أدب الرعب والعام

فندق الأرواح

بقلم : سارة عيسى – سوريا

شَعرتُ بالبردِ يحتَلُّ عظامي فارٍضاً سيطرتهُ على حواسي الّتي تجمدت بفِعله… كُنتُ أسيرُ في هذا الطَّريق الموحِش أزرعُه جيئةً وذهاباً في انتِظار حَبيبٍ بَعيد ليأتي وينتَشلني مِن هَذا الصقيعِ القاتِل الّذي كسا جَسدي فَيذيبَهُ بحرارةِ العِشق الّذي ظننته سرمديّاً… الثلجُ استوطَن مَساحة شاسِعة من تينكَ الأرض الّتي اعتليها.. تساءلتُ في نَفسي تُرى لماذا اختارَ هذا اليوم مِن بين ِ جَميعِ الأيّام لتنفيذِ خُطَّةِ الهَرب مِن العاداتِ والتّقاليد الَّتي أَسرَت حُبَّنا؟

قَطَعَ حبلُ أفكاري صوتُ رَنينِ هاتِفي النقَّال.. أخرَجتُهُ في حَماس لأُفاجأ باسمِ شقيقتي الصُّغرى يلتمعُ وسطَ الشاشةِ المضيئة.. أدركتُ بُرهتها أنَّهم قد علِموا بخطَّةِ هروبي… أو بالأحرى قد قرأو تِلكَ الرِّسالة الّتي أودَعتُها فوق سريري الوثير الدافئ.. تخيَّلت نفسي للحظة قابِعة فوقَ الفراش أتنعّمُ بدِفئ لِحافي السّميك يالَهُ من تخيُّلٍ مُغرٍ وَسطَ هذه الثلوج المتكدّسة… انتابني تأنيبُ الضّمير والقليلُ من الخَوف عِندما استمرَّ رَنينُ الهاتف بالطّنين المزعج.. فَحسمتُ أمري بالرّد..
ضغطتُ زرّ الرد بأصابع مُرتجفة لم أحدد سبب ارتجافها أكان من البرد أم من الخوف
وأخيراً جاءني صوت كارلا مُباغتاً وكان يبدو بأنها تلهث:
– غريس.. لَقدْ قرأوا رسالتك.. والدك وزوجته وشقيقك خرجَ لِتوّه من السجن وهو في طريقه إلى هُنا.. إيّاك والعودة إنهم يريدون قتلكِ

لِتغلق كارلا الخطّ وسط ارتجاف يدي الأشبه بارتجاف عُروق القصب في شتاءِ أواخر ديسمبر..

أخي ولِنحسي الذي كان ومازال يرافقني قد خرج مِن السجن ولابدَّ بأنًّه سينهي أمري ان اكتشف مكاني.. وضعت يدي على رأسي وأنا أشعر ببوادر دوار تغزو رأسي اللعين… لم يخطر ببالي إلّا أن اتصل بـ جون… الحبيب البعيد اتصلت عدة مرات ليجيبني في المرة الخامسة تقريباً فأصرخ أنا بذعر :
– جون بحَقِّ حبّنا الذي سنهرب معاً من اجله أين أنت؟ لقد هجرتُ المنزل منذ ستّ ساعات وأنا انتظرك في مكاننا المُتّفق عليه منذ ساعة فأين أنت؟

لأُفاجأ بصوت قهقته التي ارتفعت رويداً رويداً مُختلطة بضحكاتٍ شبابيّة وَبعض الشتائم الماجنة ليقول جون بسخرية بالغة محاولاً تقليدي :
– بحَقِّ حُبنا يا جون… أتسمعون يا شباب ألم أخبركم
ليتابع الضحك مع رفاقه وسط صدمتي وخيبتي فيتابع بتصميم:
– حسناً أيتها الساقطة فلتعودي إلى بيتك لأنني لن أجيء.. غريس استحلفك أن تنظري حولك هل هُناك ولو كَلبٌ واحد يسيرُ في الطّريق سواكِ؟
ليعاودوا تفجير ضحكاتهم وأُفَجّر أنا دموعي بحسرة.. لأقول بانكسار :
– جون أهلي قد اقرّوا بخطيئتي ويريدون إنهاء حياتي لدى عودتي

جون بسخرية موجعة :
– جيّد إذاً في كِلتا الحالتين أنتي فانية يا صغيرتي إمّا تموتين تجمُّداً أو تموتين ذبحاً.. ليتابع وهو يوجّه حديثه لأصدقائه الفاسقين :
– ألم أخبركم أنها وضيعة وتفعل أيّ شيء من أجلي

صرخت بعنف ممزوج بالبكاء :
– أكون وضيعة إن ضحيت بأهلي لأجلك

جون بعنف صارم :
– فلتصمتي غريس.. أنتِ الّتي جنيتِ على نفسك اعتبريه درساً كي لا تثقي بأحد.. وأنصحك بألّا تحاولي مجرّد التفكير بالاتصال بي فأنا لن أنجدك

ليغلق الخط في وجهي… شعرت بوخزٍ في أيسري وخز خيبة قويّة تفرضُ جبروتها على قلبي مستغلّة حالة الكسر التي اصابته

عاودت الاتصال بذلك اللعين لكنّه على ما يبدو قد حظر رقمي.. جلست على حقيبتي التي تحوي حاجياتي اذرف دموعاً حارّة رغم برودة الجوّ
لا استطيع الاتصال بشقيقتي.. ولا العودة إلى المنزل.. وليس لديّ أصدقاء يمكنهم إسعافي في محنتي هذه.. والذلّ الذي أحسّ به الآن بعد حديث جون ينهشُ من كبريائي بقسوة.. اغمضت عينيّ بانتظار ملك الموت ليقبض روحي فشعور دنوّ اجلي قد انتابني بعنف.. ظللت مدة خمس دقائق على هذا الوضع حتى رمقت احمرار أصابعي من شدة البرد وانتفاخها برعب فأنا غير قادرة على تحريكها..

– أنا أتجمد

قلتها بذعر وأنا أقف على أقدامي وأنوي الولوج إلى مركز المدينة التي تبعد عن بيتي حوالي ثلاث ساعات باستخدام حافلات النقل.. عزمت على الخروج من هذا الطريق الموحش وعدم العودة اليه نهائياً فهُنا وباتصالين فقط تدمّر كلّ شيء في حياتي… لكن مهلاً لحظة.. ما هذا الذي يسير بين هبّات الثلج السريعة.. ارتعدت فور رؤيتي لشيء غريب بهيّئة غامضة يمشي ببطئ على بعد عدّة كيلو مترات من مكان وقوفي.. لم يتبيّن لي شكله بوضوح فاللون الأبيض الذي يتكاثر بقوّة نتيجة اندماج الثلج بالرياح العاتية جعلَهُ يبدو كخيالٍ أسود… تسمّرتُ مكاني وأنا أحاول تفسير ملامح جثته الواقفة كالتمثال.. كان نحيلاً قفصه الصدري بارز بوضوح ورأسه خالٍ من أيّة شعيرات.. لكن فجأة استدار ببطئء مرعب.. شعرتُ بقلبي يكادُ يُعلن استقالته من العملِ في جسدي لهول الأمور التي عاشها بسببي.. لاحظتُ أن الكائن الغريب يقترب ببطئ من مكاني.. يقترب بطريقة مُفزِعة فأقدامه الطّوية قد سبقت بطولها عُنق الزرافة.. وماهي إلّا دقائق حتى بدأ الغريب الغامض بالجري نحوي وكأنه في سباقٍ مع الريّح السريعة … لم أعِ على نفسي إلا و أنا أركض بأقصى ما لديّ من سرعة موليةً ظهري إلى ذلك الشيء المرعب حتى أنني لم أحضر حقيبة مقتنياتي ولسوء الحظ أنها تحوي السّوار الذَّهبي الَّذي أهدتني والدتي إيّاه يومَ مولدي السابع عشر…. ركضت وركضت حتى تدحرجتُ بكتلة ثلجية ضخمة ووقعت وارتطم رأسي بالأرض … رفعتُ نفسي بصعوبة عن سطح الأرض وكُلّ ما يشغل تفكيري هو ذلك الكائن ولحاقه بي.. نظرتُ في أرجاء المكان الذي وصلتُ إليه واضعةً يدي على رأسي والألم لا ينفكّ يطارد جمجمتي المسكينة.. المفاجأة بأن أحداً لا يتبعني.. تنهدت بعمق لكنني مشطت المكان بأكمله مستخدمة نظراتي الثاقبة الخائفة..

– الحمدلله

قلتها وأنا أتنهد بتعب فالأحداث التي مررت بها أقلّ كلمة تصفها هي عصيبة.. أدركت أنني قطعت مسافة كبيرة على بعد ذاك الطريق المشؤوم .. ولكن مازلت في منطقة خطرة لأن المكان لا يزال فارغاً.. قررت ألا أتوقف في مكان فارغ كهذا.. لذا تابعت السّير على غير هدى.. حتى ساقتني قدماي المرتجفتان بعد سير قدرّت ديمومته لمدة لا تقلّ عن نصف ساعة إلى مبنى ضخم يقبع وحيداً بين الأحراش المظلمة…فالليل قد أثبت حضوره بالبدر الذي توسط سماءه.. تقدّمت من المبنى بحذر لأرى لافتة صدئة موضوعة بإهمال لا تحمل اسماً يدلَّ على طبيعة المكان.. انفرجت أساريري فور رؤيتي لباب ذلك المبنى مفتوحاً دليلاً على وجود أحدهم في الداخل… دخلت بسعادة وجُلُّ ما يستحوذ تفكيري هو أنني سأحصل على الدفئ… متناسيةً كُلّ ما حصلَ معي والتوجيهات التي كنت أتلقاها عن خطر دخول مكانٍ مجهول…. دخلت لأجد غرفة استقبال كتلك الّتي تتواجد في الفنادق.. فأتيقّن بأنّ الذي اعتلي أرضه الآن هو فندق.. لكن الغريب هو خلوّه من أيّ أحد بالإضافة إلى الرائحة الكريهة التي تنبعث من انحائه …
– المكان مضاء والباب مفتوح لابدّ بأنّ هناك أحد ما
همست لنفسي في محاولةٍ مني لتهديء روعي… وما أثبت شكوكي هو وجود مدفأة تعمل وتبثُّ الدفء بسخاء… جلست على الكرسي المجاور لها واضعة يديّ بالقرب منها في محاولة مني لاذابة الصقيع الذي تشكّل على جلدي بقسوة…. شعرت ببعض الدفئ وسرعان ما انتابني الخوف لتواجدي في مكانٍ غامض ومريب كهذا.. قطع سلسلة أفكاري نزول رجل ضخم الجثة من الدرج المقابل للكرسي الذي أمكث فوقه.. ازدردت لعابي بخجل وأنا أرتب في عقلي بضع كلمات كي أنطق بها مُبررة لهذا الغريب سبب تواجدي هنا… لأقول بتوتر :
– في الحقيقة أنا الجوّ بارد في الخارج و…
صمتت في انتظار ردّة فعله وفي الواقع لم أكن أقوى على قول المزيد.. لكنّه لم يعرني أدنى اهتمام!
وكأنني غير مرئية..
جلس خلف مكتبه القذر الذي رجحت بانه تابع لغرفة الاستقبال… كان يمسك بيده شيئاً صغيراً مُغلفاً كقطع الحلوى.. لم استطع كبح جماحي أكثر فانفجرت غاضبة :
– أنت؟ ألا تسمع؟

لم يتفوّه ببنتِ شفّة وظلّ يحدّق بتلك اللفافة الصغيرة..
قلت بانزعاج من تجاهله لي :
– حسناً.. لكَ كما تريد

هممتُ بالخروج من المكان ليباغتني صوته الأشج المخيف الذي وصل إلى مسامعي بنبرة خافتة :
– كيف يمكنني خدمتك؟

استدرت وعلى رأس لساني وابلٌ مِن الشّتايم يستعد للهطول.. لكنّ مظهره المريع جعلني التزم الصمت.. كان يحملق في وجهي بنظرة غريبة… لوهلة شعرته تمثالاً لا يفقه الحركة…
استجمعت شجاعتي وقلت بصوت حاولت صبغه بالقوة فخرج مهتزّاً رغماً عني واشياً بخوفي الشديد من القادم :
– أنا… أريد أن أبيت هنا اللّيلة.. لقد تعطّلت سيارتي في الجوار بسبب العاصفة ولا يمكنني المكوث في السيارة لأن ااثلج في أوج قوّته.. فهلّا تسمح لي بالبقاء هنا لليلة واحدة فقط؟

قال وتعابيره الخالية من المشاعر تثير الرعب في نفسي :
– لكِ ما تريدين.. اتبعيني

قام من مكانه متّجهاً نحو الدرج الذي هبط منه منذ لحظات… ترددت في بادئ الأمر واستشعرت خطورة الموقف.. رمقت باب الفندق المفتوح الذي يطلّ على الخارج… كان الخارج أسوء من الداخل فالثلج يملؤ المكان والظلام دامس ولا أحد هناك
تسللت إلى ذهني تلك الأغنية التي كانت تغنيها أمي لنا كي نخلد إلى النوم

“الظلّام دامس والذئب ذو أنياب
والبرد قارص
والفتاة بلا أصحاب”

أحسست بأنّ الأغنية تصفُ وضعي الحالّي.. وأخيراً اعتزمت أن أصعد الدرج لأتبع ذاك الرجل الغامض بعد تكهّني بمصيري إن خطوت خارج عتبة هذا الفندق الغامض… فإمّا أن اموت برداً أو بين أنياب ذئب مارد وإمّا أن
وحوّلت نظري إلى ذلك الدرج المُهيب لازدرد لعابي بصعوبة وأنا أحاول تخيّل ما ينتظرني على يديّ ذلك الرّجل ومع كلّ درجة أصعدها.. يتبددُ شعور الشجاعة لديّ ليحلّ محلّه ذرات من الخوف المطلق… وأخيراً انتهى الدرج.. كانت نهاية صعود الدرج بداية لممر طويل ترتصف الابواب على جنباته بطريقة عشوائية.. مشيت بخطوات حذرة ليتراءى لي الرجل ذاته الذي كان في غرفة الاستقبال واقفاً أمام أحد الأبواب الذي يقبع في صدر الممر مولياً ظهره لي… ارتحت قليلا لدى سماعي لبعض الهمهمات الصادرة من وراء الأبواب التي مررت بها
وقفت بالقرب من ذاك الرجل وأنا أقول بخجل :
– لقد جئت
ليفتح الباب بتلقائية بوساطة مفتاحٍ صدئ ويبتعد لي كي أدخل..
قلتُ وأنا أحمحم :
– شكراً لك.

أولى ظهره لي وقال :
– يمكنك البقاء هنا قدر ما تشائين.. نحن نعلم بأن ما من سيارة في الجوار.. يمكنك البقاء هنا والعمل فنحن نحتاج لعاملات مبتدئات

ليخرج ويصفق الباب خلفه وسط ذهولي من اكتشافه لكذبي… جلست حوالي العشر دقائق فقط وأنا أفكّر في كلام ذاك الغامض الذي بات يرعبني بحقّ.. وأخيراً قلت في نفسي بأنّه لربّما أرسل أحدهم لرؤية السيارة والتحقق من صدق كلامي.. معه حقّ فدخولي إلى هُنا يثير الشكّ وبالأخص أنني لم ادفع له نقوداً… تذكّرت ما قاله عن حاجة الفندق لعاملات.. فتنهدت براحة لأنني وجدت عملاً بهذه السهولة…
– سأبقى لمدة أسبوع إن أعجبني المكان سأبقى… إن لم أشعر بارتياح فسأغادر…
لابتسم بمرارة.. وأنا اهمهم بغمّ:
– أغادر إلى أين
قلتها وأنا أجول بناظريّ أرجاء المكان كانت الرطوبة تحتلّ الجدران بشكلٍ مُقيت .. والسرير المهترئ يبدو متعفناً ودليلُ كلامي هو الاخضرار الذي يغزو اسفنجته المتآكلة.. والحمام… بماذا اصفه… إنّه أشبه بصرف صحيّ!
لفتتني النّافذة النظيفة الّتي شعرتها تشذّ عن هذا المكان… اقتربت منها بفضول.. لأتسمر مكاني فور رؤيتي للمكان الذي تُطلّ عليه
– مقبرة!
قلتها بذعر وأنا أشعر بالدماء تغلي بقوة في عروقي
– هذا المعتوه أيريدني أن أنام بقرب الأموات؟

خرجت مسرعة اقطع ذاك الممر الطويل لأصل إلى غرفة الاستقبال التي كانت فارغة!
زفرت بضيق وأنا ألعن جون في سرّي…
لاحظت وجود لفافة صغيرة بالقرب من مكتب ذاك المعتوه الغامض.. امسكتها بيديّ وانا أتفحّصها بدقّة… إنها ذاتها تلك اللفافة التي كان يمسكها الرجل عند أول لقاء بيننا… فتحتها بفضول لأفاجأ بيده تنقض على اللفافة وتنزعها من كفي بقسوة…
رمقني الرجل بنظرة غاضبة اضفت على ملامحه المزيد من الرّعب المشؤوم

تنفست الصّعداء وأنا أتوقّع أن يمزقني الرجل بين أنيابه بسبب تطفّلي على مقتنياته
“الظلام دامس والذئب ذو أنياب “
قال بصوته الأجشّ :
– ماذا تفعلين هنا؟

شعرتُ بجفن عيني اليسرى يرتعش.. وهذه ظاهرة تحدث فقط عندما أكون في أوج ذُعري
بقي يرمقني بتعابير خالية من المشاعر… ينتظر مني إجابة على سؤاله.. لأتحلّى ببعض الشّجاعة وأقول بصوت مهزوز :
– كنت أودُّ. أن.. أودُّ أن أغير الغرفة لأنّها
ليقاطعني بقوله :
– هذه الغرفة الشاغرة المتوفرة.. بقية الغرف محجوزة… لا يسعني مساعدتك في هذا

هززت رأسي متظاهرةً بتفهّم موقفه كنت أريد الهرب من أمامه بأيّة وسيلة… فررت هاربةً إلى ما كنت أظنّه أكثر أماناً من البقاء بجوار هذا الرجل المختلّ.. إلى الغرفة… مشيت بخطوات ثابتة عبر الممر الذي لا يختلف كثيراً عن ممرات المصحات العقلية… لوهلة شعرت أنني في رواق مصحة مهجورة وليس فندقاً كما أعتقد لكنني نفضت عني تلك الأفكار السوداوية وتابعت سير خطواتي في الممر.. استوقفني صوت همهمات أنثوية تنبعث من الغرفة الواقعة على يمين غرفتي… سرى القليل من الاطمئنان في أعماقي لدى سماعي لصوت شخص آخر غير صوت ذاك الرّجل المختلّ… اقتربت أكثر بأذني لأسترق السمع بعد أن التفتت خلفي لأتأكد من أن المختلّ ليس هنا… كانت همهمات.. همسات بلغة غريبة.. وكأنهم يقومون بطقوس شيطانية.. دبّ الرعب في أوصالي وأنا أشعر بضرورة ترك هذا المكان الغامض برُمّته…
شعرتُ بأحدهم يقفُ خلفي… استدرت بذعر لأصرخ فورَ رؤيتي لذاك الرّجل..
– أفزعتني
قلتها وأنا ارتعد إلى الخلف والخوف يستولي على كياني

كان الرّجل بتعابيره ذاتها التي حفظتها عن ظهر قلب رغم ندر لقائنا..
قال بطريقته المعتادة وهو يحملق في باب غرفتي :
– ادخلي غرفتك

قلت ببكاء وقد هزتني كل تلك الاحداث التي مررت بها :
– لا أريد.. أريد الخروج من هنا

لمْ يُعقب الرّجل على حديثي وظلّ واقفاً مكانه ونظراته معلقة بباب غرفتي

– ماذا يحدث هنا أشعر بأنني في مصحة
قلتها ودموعي تنهمر على عرض وجنتايّ

وأخيراً تفوّه الرجل ليقشع حاجز الصمت قائلاً :
– إنها ليست مصحة إنه مسكن… والأفضل أن تعودي إلى مخدعك وإلا ستتجمدين من بردك

سرت قشعريرة البرد في جسدي
ولاحظت اختفاء الهمهمات التي كنت اتنصّت إليها منذ قليل وكأن المهمهين بها أدركوا أمر استراقي السمع
فجأة فُتح باب غرفة الهمهمات وأطلّت منه فتاة شابّة لتقول بانزعاج:
– ما الذي يجري هُنا.. بحقكم ماذا تفعلون أمام بابي

تنهدت بارتياح وكأنّ ثقلاً انزاح عن أكتافي فورَ رؤيتي لتلك الفتاة…. اذاً لستُ وحدي هنا

مدَّ الرّجل يده مُشيراً إليّ بالدخول إلى غرفتي لانصاع لأمره بعد تأكدّي من عدم خلوِّ المكان وبسبب الإحراج الذي سببه فضولي المُلحّ لي والذي دفعني لما فعلته توّاً… دخلت غرفتي وأغلقت الباب.. انتابتي الفضول مجدداً لأرى ما يحدث في الخارج .. نظرت من العين السحرية الخاصّة بباب غرفتي.. كان الممرّ فارغاً… وفجاة انطفأت الاضواء في الممرّ
ازدردت لعابي وقررت أخيراً الاستسلام للنوم.. جلست على السرير ومئات الأفكار تجتاح رأسي بعنف.. بدءاً من جون وعائلتي وشقيقي الذي خرج من السجن والطريق الموحش فالخيال الغامض الذي طاردني وأخيراً هذا المكان المرعب الذي أمكث فيه… ظللت أفكر لمدة طويلة لم أقدّر قيمتها لأخلد اخيراً في عالم الأحلام… أقصد الكوابيس… استيقظت مرتعبة وانا أتمتم بعبارات مقدّسة علّها تخفف من وتيرة ذُعري…
لقد تراءت لي في منامي أبشع كائنات الأرض وأبشعها… كنت أركض في مكانٍ مظلم.. وكانت هناك مخلوقات غريبة تطاردني.. وأنا أصرخ بشدّة.. وفجأة أطلقت تلك المخلوقات صيحة عظيمة شعرت بأنني سأُصمّ لهول قوّتها… ويأتيني صوت فتاة يبدو مألوفاً لي :
– لماذا فعلت ذلك
ليتحول الصوت إلى صراخٍ مُهيب :
– لماذا فعلت هذااااا

وأخيراً استفيق من هذا الكابوس
نظرت حولي في ارتياب…
ذهبت إلى الحمام وتقيأت بشدة… رجحت ذلك لبقاء معدتي خاوية لمدة يوم كامل… فتحت باب غرفتي كان النّهار قد حلّ.. مشيت في الرواق ومنه إلى الدرج حتى وصلت غرفة الاستقبال…
كان الرّجل جالساً وبيده لفافة أخرى.. وفوق مكتبه توجد ثياب موضوعة بشكل مُهمَل.. أشار بيدِه نحو الثياب قائلاً:
– هذه ثياب العمل

نظرت إلى كومة القماش بازدراء وقلت :
– يستحيل أن ارتدي هذه الثياب إنّها قذرة وبالية

انزل الرجل يده التي كان يشير بها نحو الثياب وقال بنبرة خالية من التعابير :
– حسناً… ولكن الاستعلاء على الخير الذي يُقدّم لك ليس جيداً

لم أفهم معنى كلماته بل ولم أحاول أن أفهم… قلت بهدوء متسائل :
– إذاً ما المطلوب مني؟

لم يجبني الرّجل… لأقول بارتباك :
– أقصد البارحة.. قلت انك تحتاج لعاملات مبتدئات..

قال الرجل بصوته البارد كالجليد في أعالي جبال الالب الصارمة :
– على هذه الطاولة يُوضع الطعام والمطلوب منك أن تأخذي الطعام وتوزعيه على الغرف المتواجدة في الأعلى.. ستنزلين إلى هنا وتنقلين الطعام عندما تسمعين صوت الجرس هذا… ليضغط صوت الجرس فيصدر صوتٌ عالٍ ومخيف في الوقت ذاته… لقد كان … لقد كان الصّوت ذاته الذي راودني في المنام… صوت الصيحة ذاتها ولكنّ أخف بقليل.. ربّاه أهذه الذي أودعتها في منامي رؤيا؟
هززت رأسي وانا أقول بصوت مختلج المشاعر :
– فقط هذا؟
هزّ الرجل رأسه يمنة ويسرة مع بقاء ملامحه ثابتة..

– وكم سأتقاضى لقاء ذلك؟

قال بنفس أسلوبه الكريه :
– الإقامة هنا

– ماذاا؟
صرخت في انزعاج فخطتي كانت تنصّ على أن أجمع مرتبي الذي سأتقاضاه وأهجر هذا المكان القبيح لأبد الابدين..

– أين مدير الفندق أريد ان أناقشه في هذا الموضوع.
قلتها بنبرة محتقنة تحمل بين طيّاتها خيبة دفينة

الرجل :
– أنا هنا مدير الفندق وكلّ شيء والآن اصعدي إلى غرفتك وانتظري صوت الجرس

قلت بمراوغة :
– لكنني لم أقبل عرضك

– فلتخرجي ولتأكلك الذئاب إذاً
“والذئب ذو أنياب”
كم ترعبني تلك العبارة التي تحتويها أغنية أمي…
نعم هو محق ستأكلني الذئاب إن لم تكن البريّة فستكون البشريّة… كُلّ ما تريدينه يا غريس هو ملاذ آمن يقيكي من برد الشتاء القارص… ثمّ إذا خرجت من أين لكِ الأموال.. هل تصبحين راقصة في إحدى الحانات؟
ازدردت لعابي فور تخيلي بشاعة ما سيحدث لي إن فررت من هنا وأخيراً قررت قبول العرض والعيش في هذا المكان الغامض.. أفضل من العيش في بيت بغاء او حانة ساقطة…..صعدت إلى غرفتي انتظر رنين الجرس.. حاولت العبث بهاتفي النقال لكنه لا يعمل لأن شحنه قد فارق الحياة.. وأخيراً رُنّ الجرس.. لكنه لم يكن كجرس المدرسة يرنّ بحنان… بل هذا الجرس يرنّ بقصد التخويف بصيحته المرعبة… وانا الّتي كنت أكره جرس المدرسة لأنه يعلن انتهاء الفسحة.. إنه نعمة مقابل هذا الجرس.. هبطت السلم وانا أشتم في سرّي كلّ تلك الأحداث التي مررت بها…
لم يُكذّب الرجل خبراً فقد كانت أطباق الطعام موضوعة على الصينية بعشوائية.. أما الرجل فلم يكن هنا… كان الطعام عبارة عن لفافة صغيرة ذاتها التي كان المختل يحملها بين يديه في الليلة الماضية.. وعلى كلّ لفافة قصاصة ورقية مكتوب عليها رقم الغرفة..
حملت الصينية وصعدت بها أطوف الغرف… ضربت بكعب قدمي باب الغرفة الأولى ليفتح لي شابٌ في مقتبل العمر باب الغرفة ويأخذ الطبق دون أن يتفوه بحرف أو يبدي أي تعبير على وجهه.. أغلق الباب بقوّة بعدَ أن اخذ طبقه..
– وقح
قلتها وأنا اتّجه لباب الغرفة الثانبة فيفتح لي كهلٌ يبدو في مشارف الخمسين وأيضاً وجهه خالٍ من التعابير…أخذ الطبق وفعل كسابقه ولكن هذا المعتوه صفق الباب بقوّة أكبر… والثالث كان عجوزا وفعل كسابقيه فالرابعة فتاة شابة فالخامسة فالسادس فالسابع فالثامنة تلك ذاتها التي كنت استرق السمع من بابها في تلك الليلة .. انتابني خوفٌ كبير بعد رؤيتي لروّاد هذا الفندق… إنهم مخيفون أكثر من رجل الاستقبال ذاته.. يشبهونه في صمتهم وملامح وجههم الخالية من أيّة تعابير… واللفافة… ماذا تحتويه تلك اللفافة الصغيرة… وهل تشبعهم كفطور؟… غريب.. هذا المكان غريب جداً.. لفتني الطبق الوحيد الذي تبقّى كان يحمل رقم عشرة أيّ غرفتي.. لم يكن في الطبق لفافة بل صحن مغطى بقصدير… رمقت باب الغرفة التّاسعة لماذا لا يوجد طعامٌ للقاطن في هذه الغرفة…لربّما لا يسكنها أحد… لكنّ الرّجل أخبرني بأن جميع الغرف محجوزة وبٱن الغرفة الكئيبة التي أقطنها هي الوحيدة المتاحة…تنهدت بضيق.. ما الذي جاء بي إلى هنا… ولماذا أنا متمسكة في البقاء هنا… إنّه مكان غريب يدعوك للجنون.. تنهدت بحسرة ودخلت غرفتي.. أزلت القصدير عن الطبق لاجد حساءً غريب اللون والرائحة ينتظرني أن أرشفه… في البداية تمنّعت خوفاً من أن يكون ذاك اللعين قد دسّ السّم في حسائي لكنني في النهاية اقتنعت بأنه لا مصلحة له للفتك بي وبأنه يجب عليّ أن آكل وأسكت عصافير الحُبّ التي تزقزق في معدتي كما كانت تقول أختي كارلا كُلّما اشتدّ بها الجوع.. كارلا صغيرتي كم اشتاقك… لو لم تتصل كارلا وتنبهني لعدت إلى المنزل ولقيت حتفي على يد والدي وشقيقي…جلستُ ارتجع من ذاك الشراب ذو القوام المتماسك.. كان لذيذاً وغريب الطعم… وقد أشبعني حدّ التّخمة… فكّرت في نفسي تُرى لماذا لم يقدموا لي طعاماً كتلك اللفافة التي يقدمونها للنزلاء.. هل طعام النزلاء يختلف عن طعام العاملين؟…. يُعرفُ عن النوافذ بأنّها البوّابة التي تنشر فيك عبق أريج التفاؤل والامل فور فتحك لها… إلّا تلك النافذه التي تقبع في هذه الغرفة… كلما اقتربت منها أشعر بالهم والغم يسيطران على مشاعري…

– ما الذي يجبرني على المكوث هنا

قلتها وأنا اتأمل قبور الأموات التي تجاور نافذتي والعبرات تتجمّع في مقلتاي

لفتني وجود كلبٍ أسود يعيث بين القبور…. لم أعرْ الأمر أهميّة فالكلاب غالباً ما تحبُّ المكوث بين الأشياء الميتة… لكن ما أثار ذعري وخوفي هو أنّ الكلب ينظر إليّ… نعم ينظر إليّ.. بالطريقة ذاتها التي كان ينظر بها إلي ذاك الرجل ونزلاء فندقه.. ظلّ على هذه الحال عدة دقائق حتى قررت وأخيراً الهروب من هذا المكان بأكمله… نزلت جرياً على الدرج أركض خطوة وأتعثر عشرة حتى اصطدمت بذاك المختلّ وبملامحه المخيفة ذاتها

الرجل :
– ماذا هناك

قلت بلهاث والرعب يسيطر على حواسي :
– كلب أسود.. ينظر إلي.. القبور… اللفافة… أريد الخروج

الرجل ببرود :
– الكلاب تملؤ المكان هنا

قلت ببكاء :
– ليس الكلب فحسب… كلّ شيء غريب هنا

لم يعرني الرّجل ادنى اهتمام وتابع طريقه للأعلى… شعرت بالانزعاج من تجاهله لي.. أُحِسست لبرهة بأنّه شبح خالي المشاعر والتعابير….

خطرَ لي خاطر بأن أدخل المطبخ وأفكُّ عقدة اللفافات الغامضة… استنتجت بأن المطبخ يقع في ذاك الممر القابع على يسار غرفة الاستقبال… ذهبت إلى هناك ووجدت باباً وبعد محاولتي لفتحه تأكدت أنه مغلق.. تنهدت بضيق وخرجت خارج الفندق… كان الهواء نقيّاً.. تنفست بعمق كُلِّ الخوف الذي يستولي مشاعري.. قررت أن انعطف يميناً حيث المقبرة.. لأرى ذاك الكلب المريب.. لم يُخطئ حدسي هذه المرّة.. دخلت المقبرة بتوجّس… كانت القبور تنتشر بفوضوية.. الشواهد بلا أسماء ما أثار ارتباكي.. بحثت بعيوني عن ذلك الكلب اللعين.. لكن المكان فارغ إلا من تلك القبور.. كانت نباتات من نوعٍ غريب تنتشر بانتظام على خلاف كلّ شيء موجود في هذا المكان… بدأت أُفكّر إلى أين سأهرب… المكان هنا شاسع ولا أدري ما هيّة جهتي..
– لماذا فعلتِ هذا؟
ارتعدت فور سماعي لذاك الصوت الأنثوي الغريب.. إنّه يبدو مألوفاً حاولت استحضار جميع الأصوات الأنثوية التي عرفتها في مسيرتي الحياتية ليباغتني زئير كلبٍ هائج… إنّه ذاته ذاك الكلب الذي كان يرمقني بشرز بغيض.. وكأنه خرج من إحدى القبور… لم أعِ على نفسي إلّا وأقدامي تتسابق مع الرّيح.. ركضتُ مسرعة باتّجاه ذاك الفندق اللعين لأدخل من الباب الصّدئ.. وجدت الرجل المعتوه يجلس وراء مكتب الاستقبال وضعت كلتا يدايّ على ركبتي في محاولة مني لالتقاط بعض ذرّات الأوكسجين واستعادة انتظام تنفسي… كالعادة لم يعلّق الرّجل أو يبدِ أيَّة ردّة فعل… استدرت إلى الخلف لأرى الكلب لكنّ يبدو بأنّه ملّ مطاردتي او أنّه قد تلاشى فالمقبرة قريبة جداً من الفندق المشؤوم…

– هل يمكنك بأن تخبرني ماذا يحدث هنا؟

ليقول الرّجل وهو يحدّق في الفراغ :
– ترفعين الغداء عندما يرنّ الجرس

قلت بعصبية من تجاهله :
– ما هذا المكان المشؤوم هل لك أن تخبرني؟

ليعاود القول ولاشيء في تعابير وجهه يتحرك سوا فمه:
– عندما يرنّ الجرس ترفعين الغداء

– هل أنت شبح؟
قلتها بسخرية مريرة

ليصمت وهو يضغط زرّ الجرس الواقع فوق مكتبه فتخرج الصيحة المخيفة ذاتها
وضعت يدي على أذني أحاول كتم ذاك الصوت البغيض

ليتوجّه إلى ذاك الممر الذي حاولت قبلاً أن أفتح الباب القابع في نهايته…

ويخرج وفي يده صينية الاطباق… الاطباق ذاتها التي كانت على صينية الإفطار… بدأ فضولي ينتابني لسبر غور تلك اللفافات… فحملت الصينية على مضض وتوجهت بها إلى الأعلى…
– لا بدّ بأنهم جان إو أشباح لا محالة

انتابني الخوف فور تخيلّي لمبيتي مع مجموعة من الشياطين الثائرة… وقبل أن اطرق باب الغرفة الأولى وضعت الصينية على الأرض والتقطت اللفافة.. فتحتها بحذر لأفاجأ بأنها فارغة… أجل فارغة إلا من بعض الحبيبات الصغيرة الرمادية.. فتحت ثانية وثالثة ورابعة.. كانت جميعها تحوي الحبيبات ذاتها…
وفجأة فتحت الأبواب جميعها وسط ذهولي وخرج جميع من في الغرف واقفين على عتبة أبوابهم بملامحهم الجامدة ما عدا الغرفة التاسعة وغرفتي… رمقتهم برعب وأنا أشعر ببوادر دوار تسيطر عليّ ليقولوا بصوتٍ واحد وهم يضربون الأرض بقدمهم احتجاجاً :
– لقد فتحت طعامنا… لقد فتحت طعامنا… لقد فتحت طعامنا

صعد الرّجل الذي أسميته معتوهاً وقد جحظت عيناه عند رؤيته للفافات الطعام المعزومة مفتوحة..
– لقد فتحت طعامهم

قالها وهو يثبّت ناظريه بطريقة وحشية…
والجميع من حولي يهتف بذاك الهتاف الغريب..
انهمرت عبراتي بشدة… كانت عبرات الخوف والذعر… دفعتُ ذاك المختلّ بقسوة وهرولت على درجات السلّم اللعين… خرجت من باب الفندق لا أعلم إلى أين المهم أن ابتعد عن هذا المكان.. كانت الشّمس تغيب ممّا أضفى على مظهر هذه الغابة البائسة مظهراً شيطانياً مخيفاً… قررت أن اتّجه يساراً فعلى اليمين توجد المقبرة.. وبالفعل هرولت بعيداً.. ركضت وركضت على غيرِ هدىً… حتى حلَّ الظلام… ظللت أجري وأنا أبكي بشدة متمنيّة أن يكون كُلُّ ما مررت به كابوساً لعيناً… فوجئت بوجود الفندق مرة أخرى في طريقي… تراجعت بعنف وأنا أنظر بذعر إلى هذا المكان المشؤوم.. وأكثر ما أرعبني هو وجود خيالات واقفة بالقرب من نوافذ الفندق وجميعها تنظر إليّ… لم انتظرْ أكثر… ركضت هذه المرة باتّجاه اليمين والبكاء لا ينفكُّ يذرُ دموعي وشأنها.. ظللت أركض لفترة طويلة حتى تراءى لي بناء الفندق المخيف مرّة أخرى لأجد نفسي في ذات النقطة التي انطلقت منها

– وكأنني أدور حول نفسي… أكاد أجنّ
قلتها وأنا أضع يدي على شعري واجلس على الأرض لأبكي بشدّة

استرقت نظرة إلى النّوافذ… لم يكن هناك أحد… لكن ما أثار رعبي هو تلك الأضواء التي بدات تشتعل وتنطفئ….
الدوار بات يعبث برأسي ويقنعه بضرورة فقدانه الوعي في هذه اللحظة… والتّعب قد أكل ما تبقى من قوّتي… سقطت أرصاً… نعم أنا استسلم.. هذه الأحداث غير طبيعية وتفوق قدراتنا البشرية… نظرت إلى السماء المتلألئة بالنجوم..

“الظلام دامس والذئب ذو أنياب
والبرد قارص
والفتاة بلا أصحاب”

الظلام دامس بطريقة مخيفة… وأنا انتظر ذاك الذئب ليطحنني بأنيابه ويريحني من هذا العذاب.. البرد قد اتّخذ من جسدي المنهك موطناً له.. وانا وحيدة يا امي .. وحيدة بلا رفاق ومُنهكة…
انتظر الموت أمام هذا الفندق المسكون… لم أتوقّع نهاية كهذه… لقد توقّعت ان أموت من تعبي بين ذراعي حبيبي بعد رقصي له حافية القدمين… لكن تبّاً للأحلام البالية..
فتحت عينيّ فور سماعي لصوتٍ ضوضاء خافت قادم من المقبرة.. لم أجرؤ على الوقوف حتى… بقيت مكاني هكذا كجثة هامدة بلا حراك.. بدء المطر يهطل على وجهي نقطة فنقطة ينهمر بغزارة… وضوضاء المقبرة الغريبة تستمرُّ في الانبعاث… وأخيراً قررّت أن أقف على اقدامي وأتوجه إلى المقبرة لاستكشف مصدر هذه الأصوات ولعلّي أجد تفسيراً مقنعاً لما يجري من أحداثٍ هنا … نعم تفوّقت غريزة البقاء الإنسانية على رغبتي في الموت.. تقدّمت بخطواتٍ مرتعشة نحو المقبرة… كانت مظلمة والمطر الذي ينهمر بقوّة أضاف مظهراً كئيباً فوق كآبته..

– السرّ يكمن في المقبرة… يجب أن اعرف
قلتها لنفسي و مشاعر الخوف ومشتقّاتها تفرض سيطرتها على جسدي بأكمله…
اختفت الضوضاء فور دخولي المقبرة.. استمررت في التوغل بين القبور… كنت خائفة مُرتَعشة .. عليّ المخاطرة للخروج من هذا المكان.. وإلّا فلن أخرج أبداً… جُمّدت في مكاني وليس للبرد علاقة بهذا التجمّد بل هو ما رأيته عند شاهدة أحد القبور.. كان ذاك الشيء الغامض ذاته الذي طاردني في الطريق الموحش! جالساً على شاهدة القبر ..
قلبي أوه قلبي فلتتوقف الآن أرجوك لم أعُد أحتمل كل هذا الرّعب…
استدار الكائن المُرعِب إليّ بذات الطريقة الذي استدار بها عندما كنت في الطّريق…. وكما حدث في لقائنا الشيطانيّ الأول لم أستطع رؤية ملامحه بسبب الظلام الدامس..
– هل من أحدٍ هُنا
قلتها ببلاهة وأنا أحملق بذعر في ذاك الكائن.. أراقب أيّة ردّة فعل ستصدر عنه…
شعرتُ بشيء يقبض على قدمي بقسوة نظرت بذعر وانا أحيط نفسي بذراعي… لأُفاجأ بيدٍ مشوّهة طويلة المخالب خارجة من تحت الأرض ممسكة بقدمي المسكينة… وهنا لم أعد احتمل كُلّ ما يحصل… خارت قواي.. شعرتُ بأن عقلي يدور داخل جمجمتي بسرعة كبيرة.. لأقع أخيراً فاقدةً للوعي

استيقظت وصداع ٌ عظيم يسكن رأسي… كان المكان مظلماً… لا أستطيع رؤية شيء… يداي تؤلمانني بقوة.. وأشعر بتكسّر جسدي كما أشعر بالغرابة والذعر بعد استيعابي لما حصل معي قبل أن يغمى عليّ… صرخت بقسوة :
– أين أنا
وفجأة اشتعلت تسعة شموع وكلُّ من الشموع التسعة تضيء وجه واحدٍ من نزلاء الفندق الذي أضفى عليهم اللون الأصفر مظهراً مريعاً … كانت الشموع تشكّل دائرة شيطانية وأقبع انا في منتصفها..

– ماذا تفعلون أتوسلكم ألا تفعلوا شيئاً
قلتها وانا ارتجف من الرّعب

ليقولوا بصوت واحد:
– نحن نظهر للخائنين… نحن ننتقم للمظلومين..نحن أرواحٌ معذّبة قتلنا أنفسنا لننجو من عذاب الدنيا فيلحقنا عقاب الآخرة.. بسببكم قتلنا نفسنا… بسببكم… فلننتقم لروحك يا سمارا

انتفضت مرتعشة فور ذكرهم لاسم سمارا… وتسرّب لذاكرتي ذاك الصوت الأنثوي الذي سمعته في المقبرة يوم لحقني الكلب

– سمارا!
قلتها بارتعاش وأنا أتذكر تلك الفتاة التي كانت صديقتي المقربة… بالإضافة لكونها حبيبة جون السابقة…
ازدرت لعابي بصعوبة… هل يعقل بأن هؤلاء الأرواح تريد الانتقام… الانتقام منّي!
قال ذاك الرّجل بملامحه الجامدة وصوته البارد :
– سَمارا تلك الرّوح المعذبّة التي قُتلت بسببك… كنتما صديقتان مقرّبتان أعجبك حبيبها الأرعن المدعوّ جون فسرقته منها…. دخلت الفتاة في حالة اكتئاب حادّة.. وحاولت مراراً الانتحار… حنَّ جون إليها واعتزم العودة لحبّها فقررتي تشويه سمعتها وتلاعبتي بصورها حتى جعلتيها تبدو كعاهرة!
ارسلت الصور إلى جون والّذي بدوره أرسلها إلى عائلتها… وَ هُنا جنَّ شقيقها الاكبر والذي يُشكُّ في سلامة عقله ليحبسها في غرفتها بعد سكبه لمادة مشتعلة في أنحاء الغرفة وخارجها وأخيراً اشعل عود الكبريت وفرَّ هارباً ظنّاً منه بأنّ العار سيصبح رماداً متناسياً أن من يحرقها أخته وأنّه من المفترض أن يدقق في موضوع الصّور أكثر.. لكن ومع الأسف أحرقت سمارا… أحرقت وهي حيّة وسط صيحاتها المُهيبة…

جحظت عيناي فور سماعي لنهاية تلك القصة وتذكرت عند ذكره لصيحات سمارا.. صوت ذلك الجرس الذي كان يضغط عليه هذا الرّجل.. لم أكن أعلم بأنَّ سَمارا قد أحرقها شقيقها… ظننت بأنّ الشقّة قد احترقت من تلقاء نفسها…

ليتابع الرّجل :
– الشرطة أخذت بحقّ سمارا من أخيها ونفذت فيه حكم الإعدام… لكن أنتِ

ليزداد توهج الشمعات التسعة فور قول كلمته الأخيرة ثم يتابع :
– ستأخذ سمارا بحِقّها منك…وقبل ايّ شيء سأوضح لكِ كُلَّ الأسئلة التي تدور في رأسك
في البداية نحن لسنا أشخاص… نحن أرواح معذبة.. أرواح قُتِلت ظُلماً… عندما يُقتل الشخص بغير حق تبقى روحُه عالقة تحاول الانتقام لصاحبها… ونحن هنا جميعنا أرواح أشخاصٍ قُتلوا ظلماً بدءاً من ملامحنا الجامدة وتناولنا لما تحويه اللفافات من حبيبات رمادية… لقد اجتمعنا نحن التسعة على أن ننتقم لأنفسنا بعيداً عن عدالة البشر… فذاك… وأشار إلى الكهل… قتلُه لصٌّ حاول سرقة بيته لكنّ الأمر أفضى به لطعن الكهل المسكين تسع طعنات وفرّ هاربة من يد العدالة… في الواقع لقد انتقمنا لصاحبنا الكهل بعد أن صادفُه فندقنا هذا وأقام فيه كما أقمتِ أنتِ… وأخذ كهلنا العزيز بثأر روحه… في الواقع لقد انتقمنا لأرواح الثمانية الموجودين هنا… لكن بقيت روح واحدة… وهي روح سمارا… روحٌ واحدة لم تخمد نيرانها بعد… ستتمّ انتقامها وبعدها نعود إلى حيث يجب أن نكون فنحن هُنا مجموعة وبيننا اتفاق…
لو لم تظلمي سمارا لما مررتِ بكُلّ ما مررتي به… لو لم تظلميها لما وجدتي فندقنا أمامك… فندق الأرواح.. الأرواح المعذبة..

انهى كلامه وأنا أشعر بخدرٍ كامل في جسدي… كنت أبكي… أبكي خوفاً وحزناً… سَمارا أيتها الرّفيقة الوحيدة… كيف فعلت ذلك بك… أنا استحقّ… استحقّ جميع أنواع العقاب…

وفجأة ارتفع الجالسون عن الأرض وبدا وكأنهم يطفون في الهواء ليستديرو ببطئ وهم معلقين بالهواء… فيتحوّل البطء إلى سرعة شيطانية.. أدت الرياح الناجمة عنها إلى ازدياد توهّج نيران الشّموع…

ليصرخوا بصوتٍ واحد :
– انتقمي لروحك يا سمارا

فيخرج ذاك الكائن ذاته الذي رأيته في الطريق وفي المقبرة…لكن هذه المرّة كانت الرؤية واضحة.. كان جسد سمارا المتفحّم.. بعظامها البارزة ولونها الأسود المتفحم.. وشعرها المحروق

– سمارا أنا..

لتصرخ سمارا بصيحة مرعبة طنّت أذني على أثرها… وأخيراً يزداد توهّج الشموع وفجأة تشتعل منها السنة نيران كما لو أنها قادمة من نار جهنّم لتلتهم النّار جسدي وأنا أصرخ ذات الصّرخة التي صرختها سَمارا بل وخِلتُها أقوى… فأُصبِحَ فحماً محترقِ
………………..م..

– ماذا تقولون أيُّها الأوغاد؟
قلتها وأنا ارتجف من البرد
ليقول أحدهم وسط ضحكات شبابية :
– لقد كان مقلباً… هل تصدق بأنّ أحداً منّا سيخرج في نزهة في مثل هذا الجو… لااا وأين في منطقة جبلية كهذه

صرختُ بعنف :
– أيُّها اللّعينون.. لقد أحضرت معي مستلزمات التخييم

ليقول المتصل :
– تخييم وفي هذا الطقس يالك من أحمق… اسمع فلتعد إلى المنزل لا ضرر في مقلب صغير نستذكره أبد الدّهر ونضحك عليه ألست من محبّي المقالب

وفجأة انقطع الاتّصال… او بالأحرى انقطعت الشبكة بسبب اشتداد قوة العاصفة…

شتمتُ أصدقائي في سرّي.. وأنا أحاول تحريك مفتاح السيارة… لكنّها لا تعمل.. يبدو بأن المحرّك قد تجمد من برده… ظللت حوالي النصف ساعة أحاول تشغيل السيارة لكنني فشلت.. زفرت بضيق واسناني تصطك لشدة البرد… قررت أن افتح باب السيارة وابحث عن منزل دافئ أبيت داخله الليلة… مشيت في طريقٍ مستقيم وانا أفرك يدي بيدي الأخرى لعلِّي أحظى بلعص الدفء… وأخيراً رأيت مبنىً ضخم يقبع في الأحراش المظلمة… ركضت مسرعاً نحو ذاك البناء الذي تبيّن لي عند دخولي إليه بأنّه فندق..
تنهدت بارتياح فور رؤيتي لتلك المدفأة التي تبثّ الدفء بسخاء وفير… وضعت يديّ وشعرت ببعض الدفء لأرى رجلاً يهبط من سُلّمٍ يصدر صريراً عند كلّ درجة ينزلها
تقدّمت منه بهدوء وقلت برسمية :
– مرحباً يا سيديّ حسناً أنا أدعى جون ازيل.. وأنا صاحب شركات كبيرة تقع في المدينة الساحلية.. لقد تعطّلت سيارتي في الجوار.. وأريد المبيت الليلة هنا باعتبار العاصفة خارجاً في أوج قوتها… وسأدفع لك ما تريد…

كانت ملامحه خالية من التعابير وهو يقول لي :
– اتبعني
شعرت ببعض النفور بداية الأمر لكن ما من أمكنة متاحة ولن أقضي طيلة حياتي هنا… ليلة واحدة فقط.. فقط..
دخلت غرفتي الاي تقبع في نهاية الممر الكئيب…
ظلّت أنظار ذلك الرّجل معلّقة على الباب الذي دخلت عبره وهو يتمتم ببرود :
– ستكملي انتقامك يا سمارا وننتهي من هذه المهمة… وأخيراً بعدها سنرقد في سلام أبديّ

تم

مقالات ذات صلة

47 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى