .
– ماذا ؟ ، قلت و لم أجد غير تلك الكلمة ، ثم أضفت :
– أمي … هل هي بخير ؟.
فأجاب و هو يسحبني بلطف في أتجاه السيارة حيث كان يجلس زميله :
– نعم ، إنها في المركز ، ستلتقيها هناك .
بهدوء جلست في المقعد الخلفي أنظر باهتاً حولي ، ثم سألت :
– ما هي تلك القرية ؟.

فأجاب و هو ينطلق مبتعداً :
– إنها القرية الأثرية ، مجموعة منازل عتيقة من العصور القديمة ، حاولوا جعلها مزاراً سياحياً لكن لا أحد يأتي هنا على الإطلاق ، إنها مجرد مدينة أشباح .
 
***
 
بياض المصحة أحاط بي مجدداً و قد انتهيت من سرد القصة ، وجوه تنظر ناحيتي ، مرتبكة ، مبتسمة ، غير مبالية ، آخر يوم بعد عامين في هذا المكان و آخر من يخبر قصته .

بعد آخر كلمة وقفت مغادراً  ليستقبلني كرسي الساحة الحديدي مجدداً ، و لأروي عيني بلون السماء المغري قبل أن أعود للزنزانة ، لتطاردني تلك الوجوه مجدداً ، ربما تلك الشخصيات كانت مجرد سراب في صحراء عقلي ، هلوسات ، مرض نفسي يحتاج العلاج ، لكن تلك القرية ما زالت تطاردني دوماً في أحلامي ، أرى نفسي أنظر لانعكاسي في تلك المرآة الضخمة متسائلاً بتقزز :

– ما ذنبي أنا إذا أبحرت سفينة شبابي في خضم عاصفة الوقت غير العادلة ؟ ما ذنبي أنا في قرار اتخذه شخص مجهول يجلس خلف مكتب ؟ ، هل أنا أطلب الكثير حين أتمنى عائلة و حياة طبيعية ، أم أن الخطأ ليس في الطلب بل فيّ أنا الذي طلبت عدالة في زمن اللصوص .
 

النهاية .
 

تاريخ النشر : 2021-02-03

تقي الدين

الجزائر

مقالات ذات صلة

16 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى