أدب الرعب والعام

بيوت قديمة – الجزء الأول

بقلم : السمراء – السودان
للتواصل : [email protected]

لا أحتمل رؤية دموع جميع النساء مهما كانت نوع علاقتهن بي
لا أحتمل رؤية دموع جميع النساء مهما كانت نوع علاقتهن بي

 
1

لم يكن القميص الرمادي الفضفاض الذي ارتداه مصطفى متناسقاً مع بنطاله – عوضاً عن أن زره الأخير مفقود ، أشترى هذين القطعتين قبل بضعة أعوام حينها كان عمره أربع و ثلاثون عام ، ليس من قلة ثيابه أختارهما ، فقط هما أقرب شيء بقيا في متناوله بعد حشر جميع ملابسه في الحقيبة .

لساعات طويلة سار به الباص ، جُل ما يتمناه الآن هو سرير يريح فيه جسده ، الحمد لله أنه تخلص من مديرة المشفى لعدة أشهر ، الآن يبدو كأستاذ في مدرسة أكثر منه طبيب نفسي ، انتزع قلمه من جيبه الأيسر و دوَّن الأشياء الضرورية التي سيحتاجها خلال مكوثه في البلدة.
تبللت لحيته الخفيفة بقطرات العرق و هو يقف منتظراً تحت الشمس الساخنة دون أن يفقد صبره أو يتذمر ، فقط يتذكر :  خُذ إجازة مصطفى ، و كأن الإجازة ستريحني ، فلتأتي الطبيبة أمينة و لتلقي نظرة أين أقضي إجازتها و كيف ،  نعم إجازتها لأنني لم أطلبها .
 ” لا تنسى التقاط صور لي ” – تلك العجوز . انتظري فقط و سترى كيف تكون عُطلتي “.
 
كان سيلتقي سمسار العقارات هنا أمام هذه المنازل ليستأجر أحدها ، و الرجل تأخر ، نزع نظارته الطبية و مسحها بطرف قميصه متأملاً محيطه . تمتم :
 
” مكان كئيب “.
 
بل ميّت هذه هي الكلمة الأدق ، فهذا المكان صخري برياح سريعة مالحة و جافة ، تعبُر هذه الرياح البحر المتوسط و لا تكتسب أية رطوبة .
 
” صامت و أهله ودودين “.
 
ألتفت مصطفى تجاه مصدر الصوت فرأى السمسار للمرة الأولى ماداً يده مصافحاً ، بادله التحية مبتسماً بسخرية – فالقاعدة تقول أن الأشخاص الذين يترعرعون في مناطق صخرية قاسية يتطبعون بأرضها .
 
” أي واحد فيهم هو بيتي ؟ “.
 
” إنه هناك “.
 
أشار الرجل إلى منزل يبعد عنهم عدة أمتار حوله الكثير من الأعشاب اليابسة و الأحجار ، و قد كان أسوأ المنازل على الإطلاق ، النوافذ كانت جميعها متهالكة على وشك السقوط ، درفها مائلة على الجهتين في ابتسامة واجمة ، سأله مستنكراً :
 
” ألا يوجد أفضل من هذا ؟ “
 
” لن يسقط عليك ” قال محي الدين ثم أخرج علكة من جيبه و قذف بها في فمه فخرج صوته بشعاً :
 
” هذه حال البيوت هنا ، فقط تلك مسكونة و أهلها يعتنون بها ، أما هذا …”.
 
” أنظر .. سأعطيك نصف المبلغ و النصف الآخر بعد أن تصلح تلك النوافذ ، أو بإمكاني الذهاب إلى أحد الفنادق على الشاطئ ” .
 
” ليس هناك من داعٍ أخي ، كما تشاء ، سيأتي النجار صباحاً لإصلاحها لا تقلق ، أنت فقط أرح رأسك الليلة و لا تقلق أبداً “.
 
أومأ إليه مصطفى موافقاً و دلفا إلى الداخل ، بدأ السمسار في إضاءة المصابيح واحداً تلو الآخر و هو يتقدم :
 
” الكهرباء لا تُقطع إطلاقاً ، و هناك موقدين ، أنت محظوظ تعرف ، أحدهما يعمل بالغاز و الآخر بالفحم “.
 
عظيم .
 
” في حال حدث شيء لأحدهما سيعمل موقد الفحم دون شك ” و قهقه الرجل بصوت عال ” لا ينفد الفحم من بيوتنا أبداً ، و لا تنزعج من هذا الحرّ ، أنتظر للشتاء و سترى كيف يتساقط المطر “.
 
كيف ؟ ألقى مصطفى حقيبته أرضاً و أستراح على أحد المقاعد الخشبية بينما جال الرجل و هو يستعرض في المنزل ، كان يفضل أن يستكشف محيطه بنفسه ، أساساً المنزل ليس مشجعاً ، لكنه ليس سيئاً ،  سيستغرق التأقلم عليه بعض الوقت .
 
قال محي الدين بصوت عال قليلاً من المطبخ و هو يتفقد الخزن :
 
” هذه البلدة قديمة ، كانت ميناء بحري نشط فيما سبق ، قبل أكثر من مئتي عام ، كانت السفن تأتي من و إلى القارة العجوز عبر البحر الكبير ، لذلك يعتبر هذا المكان حي إذا ما قورن بأجزاء المدينة الأبعد ” .
 
صخري و حيّ ، كلمتان متضادتان – لا تجتمعان مطلقاً ، توقع سماع الكثير من الثرثرة التي سيلقي بها هذا الرجل و عزم على عدم التجاوب معه ، إنها أفضل وسيلة ليغادر سريعاً و يتركه .
 
” إذاً من أين أنت ؟ “.
 
” من مكان بعيد “.
 
لم يكن محي الدين من الأشخاص الفضوليين ،  فقط يتحدث ليدفعه إلى البقاء لأطول فترة ممكنة في المنزل – مصالح متبادلة – فثرثر عن تاريخ البلدة و عاداتها لعدة دقائق ثم غادر ، كان المنزل ينضح برائحة الغبار و متسخ بحاجة لنظافة عاجلة ، لا يذكر متى آخر مرة أمسك فيها بمكنسة ،  في شقته كانت أم محسن تأتي كل ثلاثة أيام من الأسبوع  تنظف و تطبخ له أشياء خفيفة – لطيفة – فحنّ لطعامها و لشقته المريحة ، و بدا له أن هذا المكان لن يوفر له أي راحة أو سلام .

غير الأسرّة و تمدد على فراشه ليغفو قليلاً ، تقلب يمنة و يسرة ، لكن النوافذ المتداعية بدأت بإصدار صرير حاد و مزعج ، ثم تناهى لمسامعه صوت شجار حملته الرياح ، بدا بعيداً لكنه واضح ،  أرتدى خفيه و نظر من النافذة فرأى زوجين ، جاراه في المنزل المجاور و هما يتبادلان عبارات الاتهام ، لربما تأخر الزوج و الزوجة غاضبة .

لم ينم جيداً ، فالنوافذ واصلت حركتها حتى الصباح ، نهض منزعجاً يعاني من الصداع و الألم في صدقيه و رقبته ، كان عليه فعل الكثير من الأشياء ، النظافة ، شراء احتياجاته ، تفقُد المدينة ، و ربما الذهاب للتجول في الميناء مساءً ” النجار سيأتي بعد قليل ” هكذا قال محي الدين.
 
تنزه في محيط منزله ليشم بعض الهواء و يمط جسده المتشنج و المتعب ، لاحظ حركة في بيت جيرانه ، دخول و خروج لأشخاص يحملون أغراضاً و ضيوفاً ، و كانت هناك فتاة تصدر تعليماتها لبعض العمال ثم همت باستغلال سيارتها ، سارت في خط مستقيم حتى توقفت بمحاذاته ، حيته بلطف دون أن تترجل و قالت :
 
” هل اشتريت هذا المنزل ؟ “.
 
أقترب منها و أجاب :
 
” لا ، أنا مستأجر ، إسمي مصطفى  “.
 
شعرها المجعد و الفاحم كان من الصعب عدم ملاحظته فقد أنسدل ككتلة طويلة خلفها ، كانت كتلك النسوة اللواتي تفضل مقابلتهن في الطبيعة و ليس الشاشة .
 
” أنا غصون ، أقيم في هذا المنزل ، اليوم زفافي ، أنت مدعو ، سيكون مساءً هنا في الهواء الطلق “.
 
الهواء المالح ، يا لكرمك آنستي ، بارك لها مصطفى :
 
” تهاني مقدماً .. أشكرك “.
 
لم يعرف بماذا يُكمل فحكّ ذقنه و صمت .
 
” زوجي أسمه أيمن أبو سالم ، سنقيم هنا في منزل جدي لبضعة أشهر بعدها سننتقل ، ربما تتعرفان على بعضكما ” .
 
ابتسمت متوترة و هي تمسك بالمقود :
 
” أقصد زوجي المستقبلي “.
 
بادلها مصطفى الابتسامة بدوره ، و تابعت حديثها :
 
” أتمنى أن تعجبك مدينتنا ، لقد أتيت في أشهر حارة ، و لكن لدينا جانب جميل عليك زيارته ، النصف الخصيب أو المنطقة الخضراء كما نسميها ، نذهب إليها عندما نسأم من هذه الصخور الجامدة “.
 
” أخيراً وجدت من يشاركني رأيي “.
 
وافقته غصون و هي تتأهب للتحرك ، فأردف مصطفى و هو يتراجع :
 
” مبارك زواجك و أتمنى لك السعادة “.
 
سهمت بنظراتها قليلاً ثم ابتسمت ابتسامة عريضة ، تنم عن سعادة و رضا ، ربما لأنها وجدت ما تبحث عنه متمثلاً في أيمن ، كانت متوردة ، و تتلألأ كعروس .

مما جعله يتسأل عن نصيبه الذي كان متشائماً حياله ، فبصفته تجاوز الخامسة و الثلاثين كان عليه التفكير جدياً في الارتباط الآن ، و خصوصاً أن صبر والدته بدأ ينفد .

لربما لو أتى باكراً قليلاً لهذه البلدة لكانت غصون قسمته أو إحدى الحسناوات الأخريات ، لم تجد فرصك في العاصمة المكتظة ، أتحصل عليها هنا ؟ و من فتاة كغصون ؟ أوه توقف عن الحلم بأشياء ليست معقولة .

 حضر النجار و هو يحمل صندوق حديدي أصفر ، بادره مصطفى بالحديث :
 
” جميع النوافذ بحاجة للمعالجة ، إنه بيت قديم – خردة ، متنافر الأجزاء كوحش فرانكشتاين ، سيكون لديك الكثير من العمل “.
 
قال الشاب و هو يجهز عدته :
 
” نعم ، نعم هو كذلك “.
تقدم و تفحص مفصلات النوافذ :
” الحي القديم ، كل المنازل بنفس الهيئة و خصوصاً هذا البيت و ذاك “.
أشار الشاب لبيت غصون ثم واصل حديثه :
 
” إنهما مرتبطين ببعضهما ، من خلال قصة مشؤومة و مرعبة ، لا بد و أنك لم تسمع بها ، كيف تسمع بها و أنت ضيف ؟ “.
أبتسم بمكر و أردف مغمغماً : ” قصة العروس الميّتة “.
 
أنقبض قلب مصطفى وكان ينوي التعقيب على حديثه فعدل عن رأيه و رمق الشاب بنظراته مستخفاً ، و أكمل النجار قصته المُختلقة :

” قبل خمسون عام أحرقت العروس نفسها في ذاك البيت ليلة زفافها ، تناقلت الألسن القصة لسنوات إلى أن عبر الزمن ، هل بإمكانك أن تمسك هنا قليلاً ؟ “.
 
أشار الشاب إلى درفة النافذة فأمسك بها مصطفى و شرع الشاب بتثبيت المفصلات الواحد تلو الآخر ، بطرقات عالية الصوت – قوية و ثابتة :
 
” بعض الإشاعات تقول أن الزوج هو من أحرقها ، و الفتاة كانت تعاني من الداخل ، و لم يكن أحد يعلم أو يهتم لأمرها ، و هكذا طوى الزمن قصتها ، أسمها ليلى على ما أعتقد “.
 
تفقد مصطفى الشباك و حركه يُمنة و يُسرة ليجربه ، كان عاصٍ قليلاً و لكنه أُغلق ، ثم خطر في ذهنه سؤال :
 
” ما علاقة هذا المنزل بذاك ؟ “.
 
” إنه منزل الجار و العشيق ، فتى أحمق ، أحب ليلى لكن لم يزوجوه بها ، و فعل أكثر الأمور جنوناً قبل الزفاف بيوم ، بيوم فقط جاء و أشترى هذا المنزل ليكون جار حبيبته حتى بعد زواجها “.
 
” إذاً أنا أقيم في منزل الخائن ! “.
 
ضحك الشاب حتى بدت أسنانه :
 
” البائس أراد الاكتفاء بمشاهدتها فقط كل صباح “.
 
أبتسم مصطفى ابتسامة مجاملة و واصل الشاب عمله في أرجاء المنزل ، لم يتحدث إليه بعد ذلك ، كان يكره القصص الشعبية المتناقلة لأنها تفتقد للمصداقية ، عندما فرغ من جميع النوافذ و أنصرف ، أوشك اليوم على الانتهاء .

حضّر له بعض الطعام ، عبارة عن سلطة متبقية من الصباح تناول نصفها بلا شهية و قذف ما تبقى في القمامة – لقد كانت سيئة الطعم ، لو رأته والدته لزجرته كطفل ، كانت تردد دائماً : ” على الإنسان أن يشكر و يقدر النعمة “.

و  في الحقيقة أمه كانت تُقدس النعمة أكثر من اللازم ،  فبصقك لشيء غير مستساق وجدته صدفة في لقمتك حتى ولو مجرد حصى كان يعني العقاب ، الجلد بالعصى أو زجه مع الأغنام و الماشية ذات الروائح العفنة ، حتى تتعلم كيف تُقدس النعمة ، كان يعاني الطفل من الحساسية ، و حبسه في ذاك المكان الرطب يعني القروح و الدماء .
 
أخذ صحنه و غسله جيداً بالماء و الصابون لعدة مرات فركه ، حتى تأكد من أنه نظيف و يلمع ، لنكن واقعيين – بعض أنواع القذارة لا تذهب بالمنظفات ، أوساخ نزرعها في طفل غض ، فتنمو تلك القذارة في عقل هذا الطفل و تتحول إلى قمامة كريهة يصعب التخلص منها في الكِبر ، للأبد لا نتخلص من تبعاتها ، كبيوت متشققة قديمة تتحدى الزمن ، و أنا بيتي تهدَّم ، منذ أمد بعيد هزمني الزمن .
2
 
العروس أحرقت نفسها في هذا المنزل ، لطالما رددت العمة أمل هذا الحديث على مسامع غصون منذ أن كانت طفلة تقول لها برهبة ” إياك و الصعود لأعلى ، تعلمين لماذا ؟ “.
 
تومئ لها الصغيرة مُذعنة ، و تواصل العمة أمل وعيدها :
 
” أيتها الفأرة الصغيرة ليلى فوق و لا تحب الفئران البغيضة و المزعجة ، لذلك ليس علينا مضايقتها و إلا ستصيبك و تصيبنا بغضبها ، هل تفهمين ؟ النيران ستحرق جلدك الطري إن حاولت صعود هذا السلم “.
 
” أفهم أيتها العمة أمل “.
 
و منذ تلك الأيام و غصون لا تصعد لأعلى أبداً ، و إن اضطرت كانت تبقى لدقيقتين فقط و سرعان ما تهرول راكضة ، كانت ليلى الزوجة الثانية لجدها و لم تحبه أبداً ، كانت تريد شخصاً آخر و أجبرتها عائلتها على الزواج من جد غصون ، لتفاجئ ليلة زفافها أن من كانت تعشقه في السابق هو جارها ، لا تفصل عنهما سوى بضعة أمتار ، لذلك صُدمت عندما رأته يوم زفافها و تمزقت .

في الغرفة التي فوقها مباشرة ، أغلقت العروس على نفسها و سدت جميع المخارج ثم أضرمت النيران في فستانها الأبيض أولاً فبقية الغرفة ، و تفحمت ، لم يبق منها سوى عظم أسود بال .

بعض الإشاعات تردد أن زوجها هو من قتلها ، ضربها فأغمي عليها ، ثم قذف بقايا الغليون المشتعل تجاهها و غادر تاركاً عروسه في النيران ، شاهد جد غصون ألسنة اللهب الحمراء و الساخنة تلتهم الغرفة و بقي ساكناً و لم يفعل أي شيء لإنقاذها ، تبقى هذه مجرد إشاعات ، ” الرب وحده يعلم الحقيقة ” .
 
النوافذ في المنزل المجاور تتحرك باستمرار ، كانت مزعجة بصورة مريبة ، تصدح طيلة الليل في أذن غصون و داخل عقلها ، ذاك البيت المخيف مغبر الأثاث و متأكل الأساس ، من يراه يظن أنه يوشك على الانهيار ، لأكثر من سبعون عاماً بقي صامداً بانتظار شيء ما ليسقط .

المهم هي تتشاءم من رؤيته ، و خصوصاً أن الرجل الذي كانت تحبه العروس أختفى فيه ، أختفى و لم يسكن المنزل أي أحد لمدة خمسون عاماً ، حتى تبقى يوم واحد لزفاف غصون ، كانت تتشاجر و أيمن عندما رأت الرجل يقف في النافذة – و قد كان يراقبها ، ظنته شبح في البداية .
 
تجاهلت الظِلال في النافذة و ركزت على شجارها مع أيمن ، كانت منزعجة و تسأله :
 
” هل صرفت الفتاة ؟ “.
 
وضع أيمن أبو سالم يده على مرفقها و أجاب :
” لا تقلقي ، لقد أبعدتها ، أعطيتها كل حقوقها و غادرت الشركة للأبد ، لن تريها مجدداً ، أعدك غصون و أنا رجل أوفي بوعودي “.
 
” أتمنى هذا .. أتمنى “.
 
منذ فترة اكتشفت رسائل بين أيمن و محاسبته فدوى ، كانت تتوسله في الرسائل و تطلب منه ترك غصون و إعطاءها فرصة ، و ما أغضبها حقاً ليس رسائل الفتاة بل موقف أيمن التي كانت ردوده لفدوى على شاكلة ” لا تحزني ، سنبقى أصدقاء دوماً ” و ” لا أحتمل رؤية دموعك ” و عندما سألته :
 
” ماذا عن دموعي أنا ؟ أليست ذات قيمة ؟ “.
 
قال بذات النبرة الباردة التي عهدتها في صوته :
 
” لا أحتمل رؤية دموع جميع النساء مهما كانت نوع علاقتهن بي ، لذلك كفي عن هذه الغيرة الغير معقولة “.
 
” يا لشهامتك أيمن ! “.
 
غضبت غصون وقتها و هجرته لعدة أشهر ، ثم سامحته لاحقاً و غفرت له عن طيب خاطر.
طمأنها أيمن و أخبرها بالحقيقة أن فدوى رحلت و لن تعود ، بعد مغادرته مساءً قررت غصون أن تتفقد المنزل المتهالك أين لمحت الظِلّ ، طرقت الباب :
 
” هل من أحد هنا ؟ “.
 
انتظرت هنيهة … لا.. رد ، فاستمرت في الطرق عله يستيقظ إن كان نائم ، إن كان موجود أساساً – إن كان حقيقياً ، فقط تريد أن تراه و تطمئن نفسها بانها لا تتوهم أشياء ليست موجودة .
 
” أيها الجار ، هل أنت في الداخل ؟ “.
 
ثم طرقت بشكل متلاحق و بصورة مُزعجة و جنونية ، لو كان في غيبوبة لاستيقظ ، لو كان موجوداً بالفعل لجاء و فتح ،  خمسون عام و المنزل خال ، ليُشغل فقط قبل زفافها بيوم واحد.

تناهت لمسامعها موسيقى من الستينات ، موسيقى عهد ليلى الفاتنة و جدها – موسيقى قديمة ربما شغلها الجد ليلة دخوله على عروسه بينما كان خيط دخان يتصاعد من غليونه ممتزجاً مع العطورات الفخمة للعروسات ، تلك الموسيقا ذهب عهدها و ولى و أندثر ، و تُعزف الأن في هذا المنزل المتهالك .
 
عندما عادت لغرفتها و نامت ، رأت نفسها تشتعل في الأعلى بفستان زفافها ، بدأت النيران تلتهم سريرها ثم انتقلت سريعاً إلى يديها و رأسها ، ثم صارت فحماً مثل ليلى في لمح البصر ، اضطربت أنفاسها و هي تتقلب في فراشها ، ثم شهقت بصوت عال ، لقد كان مجرد حلم ، كان مجرد خيال .
 
و الرجل الذي رأيته عند النافذة ، أو الظلّ ، الموسيقى ؟ يجدر بي التأكد .
غصون تخشى النار أكثر من أي شيء ، و الغرفة التي ماتت فيها ليلى ، حتى أنها في بعض الأحيان يُهيأ إليها سماع نواح في السقف ! لم تكن تجرؤ على تجاوز السلم المؤدي لأعلى لأي سبب ، تحاول البقاء بعيدة ،  بعيدة بما يكفي كي لا تلقى نفس مصيرها ” كي لا أتفحم ، كي لا أحترق بالغليون “.

قابلت مصطفى باكراً في حوالي السابعة صباحاً كانت الشمس دافئة و ذهبية .
كانت تنوي الذهاب ” للبيوتي سنتر ” فلمحته و هو يخرج من المنزل ، كان يضع نظارات سميكة – إذاً لم أتخيل رؤيته بالأمس ؟ ها هو حقيقي في الفناء ، بل و يمطط جسده كهرّ ! . يا الله ، أرادت تجاهله لكن لم تقدر .

عندما تحركت بسيارتها مارة بالقرب منه لم تستطع إلا أن تدوس على المكابح بقوة ، حيته و علمت أنه طبيب نفسي ، كادت تشكو له بهواجسها :
 
” هل شغّلت موسيقى من الخمسينيات بالأمس ؟  لقد طرقت بابك المتهالك في منتصف الليل و كدت أكسره و أنت لم تسمع أي شيء ؟ “.
 
تنهدت .
 
” ثم هل هناك احتمال ضئيل ليحرقني زوجي اليوم لأنني تحدثت إليك ؟ زوجي ليس لديه غليون لكنه يُدخن و السجائر تتسبب بالكثير من الحرائق خلال العام أكثر من أي غليون آخر ؟ و أخيراً أيها الطبيب مصطفى هل أفكاري هذه منطقية أم أنني جُننت ؟ “.

كادت تقول له الكثير من السخافات ، مثلاً أنها تواجه مشاكل في الغرف العلوية لا تنفك تسمع أصوات و تحلم بأنها تحترق كل ليلة مثل ليلى . لكن غصون لم تفعل خشية أن تتوطد علاقتهما في يوم واحد و يكون سبباً في احتراقها بطريقة ما . بطريقة ما قد يتدخل القدر ، دعته للزفاف ثم ودعته بلباقة كعروس مُحبة تنتظر زواجها من حبيبها .
 
3
 
أكتفى مصطفى بمراقبة ضيوف الزفاف من نافذة منزله ، سيبقى هنا في الكواليس هكذا قرر ، فهو لا يحب الضجيج .

زُين المدخل بعمودين كبيرين ، مكسوان بقماش أبيض شفاف ، داخله إنارة بنفسجية ، بينما وُزعت بقية الأعمدة المضيئة في الفناء الواسع لتشكل مُثلثات متوسطة الحجم ، كان الحفل واضحاً بجميع تفاصيله من هنا ، و تابع مصطفى وصول غصون رفقة أيمن في حوالي السادسة و النصف مساء بفستان بسيط عار من الكتفين طغى عليه جمالها الوحشي ، كانت متحمسة تنبض بالحياة ، و تبتسم من القلب ، وضعوا لها القليل من المساحيق ، كانت مضطرة لفعل هذه الشكليات ولو تركوا لها الخيار لأطلت بنفس شعرها المُجعد ، الحمد لله أنهم وجدوا حل لكل شيء .

حركتها الكثيرة و استخدامها للإشارات بيديها عندما تخاطب الضيوف كانت دليل واضح على توترها ، لو كان هو هناك لنصحها بتنظيم وتيرة أنفاسها و شرب الكثير من المياه ، كانت غصون من ذلك النوع من الأشخاص الذين ولدوا ليهدوا السعادة ؛ يمرون عليك في هذه الحياة كعطر هادئ لا تشبع من استنشاقه ، رقيقة كالبلور و ساحرة كياقوتة ، هذا النوع من الأشخاص يعاني و يتألم بصمت ، من النادر أن يشتكي أولئك الأشخاص .

كنت أعلم الشخصيات جيداً مهمتي هي التحليل العميق و رؤية ما لا يمكن رؤيته بالعين ، يوجد خطب في غصون ، منذ رأيتها ، نظراتها كانت مشوشة ، هناك مشكلة تمر بها الفتاة ، هذا مؤكد .

حركت نسمات أطراف بدلة عريسها أيمن ، و قد كان هادئاً و رزيناً ، يتحدث بلباقة مع ضيوفه و يسير بخطوات مدروسة ، من الواضح أنه نافذ – واثق و مسيطر ، بدا كشخص يمارس نفوذه و يُسخِّر كل السلطات الممنوحة له على الأضعف . الجانب الخطأ ، أسوأ الأنواع من نصيب غصون . بحق الله ، أتحدث و كأنني قارئة طالع عجوز ، رصَّت حول معصميها خرز .

كان يمسح الأثاث حيناً بخرقة بالية و يختلس النظر إلى الحفل تارة أخرى ، كغجرية بلهاء يتطفل على الجيران ، مع أنهم وجهوا له دعوة ، لكنهم لا يعلمون أن جارهم الجديد مُتوحِّد – فلتعذروه ، أعذروا هذا الأحمق فهو لا يحب الزحام و لا الإزعاج ،عالج الكثير من المجانين لكنه عجز عن إنقاذ نفسه ، أي فاشل أنت ؟ أما كان من الأحسن أن تذهب لهذا الحفل ، أما كان أفضل أن ترتدي طقم رسمي مع كرافت أنيق و تتقدم لتختلط مع البشر – كطبيب نفسي مرموق ، بدلاً من المكوث هنا في وكر فرانكشتاين ؟.

” بحق الله ، أنا سعيد على هذه النافذة ، فهي توفر لي زاوية رؤية لا يمكن الحصول عليها من الأسفل ” أوه أنظروا ، أوشك على الأربعين و يتلصص من على النوافذ كلصّ .
 
أنتهى الزفاف و أنصرف آخر ضيف تبعه أيمن ،  بعدها دخل العروسين للمنزل ، ثم عاد أيمن بعد فترة قصيرة دخن لقرابة النصف ساعة  و بقي في الخارج على هذه الحال .
 
* *
 
كانت غصون بانتظاره في الصالة  تراقب كل حركة يقوم بها ، شارداً و ساكناً ، كانت الحقائب موضبة على جنب ، بعد ثلاث ساعات سيكوننا في الجو على بعد ألف قدم ، فوق البحر ، آلمها الحذاء العالي فنزعته و ارتمت على أحد المقاعد ، أغمضت عينيها و حاولت أن تتناغم مع أفكارها و الرياح و الأصوات المختلفة في الأرجاء ، فاسترخت جميع عضلاتها و استغرقت في التفكير ، في حياتها المقبلة و أيمن ، لقد مرّ اليوم بسلام و كذلك المستقبل ، لا عذاب أو خوف لا ألم ، أنا راضية و متفائلة ، بغدٍ جديد سأكون زوجة صالحة و أم محبة.

بعد برهة قدِم أيمن و صفع الباب فأرتد بعنف ، أجفلت غصون ، قبض على ذراعها و رفعها كدمية :
 
” رافقيني “.
 
” لا .. أتركني … أفلتني “.
 
اشتدت قبضته الحديدية على مرفقها ثم سحبها ناحية السلم و شرع في الصعود ، عندها رأت غصون الماضي و المستقبل .
 
” لن تأخذني لأعلى ، لن أسمح لك  “.
 
” لا ترفعي صوتك “.
 
تمتم أيمن و هو يُرغمها على صعود الدرجات مجبرة و تُقاوم ، استخدمت كل قوتها لتتملص منه و أسندت قدميها العاريتين في أحد الدرجات ، كادت تسقط للخلف لولا أنه يمسك بها بيده الفولاذية ، فتح باب غرفة ليلى و جرها للداخل ، أمسك بكتفيها و جذبها نحوه :
 
” ستمكثين هنا لبعض الوقت ، و لن تصدري أي ضجيج “.
 
كانت تلهث ، استجمعت كل قوتها ثم صارعته مجدداً حتى فكّت قبضته و فقدت التوازن ، ترنحت في الغرفة التي عمرها مئة من السنوات ، كانت كما هي ، قاتمة و مُحترقة ، كما تركتها ليلى .
 
” إياك أن تصدري صوتاً “.
 
نبّه أيمن ثم أختفى و أغلق الباب من الخارج .
 
” أيمن سأحترق ، لا تتركني ، لا أريد الموت بالنار ، أخرجني – المكان مُعتم ، تعلم بأنني أخاف ، سأشتعل ، أفتح “.
 
طرقت بشكل يائس و دون جدوى ، فاستسلمت مكانها ، على الأقل هي بخير لم يقتلها ، لا يوجد سبب يدعو لقتلها أو إشعالها ، الليل طويل قد يعود في أي لحظة ، لكنه لن يجرؤ على إحراقي ، هذه جريمة ، لن يفلت كما أفلت جدي .

الظل في النافذة … الموسيقى … خمسون عام …
سقطت منها دمعة يتيمة و عضت على شفتيها بقوة – أي تعيسة أنا ، لوهلة ظنت أنها شمّت رائحة قماش ، رائحة دخان ، كانت قوية و حقيقية ، نظرت إلى فستانها و لمحت فيه شُعلة صغيرة .

تابعت النار بعينين متسعتين و هي تتحرك ببطء ، انسحق عقلها و لم يعد يعمل أو يفكر ، فقط كانت ترى ألسنة اللهب و هي تكبر في حاشية الفستان كل ثانية ، ثم فُتح الباب ، لم تكن ملامحها واضحة – لكنها هي ، قالت :
 
” هكذا تبدو الجحيم”.
 
تمتمت غصون بشفاه ترتجف :
 
” لقد أحرقتني .. أنت أحرقتني .. جدي لم يقتلك أنت قتلت نفسك “.
و أغلقت ضيفتها الباب تاركة إياها بين النيران .

حاولت غصون إطفائها بيدها فأحرقت كفها ، و ظلت تحاول إخمادها ، إخماد النيران في الواقع ليس كإطفائها في الأحلام ، هذه تُحسون بها و تؤذي اللحم بشدة .

كان اللهب يتصاعد ببطء على فستان الموسلين الثقيل ، لن يتأكل سريعاً ، ستكون ميتة بطيئة و بشعة ، أدارت مقبض الباب و لم يفتح ، ضربته بقبضات سريعة و قوية أدمت يديها دون فائدة .

يُتبع ……

تاريخ النشر : 2020-12-26

السمراء

السودان

مقالات ذات صلة

38 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى