أدب الرعب والعام

سجينة..عشق النيران

بقلم : روح الجميلة – أرض الأحلام

سجينة..عشق النيران
النار هي التي تطهرنا من الأفكار الرديئة!

تركوها عندي، طفلة صغيرة وجميلة شقراء .. شعرها كالحرير ينساب على ظهرها، وجهها مستدير وكأنما البدر، كلما نظرت إلى وجهها يسحرني جمالها، يديها غضتان طريتان وصافيتان وكأنما خُلقتا من اللؤلؤ..
إن متعتي بتأملها لم يكن لها حد، كانت طفلة ذكية حيوية أشعر كأنها تخاطبني، وعندما تقع عيناي على عينيها الخضراوين وتقول لي كلاماً متنوعاً أفهمه وأسعد بها.

لقد ملأت الدنيا علي أنساً وحياة، لكنها إذا أحتاجت شيئاً ولم ترني تبكي بصراخ متلاحق وأنا أعلم أن وسيلتها للطلب هي البكاء لاسيما إذا كان الأمر يتعلق بالنظافة.. أو الجوع..
لم يكن بكاؤها يزعج أحداً من الجيران ولم يشتكي أحد منهم، حتى أن إحدى الجارات قالت لي يوماً (أن طفلتكِ لا نسمعها تبكي إلا نادراً )

ولكنه كان يزعجني أنا، كان كأنه أزميل يضرب بعنف في رأسي وقلبي ويفجر في داخلي ذكرياتي كلها، فلم تكن أمي تطيق بكائي .. لقد كانت تحس أني أتحداها بالبكاء، كانت تحاول أكثر من مرة إسكاتي .. لا تريد أن يخرج شيء عن سياق تفكيرها وانغلاقها على ألمها القاسي، وحتى تحسم الموقف كانت تضربني ضرباً مبرحاً وتهجم علي وتعضني، تمزق شعر رأسي وتركلني في بطني بقوة، وكأن الضرب لا يكفي لتهدئة ثورتها!. بل يزيدها حنقاً!. وأنا أواصل الصراخ والبكاء، فكانت تضع النار على جسدي على فخذي أو ذراعي.

كنت أصرخ وكانت تواصل حرقي فأصمت، وبعد وقت أصبحت لا أصرخ إذا وضعت السيخ المحمي على فخذي خشية أن تستمر في الحرق، ومع الزمن .. وكلما يفلت مني شيء ترى أنه يخالف ما تريد أن يبقى قائماً من صمت فرضته علينا.. تسرع إلى النار، فكنت أستسلم للحرق الأول دونما كلمة.

لقد كان عقلها كله مشدود للإنتقام من أبي الذي هجرها وذهب مع أمرأة لم يكن لديها من مؤهلات إلا القدرة على استنزاف أمواله ومرتبه المحدود، لم تكن تحبه كثيراً فلقد تركت زوجها (صديقه) قبل فترة وجيزة لأسباب تتعلق بالمصروف، لأنه كان على حسب رأيها بخيلاً.

كانت أمي تعرف تلك المرأة ولطالما حدثتها عن حب والدي لها وحبها له، وأنه لا يستطيع الالتفات إلى سواها من النساء..
إلا أنه ذهب دون أن يترك لنا لقمة عيش، كانت صدمتها عنيفة لا تريد أن تصدق وأصبح الصمت هو غطاؤها للماضي، لم يكن بوسعها التحرر من تلك المشاعر مشاعر الهزيمة والحنق والقهر لحظة، لقد كانت أمرأة جميلة وكان حبها لوالدي عظيماً .. كانت تستقبله عند عودته .. وتسأله عن تفصيلات يومه، من قابل ولمن تحدث، ماذا شرب وماذا أكل؟؟

بدوره كان يوفر قليلاً من النقود ليخرجا معاً كل أسبوع إلى السنيما وكأنهما عاشقين ما يزال حبهما دفاقاً..

وفي الصيف الذي سبق هروبه أخذها في رحلة إلى مدينة بحرية وقضيا أياماً سعيدة في إحدى المنتجعات، وبعد أن أنسحب أغلقت قلبها دون سواه أو بالمعنى الأدق أحرقت مشاعر الأنثى داخلها .. لم تعتقد يوماً أن يتركنا فلقد كان يحبها كثيراً وتزوجا بعد قصة حب دامت سنين، كان يعرف مدى غيرتها عليه وكان يعرف كذلك أنها ليست بالمرأة التي يمكن أن تتقبله إلا كما تريد … لطالما أخبرها بأن حبها له يزعجه ويخيفه ويجعله كالمسكون بالشوك، لقد كان يشعر أنه في سجن وأن حب امرأته له لم يكن طبيعياً، وفي النهاية هرب منسحباً من حياتنا ولم يعد له خبر بعد أن عرف أن أمي علمت بقصته..

دخلت عالمها صامتة ومكابرة .. وحانقة منتقمة لا تريد أن يعكر صمتها الحاقد شيء، تخشى لو أنها أستسلمت للحياة أن تهدأ نيران حقدها ولم يكن أمامها إلا أن تنتظر أي تجاوز من قبلي لتفرغ في حنقها أو تمارس حضور انتقامها بعنف.

كانت تعض على نواجذها وتزم فمها وتتحرك كالبرق نحو المطبخ .. لتحرقني بالنار ولم تكن النار بالنسبة لها إلا الوسيلة السريعة …. المعتادة لتفريغ الحقد والإنتقام الذي سكن قلبها لكي تعود آمنة لصمتها متحفظة بالتركيز حول ما حصل لها، وأصبحت النار بالنسبة لي أقصر طرق الإنتقام التي تمارسها أمي ضدي .

طفلة بريئة كنت …. كم كنت أحب أن ألهو بحاجاتي من لعب كما هي طفلتي البريئة! .. أغني وأرقص وأحياناً عندما أفتقد شيئاً ما أبكي، أو أصرخ بصوت عالِ، فتسارع أمي بممارسة ما أعتدت عليه من حرق…
كنت أتعود شيئاً فشيئاً على العقاب، كنت أحب أمي … وشيئاً فشيئاً أصبحت أشعر أن النار التي تحرقني بها هي وسيلة طبيعية مبررة لمرأة خانها زوجها وتركها وطفلتها للعدم.

لقد كانت تعمل أمي في بعض البيوت خادمة لتؤمن لنا لقمة الخبز وقليل من المال لتغطية المصاريف … كانت تتعرض للأهانات والتحرشات فتحتقر الرجال والناس أجمعين فتعود والغضب في عينيها نار بشواظ..

كرهت النظر بالمرآة وأستبدلت كل رقيق في البيت بما هو خشن صلب، لم أعد أرى سِوى النار .. الشمس، وضوء مصباح الممر المؤدي لبيتنا، كم تمنيت في ليالِ عديدة أن ألتهم النار التي تسكنه ، كنت أشعر بأني أكسرها بين أسناني وأسمع هشيمها كأنها قطع من زجاج، فأصبحت النار لازمة لكي تسير الأمور كما كان يجب.

لطالما قالت لي أمي في لحظات هدوء وصمت : “أليس من الأفضل لو أحرقت أباكِ بالنار؟! .. النار هي التي تطهرنا من الأفكار الرديئة!!”.

كنت أحس أن لا شيء يمنعني من التفكير بالفوضى سوى النار التي يمكن أن تحرقني بها أمي..
(أنظري أنتِ ..كيف أصبحتِ ؟؟!)
هكذا قالت لي .. وهكذا أصبحت النار هي سلاحي السري الذي أدركت نفاذيته كلما ذكرني شيء بطفولتي، وأصبحت مقتنعة تماماً بالتلذذ بممارسة الحرق وأصبحت النار منظرها يهيج مشاعري ويصيبني بما يشبه النشوة…
وهذه الطفلة البريئة التي عجلت بإفتضاح أمري تماماً كانت جولتي الأخيرة في التعامل بالنار على جلود الأطفال، وهذه الطفلة البريئة كنت أنا مربيتها أليس من مهام المربية المداعبة؟!. لتعود عليه البهجة والسرور .. ولكن أي بهجة وسرور؟!.
أنا أحب المداعبة بلسع الأخرين بالنار .. لا عجب .. فأنا أعشق النيران في كل صورها، ما الضير في هذا؟!. أليس العشق قرار؟!.

لقد قذفتني الأقدار لمهنة لطالما كنت أتشوق لها .. أن يكون لي علاقة قريبة بالأطفال، ومنذ أن أصبحت مربية وتضع عندي الأسر أطفالها تباعاً وأنا أعيش حالتي مع النار .. حتى أصبحت النار تملأ كل وجداني…
تبتهج روحي عندما أعذب الآخرين وبالذات الأطفال بالنار، أشعر بأنني أنتقم لطفولتي المعذبة، هل فقط جلدي هو من يتحمل النار؟!. لمَ لا يكتوي كل أطفال الناس بالنار؟!!. لمَ لا تلتهم النيران أطرافهم ؟!.
هذا اللحم الطري لمَ لا تشويه النار؟!. إن الرائحة لذيذة .. تلك التي تنبعث من الحرائق في جلود الأطفال وبالذات إذا كانوا لا ينطقون بعد..

طفولتي لب حاضري تلتهم الأيام .. تجهض الأمان والسلام في داخلي وحولي والعارفون ببواطن الأمور يرصون الكلام فوق الكلام وكأن إشتغالي بتربية الأطفال فرصة ثمينة لي أمارس فيها نزوتي بكي الأطفال..
لقد كانت اللذة تبلغ منتهاها عندما يكون الطفل بين الرضاعة والفطام لأنه يكون كثير الإستفزاز لي بتكرار بكائه، مما يعني أنني سأكرر لعبتي معه بكي لحمه الطري بأعقاب السجائر أو بمعلقة أضعها على النار حتى تتوهج.

أشعل شمعتي أصنع مظلة من أصبعي الصغير .. تتساقط قطرات الشمعة على جسدها، تستقر سقوطها على أصابعي .. تتبلور أشكالاً بديعة تغلق على عيني أشكال الحياة الوضيعة..

إن لي طقوساً في الحرق بالنار.. وكل مرة لها نكهتها وخصوصياتها، فأطراف الحديد والسكاكين المحماة حيناً وأحياناً أخرى بقطع البلاستيك المشتعلة والتي تتقاطر على جلد الضحية مذيبة ما تقع من لحم طري…
ويستبد بي التلذذ فتأتيني كل الصور .. أرى جسد بلا رأس، تتساقط ملامح أمي وتنهار وتتبخر في الهواء … يستطيل لسان أمي يصنع منه مكنسة وحذاء.

 
النهاية

تاريخ النشر : 2018-05-31

مقالات ذات صلة

39 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى