أدب الرعب والعام

ليلة مقتل الدكتور

بقلم : عاشق الموقع – العراق

تنهد الطبيب و سحب نفساً عميقاً و نظر بدوره إلى الساعة
تنهد الطبيب و سحب نفساً عميقاً و نظر بدوره إلى الساعة

 
– حضرة الطبيب ، لقد مضى يومان و لم تقرر في حالة المتهم ، نحن نريد التقرير الطبي لأجل محاكمة هذا الدنيء لينال جزائه لما فعله من جرائم.
 
– لا بأس يا حضرة الضابط ، الليلة سوف أقرر أن كان يشكو من مرض عقلي أو حالة نفسية أو كان مدعياً لينجو من العقاب.
 
– أحسنت أيها الطبيب النفسي ، من المرجح أنه مدع للجنون لكي يتملص مما أرتكبه من جرائم.
 
– إنها جريمة قتل واحدة و تدعي أنها سلسلة جرائم ، أرى أنك تتجنى و تبالغ حضرة الضابط.
 
–  و هل أنت محاميه يا دكتور؟ ألتزم بحدود عملك و أعلم بأني ضابط تحقيق أمسكت هذا المجرم متلبساً بالجرم المشهود وهو يقتل رجلاً بستين طعنة بالسكين ، و كنت سأقرر في شأنه لولا قرار المحكمة بتحويله إلى الطب النفسي لمعرفه أن كان مصاباً بالجنون ، و لك أن تدرك مدى صعوبة عملي وأنا أتولى هذه القضية و أهالي الضحية يلحون علي أن اتمها ليروا المجرم و هو ينال جزائه العادل ألا و هو الإعدام.

– يمكنك مغادرة عيادتي أيها الضابط فقد تأخر الوقت والساعة الآن العاشرة ليلاً ، و تعال غداً في الحادية عشر صباحاً لتستلم السجين.

– سوف أبقي هذا الشرطي في العيادة.
– لا داع لذلك ، فمنذ يومين و أنتم في عيادتي حتى لم يعد أحد يأتيني خوفاً منكم ، فضلاً عن أن السجين القابع في الغرفة خائف و لن أستطع تشخيصه حتى الآن.
– و اذا حصل مكروه ما أو خطر عليك و…

– لا تقلق ، أنا بخير و أعرف كيف أتعامل مع هذه الحالات ، فهي ليست الأولى لي ،كما تعلم ، و قد مارست مع حالات سابقة أكثر خطورة ، و أنت تعرفني جيداً أيها الضابط.
– لكن الحالات السابقة كنا نضع الموقوف في زنزانة بالمركز و كنت أنت ضيفنا ، أما الأن إقامتهم عندك و نحن ضيوفك.
– لا داع للقلق ، أطمئن ، و تعال غداً و خذ هؤلاء المساكين فقد تعبوا و يريدون العودة إلى بيوتهم.

وقف الضابط و نظر إلى الساعة كانت عقاربها تشير إلى العاشرة والربع ، كان التعب قد أخذ مأخذه من جفنيه و نال منه النعاس ، فتقدم إلى الباب و خلفه مساعده و أتباعه و خرج ثم ركب سيارته و غادر.

تنهد الطبيب و سحب نفساً عميقاً و نظر بدوره إلى الساعة و قام من كرسيه يتمشى في الغرفة جيئة و رواحاً و هو يعقد يديه خلف ظهره و ينظر إلى الأرض و رأسه مزدحم بالأفكار ، ماذا لو أنه كتب في تقريره أن المتهم بوافر قوته العقلية ، سينال حكم الإعدام طبعاً و يغضب المحامي الذي رشاه بالمال ، ماذا لو فشلت المهمة ؟ سوف يطردان من النقابة و يحاكمان هو والمحامي الذي أدعى أن موكله مجنون و رفع دعوى للقاضي بتأجيل المحاكمة و توسعت القضية و أصبح ضابط التحقيق شديد الإلحاح

فهو يجزم يقيناً أنه رأى المتهم جازماً على صدر الضحية يوجه اليه الطعنات الواحدة تلو الأخرى ثم يمسك به و يقيده ، و قد أحصى الطبيب الشرعي ستين طعنة بالضحية ، أما كيف أصبح الجاني مجنوناً ؟ فهذه قصة أخرى لأن الضابط أورد في تقريره أن الجاني زغرد كالنساء و قفز كالقرد فوق جثة الرجل.

أخرج الطبيب هاتفه النقال وأتصل بالمحامي.

– حضرة المحامي ، أرجو أن لا يكون اتصالي في وقت غير ملائم ؟.
– أبداً يا دكتور ، أنا في خدمتك ما دمت تؤدي واجبك.
– هل نتخلص منه ونستريح ؟.
– ماذا تقصد ، نتخلص …نستريح ، نتخلص ممن؟.
– هذا المتوحش الذي جلبته لي و الذي قتل الرجل بستين طعنه.

– لا ، أبداً ، أنت تعرف أن الألفي دولار بحوزتك و أنت نلت أتعابك حتى قبل أن تكتب تقريرك ، أما أنا فلا زلت انتظر العشرة الآلاف دولار التي وعدني بها خال المتهم ، أكتب التقرير فوراً و أتهمه بالجنون و أنا أكمل الباقي في المحاكمة.
– و ما الفائدة ؟ سيُسجن في مصح عقلي لبقية حياته ؟.

– و ما شأنك أنت يا دكتور ؟ أن خاله سيزوره و يطمئن عليه أسبوعياً ، نحن لا يهمنا أي شيء من ذلك ، أنه التقرير يا دكتور و لا تجعلني أتوتر ، و بالمناسبة ماذا فعلت مع ضابط التحقيق ؟.

– ياه ، لم يفارقني منذ الساعة التي جاء بها إلي بالمتهم ليومين كاملين ، و أنا أحاول أن أصرفه لأجالس الجاني ، و تمكنت أخيراً من إبعاده.
و فجأة يطرق الباب فيقفل الطبيب  المكالمة ويتجه إلى الباب و يفتح الباب فيجد أمامه شرطيان ، هكذا إذن لقد تركهما الضابط أمام عيادة الطبيب.
– معذرة يا حضرة الطبيب ، هل يمكنك أن تدلنا على دورة المياه ؟.

– نعم ، إنها هناك ، و يمكنني تهيئة سرير لأحدكما إن أراد النوم.
– لا داع لذلك حضرة الطبيب ، سنتناوب أنا و زميلي في النوم بالسيارة.
– السيارة ! رأيت الضابط يذهب بها ، فكيف عادت ؟.
– لقد أوصلناه إلى بيته ثم طلب منا العودة لأجل المتهم ، هل من مشكلة يا دكتور؟.
– لا ، أبداً يا بني ، عن أذنك.

– حضرة الطبيب ، أبق الباب مفتوحاً لأجل أن أحتاج أحدنا لاستعمال المرحاض.
– كما تحب.
و بعدها يتحرك الطبيب إلى زاوية من عيادته ، فيمسك هاتفه و يتصل بالمحامي ثانية.
– لماذا أقفلت هاتفك يا دكتور؟.
– لقد ترك الضابط لي شرطيين عند باب العيادة ، و قد كنت أتكلم مع أحدهما.

– و هل هذه مشكلة تمنعك من إنهاء التقرير؟.
– لا ، و لكني أحس أنني مراقب و أن الضابط لن يتركني بسلام ، ما رأيك أن نتخلى عن القضية ؟.
– لا تقلق ، فقط لا تتوتر ، أجعل المتهم مجنوناً و ينتهي كل شيء.
– وما أدراك بأن ضابط التحقيق لن يستمر بالقضية و يتصيد كل شاردة و واردة و في النهاية يثبت أن المريض بكامل قواه العقلية و تسقط الدار على رؤوسنا.

– تسقط عليك وحدك لأنك صاحب التقرير ، أما أنا فسأخرج منها كالشعرة من العجين.
– أبداً ، سأجرك و أغرقك معي و أعلن أنك رشوتني ، و لن يستطيع خال مولدك إنقاذك أو إنقاذ أبن أخته أن كانوا سينقذون أنفسهم أولاً.

– عزيزي الطبيب ، لا تقلق علي أو على نفسك ، أنك بأمان ما أن تلتزم بالتعليمات و دقة التشخيص ، و كل ما أريده تقرير موثق منك بحالة المتهم.
– حالاً سأعمل عليه.
– شكراً لك.

أقفل المحامي المكالمة و أعاد الطبيب الهاتف إلى جيبه و نظر إلى الغرفة التي يُحتجز فيها المتهم و تقدم إليها و طرق الباب :

– ماذا تريد ؟.
– هل أنت نائم يا بُني ؟.
– وهل النائم يرد ؟.
– قصدت هل كنت نائماً فأيقظتك ، هل تريد طعاماً أو تريد الذهاب لدورة المياه ؟.
– لا ، و لا ، و لا أريدك أنت ولا المحامي الذي وكله خالي و لا خالي نفسه ، الجميع تخلى عني و يتهمني بالجنون ، و الذي قتلته يستحق القتل ألف مرة ، والآن أنا محبوس كالشمبانزي بسببه لأنه محبوس في جهنم الآن.

– وما أدراك أنه في جهنم ؟.
– طبعاً ، لأنه خرب بيتنا و هدم عش الحب و أجبرني على تطليق ابنته ليزوجها بآخر لا يعادل قلامة ظفري.
 
– و لكنه زوجها الأن يا بني و حلالها شرعاً.
– و إن يكن ، فهي كانت لي شرعاً و أنت لا تعلم قسوة الطلاق أن تمتلك فتاة ثم تنساب من بين يديك كالهواء و تذهب إلى أخر.
– و لكني أعلم أنها طلقتك باختيارها.

– لا ، لقد أُجبرت ، أنها تحبني حتى هذه اللحظة و أنا أعلم ، أبوها الظالم تجاوز على الشريعة و زوجها في غضون ثمانين يوماً من طلاقنا ، أليس من المفترض أن تمضي ثلاثة أشهر ؟.
– نعم ، هذا صحيح.

– أذن فقد خالف الدين و هو في الجحيم الآن و يستحق ذلك ، لقد تسللت إلى البيت عندما كان قد زف ابنته و أركبها السيارة إلى جانب الأحمق الذي جعله صهره ، و عندما تحركت السيارة وهو يشيعها بنظرات باكية انقضضت عليه بالسكين طعناً في الشارع والجميع أخذ بالهروب إلى أن أتى ذلك الضابط ليضربني ويقيدني و إلا لما توقفت عن طعنه.
– لماذا جعلك تطلق ابنته ؟.

– لأني كنت عاطلاً عن العمل ، لم أعتد على العمل منذ أن كان خالي العجوز يربيني ويدللني كرماً لأمي المتوفاة ، لأنها أخته الصغيرة والعزيزة و أنا أبنها الوحيد ، و قد ماتت وهي تلدني – رحمها الله – ليتني مت معها واسترحت ، مبالغة خالي في تدليلي جعلتني فاشلاً في كل شيء ، العمل والدراسة ، كان خالي قد طلق زوجته لعجزها عن الإنجاب و لم يتزوج بعدها ، علمت أنه هو العقيم فقد حُرم نعمة الأبناء و فاز بالثروة ، و قد زوجني و أسكنني داراً ، لكن والد زوجتي الأحمق طلقها مني لأني لا أعمل.

– ولماذا لا تعمل ؟.
– لأنني لم أعتد ذلك و ليس لدي شهادة ، و خالي ينفق علي فلديه شركة والكثير من المال.
– ولماذا قتلت الرجل ؟.
– نال جزائه.
– نال جزائه لأنه طلق ابنته منك ؟.
– نعم ، أنا أحبها ولا أستطيع أن أحب غيرها.
– لقد ثبت أنك تتمتع بقواك العقلية لكنك مضطرب نفسياً ، سأعد تقريراً بذلك وستُحاكم ، لن أخون شرف مهنتي و سأفضح خالك ومحاميه و …اه
 
صاح الطبيب من طعنة سكين مغروز في صدره، و قبل أن يفارق الحياة وجد رجلاً مقنعاً :

– من أنت ؟.

– أيهم من أنا ؟ لقد اتصل بي المحامي وأعلن أنك لن تخدم قضيتي.
– كيف تجاوزت الشرطيين؟.
– لقد أخبرتهم أنني أباك و كان الشاي المخدر لذيذاً
، سقط الطبيب مضرجاً بدمه وتناول الرجل المفاتيح و محفظته التي تحوي مبلغ الرشوة وفتح الباب.

– لماذا تأخرت يا خالي ؟.
-عذراً يا بُني و ابن أختي العزيزة ، هيا أسرع لقد ركنت السيارة في الخارج.
و خلال دقائق معدودة كانت السيارة تحمل القاتلان وتنطلق نحو المجهول.

النهاية……

تاريخ النشر : 2021-01-04

مقالات ذات صلة

19 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى