أدب الرعب والعام

ثعابين في المقابر

بقلم : نور إبراهيم – قنا ــــ مصر

شيّعت جنازة أحد جيراني.. وبعدها تجولت في المقابر.. ما أجمل التجول في المقابر.. وتذكر الموت.. لا يمر شهر إلا وأتجول في المقابر لأذّكر نفسي بهادم اللذات.. وفجأة وقعت عيني على أوراق قديمة مُلقاة أمام أحد القبور انحنيت لالتقطها.. يبدو أنها قديمة جدًا.. يربطها ببعضها خيوط بالية.. تصفحتها.. شعرت بالخوف وأنا أتصفحها.. من الذي ألقاها في هذا المكان.. ومن هذا “العفي” الذي كتب اسمه بالخط العريض في أول ورقة؟!.. لابد أن أقرأ هذه الأوراق!

وصلت إلى منزلي وهروّلت إلى مكتبي.. وضعت الأوراق على المكتب بعد أن أزلت التراب الذي غطّاها وبدأت في قراءة ما في طياتها:

أنا عبده الشهير بـ “العفي” ولا تسألني عن معنى هذا اللقب.. جدي الحبيب هو من أطلق علي هذا اللقب الذي أفتخر به رغم أني ما زلت لا أعرف معناه.. فيكفي أنه من جدي الحبيب.. وسأكرر وصفه بـ “الحبيب لأنه صاحب الفضل الأكبر في حياتي.. بل هو صاحب الفضل الوحيد.. لن أنسى أنه هو الذي رباني وتكفل برعايتي بعد موت أبي الذي كان يرعاني بعد أن ماتت أمي أثناء ولادتي.. و تركني أعمامي وحرموني من الميراث.. حرموني من الميراث لأن أمي من عائلة متواضعة.. يعتقدون أن أبي جلب العار لهم بعد زواجه من أمي.. فكيف يتزوج ابن الأكابر بابنة “التُربي” الفقير..!

نعم كانت هذه مهنة جدي التي كان يفتخر بها طوال حياته بل وعلمّها لي وأصحبت مُتيمًا بها .. فما أسمى هذه المهنة حيث تحفر قبر الميت وتضعه في مثواه الأخير فإما عذاب أو نعيم!

الكل في المقابر سواسية.. لا فرق بين الوزير والغفير.. فالكل يرقد في طيات التراب!

ولكل ميت أسرار وحكايات.. علمني جدي الحبيب أن أحتفظ بهذه الأسرار لنفسي وألا أخبر أي أحد بها.. فطوال حياته لم يُلقي ما في جعبته من أسرار لأي أحد!

ولكني أشعر بأن صدري سينفجر.. أريد أن أحكي.. أريد أن أفرغ كل ما في جعبتي من أسرار المقابر.. ولكني بالطبع لن أخالف كلام جدي الحبيب.. سأحكي ولكن بطريقة مختلفة.. سأبوح بما يشتعل به صدري من أسرار.. سوف أفرغ كل ما في صدري ولكن في مذكراتي.. سأخبرك بحكاية شيقة أيها المحظوظ.. إليك هذه الحكاية يا من تقرأ كلماتي:

منذ عشرة أعوام وأنا أمارس مهنتي المفضلة.. تُربي في مقابر نجع الصهاليل.. تغمرني السعادة لمّا أسمع أن أحدهم قد انتقل إلى رحمة الله لأني سأمارس مهنتي المفضلة التي تعلمتها من جدي الحبيب رحمه الله.. وقد قادني حبي لهذه المهنة إلى شهرة لم أكن أحلم بها.. لقد أصبحت “التُربي” الأكثر شُهرة في نجع الصهاليل!

وفي ليلة من ليالي الشتاء الباردة.. كنت أغط في سُبات عميق مُلتحفًا بكل ما في البيت من ألحفة.. أيقظني صوت شديد الإزعاج كأنه نهيق حمار.. لقد عرفت صاحب ذلك الصوت إنه الشيخ “عبدالجواد” إمام مسجد نجع الصهاليل.. لعنة الله عليك أيها العجوز القمئ.. لماذا أيقظتني في هذا البرد الشديد.. !

ارتديت جلبابي.. وخرجت ومصباح الغاز في يدي.. أبصرت ذلك العجوز القمئ ببشرته السمراء وقامته القصيرة ولحيته الضخمة التي تغطي معظم وجهه

_ خير يا شيخ عبد الجواد

_ العمدة قُرشي مات يا عفي..

_ لا حول ولا قوة إلا بالله.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. ربنا يرحمه ويجعل مثواه الجنة

_ يلا بقى انده الواد عطعوط وابدأوا حفر في القبر

عطعوط هذا مساعدي.. يتصف بطول القامة كأنه نخلة سحوق.. وغبي.. بل يستحق أن يُضرب به المثل في الغباء.. ويسبب لي الكثير من المتاعب.. ولكني رغم ذلك أحبه.. لا أدري لماذا.. ربما لأنه ولد يتيمًا مثلي!

خرج عطعوط من داره بعد نصف ساعة من الخبط والرزع المتلاحق على بابه.. وآثار النوم ما زالت واضحة على وجهه

_ العمدة قرشي مات.. يلا عشان نحفر في قبره

_ لا حول ولاقوة إلا بالله.. ربنا يرحمه.. بس مش تخليها الصبح يا عفي.. دا البرد هيموتنا حرام عليك

_ حُرمت عليك عيشتك.. صحصح كدا ياد.. وهات العِدة وتعالى ورايا..

اصطحبنا المعاول ومصباح الغاز وذهبنا إلى المقابر.. حددت المكان الذي سأحفر فيه.. لكن يبدو أن كل الأماكن قد تم حفرها من قبل.. لا يهم.. فقد قال لي جدي الحبيب من قبل أن مقابر النجع تعج بآلاف الجثث في كل البقاع.. سأستخرج رُفات المرحوم القديم وأستبدله بجثة جديدة ستتحول إلى رُفات فيما بعد
استعنت بالله وبدأت في الحفر.. لعن الله عبد الجواد و قرشي وعطعوط.. الثلج يكاد يجمد أطرافي.. أمرت عطعوط بالحفر وجلست لألتقط أنفاسي.. وفجأة ظهر قط أسود تلمع عيناه في الظلام.. اقترب القط مني وأنا أستعيذ بالله وأتمتم بآية الكرسي.. اختفى القط فجأة بعد أن تصلب الدم في عروقي

أكملنا الحفر بصعوبة.. أخيرًا انتهينا.. ولكن ما هذا.. ثعبان ضخم أسود اللون طوله يتعدى العشرة أمتار.. ظهر فجأة من أعماق القبر.. ما إن رأيته حتى هرولت إلى البيت وأتبعني عطعوط.. ذهبنا إلى منزل شيخ المسجد وحكينا له ما حدث
ارتجف واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم وذهب معي.. رأى الثعبان فارتعدت فرائصه وتصلبت الدماء في عروقه.. وأخذ يتمتم بكل ما يحفظ من أي القرآن..

– اردموا القبر ده واحفروا واحد غيره.. احفروا يلا بسرعة

خرجت هذه الكلمات من فم الشيخ عبدالجواد وهو يرتعش

ردمنا القبر وتلاشى الثعبان الذي كان يقبع بداخله.. كان منظر مخيف جدًا.. أخيرًا اختفى ذلك الثعبان اللعين.. عاد الشيخ عبدالجواد إلى داره.. فقد أفزعه منظر الثعبان وسيّب مفاصله!

بدأنا في حفر قبر آخر بجوار القبر الذي ردمناه.. صاح عطعوط في غضب:

– أنا مفاصلي سابت يا عفي من منظر التعبان ده.. ده منظره غريب خالص

نهرته بلهجة حادة: اشتغل ياد بلا برود لاحسن افتح دماغك بالفاس

أصابه الهلع من وقع كلماتي.. فبدأ يحفر بكل ما أوتي من قوة.. ولمّا أوشكنا على الانتهاء ظهر الثعبان الأسود مرة أخرى..

– يادي أم الليلة السودة دي.. وبعدين يا عفي

_ يلا بينا على بيت العمدة يا عطعوط ونحكيلهم على اللي حصل.. ولازم يلاقوا حل للموضوع ده

هرولنا إلى بيت العمدة.. بيت ضخم شُيّد بطريقة أنيقة .. فالعمدة قد ورث من أجداده مئات الأفدنة في النجع وضواحيه.. خرج لنا جعفر ابن العمدة من المضيفة التي كانت تعج بمئات الناس من النجع وضواحيه.. يبدو عليه الحزن.. أخذت جعفر في ركن بعيد خارج المضيفة:

_ خلصتوا القبر يا عفي

_ لا لسة.. لسة يا جعفر بيه.. وبصراحة في حاجة غريبة قوي بتحصل

_ إيه اللي بيحصل يا عفي

_ حفرنا ولقينا تعبان كبير ولونه أسود حاولنا نقتله مقدرناش.. بعدين جبنا الشيخ عبدالجواد وقال اردموا القبر واحفروا واحد غيره.. ردمناه وحفرنا واحد غيره وبرده طلعلنا التعبان الزفت ده.. وجينالك جري يا جعفر بيه

_ أنا مش مصدق اللي انتوا بتقولوه ده.. لازم أروح وأشوف بنفسي

ذهب جعفر معنا وكاد أن يُغشى عليه لمّا رأى الثعبان.. استعاذ بالله من الشيطان الرجيم وأخذ يتمتم بكل ما يحفظ من آي القرآن والثعبان يحوم في قاع القبر.. فقال جعفر بلهجة صارمة

_ اردموا القبر ده يا رجالة واحفروا قبر غيره.. وأنا هروح أجيب جماعة يساعدوكم عشان تحفروا القبر الجديد وتدفنو المرحوم قبل طلوع الشمس

جاء جعفر ورجاله وساعدونا في حفر القبر الثالث .. وكنا نرتجف من الخوف.. ولكن لم يظهر ذلك الثعبان المُخيف.. الحمد لله اختفى..

قال جعفر: الله ينور عليكم يا رجالة.. هنروح نجيب النعش عشان ندفن المرحوم..

خرج نعش العمدة من داره الأنيق.. وخلفه مئات المشيعين.. لقد كان هذا العمدة محبوبًا من الجميع..

وصل النعش إلى المقابر.. وهممنا بإخراج الميت لدفنه في مثواه الأخير.. وفجأة خرج الثعبان الضخم من داخل القبر مكشرًا عن أنيابه .. كيف ظهر ذلك اللعين ولم نراه أثناء الحفر؟
أصاب الهلع كل المشيعين.. بعضهم يصرخ.. وبعضهم يستعيذ بالله من أذى الشيطان.. والبعض الآخر يتمتم بكل ما يحفظ من آي القرآن

وفجأة سمع الكل صوت كالفحيح

_ كله يروّح على بيته.. واللي هيقعد مش هيسلم من أذى التعبان

هروّل الجميع إلى بيوتهم تاركين النعش وصاحبه.. فليحترق النعش بصاحبه.. المهم أن ينجوا بحياتهم من أذى ذلك اللعين!”

عبده العفي
تُربي نجع الصهاليل

انتهيت من قراءة أوراق العفي.. أدهشتني هذه القصة المثيرة.. لابد أن أتجول في المقابر مرة أخرى فربما أعثر على أوراق جديدة لهذا العفي!


ملاحظة : هذه القصة مبنية على أحداث حقيقية

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

17 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
17
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك