الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

يسمونها الأرض

بقلم : البراء - مصر
للتواصل : [email protected]

نحن آخر من تبقى على وجه الكرة الأرضية

نظرنا عبر القبة الزجاجية نحو ذلك الضباب الذي بدأ يتكاثف مجدداً - كعادته كلما قررنا النظر إليه.. أنا منذ ولدت هنا لم أعرف ماهية الضباب حقاً.. ما سببه و من أين يأتي.. لكنني كنت أعرف يقيناً ما يمكن أن يفعله.. إنه يقتل.. لازلنا لا نعرف كيف و لكننا نعرف أنه من يدخله يموت.. طوال حياتي كنت أريد أن أعرف حقاً ما هو ذلك الضباب بالضبط و ماذا يوجد خلفه بالضبط..

نزلت أنا و رفاقي على الدرج المؤدي للأسفل ثم أغلقنا الباب الحديدي العملاق خلفنا.. هذا الباب كما هو الضباب كما هو المكان الذي نعيش فيه.. ولدنا و وجدناهم هكذا.. و لوجودنا هنا حكاية أيضاً.. يقال أن أول بشري عاش كان هنا و أنه لم يغادر قط و أنه هو من بنى كل هذا.. الملاذ و الباب الحديدي و القبة الزجاجية خلفه .. يقال أيضاً أنه لم يولد مثلنا؛ بل خرج من بئر المياه.. حسناً كل هذا مجرد كلام فقط و الشيء الذي كنا متأكدين منه حقاً؛ هو أننا خلقنا للعيش هنا.

وفقاً لما قاله لي أبي- نحن آخر من تبقى على وجه الكرة الأرضية.. تلك اللفظة "الكرة الأرضية" كانت تحيرني حقاً.. كبار السن مثله يصرون على تسميتها بهذا الأرض.. نحن جميعاً كنا نقول الملاذ و هم يقولون تحت الأرض.. نقول لهم بأن تحت الأرض هذا وصف و نحن فعلياً في الملاذ.. فيقولون بأننا لم نولد في هذا المكان و إنما مكاننا الطبيعي هو فوق الأرض على السطح.. يقولون هذا و كأنه أمر مسلم به.. حسناً هذا من قبلهم فقط بالطبع.. فنحن قاطني الملاذ جميعاً- عداهم بالطبع- كنا نعرف بأننا لطالما كنا هنا و لطالما ولدنا هنا و عشنا هنا و لم يتجرأ أحد منا على مغادرة هذا المكان أبداً.. لقد كانوا يقولون كلاما عجيبا بحق.. يعقدون تلك الجلسات فيما بينهم و يبدأون في التحدث عن ماضي أجدادهم و أجداد أجدادهم الذين حُكي لهم عن طريق أجدادهم و حُكي لأجدادهم عن طريق أجداد أجدادهم و حُكي لأجداد.... و تستمر الدائرة التي لم أعرف لها نهاية يوماً.. لكنني و الحق يقال قد كنت أجد لذة حقيقية في الاستماع لادعاءاتهم تلك.. لذلك لم أفوت ولا اجتماع واحد من اجتماعاتهم الأسبوعية.. و منذ أن علمني والدي طريقة الكتابة و أنا أحب أن أكتب كثيراً.. لا أعرف لماذا و لكنني أجد لذة أخرى في التدوين و الكتابة.. و هكذا كنت أجلس معهم مصغياً و مدوناً لأحاديثهم الشيقة.. و إني لأشهد على أن أفضل أوقات حياتي كانت في هذه الأيام..

 

قالوا عن البيوت أشياء غريبة.. كانوا يقولون بأن كانت توجد بيوت عملاقة تسمى ناطحات السحاب.. سألتهم و ما السحاب قالوا لي أن السحاب هو الفاصل بيننا و بين الفضاء و الشمس و السحاب هو جالب المياه التي نشربها.. كمية المعلومات هذه لم أستطع استيعابها كلها دفعة واحدة.. الحقيقة هي أنني لم أصدق ولا كلمة واحدة عن ما قالوا.. فالمياه التي كانوا يقولون أنها تأتي من السحاب و من حفر كبيرة تسمى الأنهار و البحار و المحيطات كنا نحن نعرف بأنها تأتي من البئر التي في الملاذ.. كانت و ستظل مصدرنا الوحيد للمياه.. عندما تخطى عقلي ما قالوه عن السحاب بدأت أسألهم عن الفضاء و عن الشمس.. فقالوا لي أكبر هراء سمعته في حياتي منهم.. قالوا كلاماً كثيراً و تضاربت آرائهم على حسب الكلام الذي سمعه كل واحد من جده .. ما أرادوا أن يوصلوه هو أنه نحن نعيش في شيء يدعى الكون و هذا الكون يحتوي على أشياء تدعى نجوم و أشياء تدعى كواكب.. و يقولون أن عدد الكواكب أكبر من أكبر عدد نحن نعرفه أو ببساطة يدركه عقلنا.. واحد منهم قال أن عددهم ما لانهائي و يجب علي أن أعترف أن الأمر قد أخذ مني وقتا لابأس به أبداً كي أفهمه.. فكلمة ما لانهاية هذه عميقة حقاً و مخيفة.. ال-ما لانهاية هذه فكرتها غريبة كما قلت.. و لكنني قدرتها بأنها عدد كرات التراب الصغيرة جداً على الأرض.. فالنسبة لي كانت هذه الكرات التي لا تكاد تُرى أكثر من أن يتم عدها.. لكن واحداً منهم قال بأن الأمر سهل و أنه علي فقط أن أتخيل خيط أو حبل طويل و لا ينتهي.. سألته و متى ينتهي هذا الحبل فقال بأنه هذه هي الخدعة وأن الحبل لا ينتهي يستمر و لا ينتهي.. منطق غريب..

بعد أن تمكنت مرة أخرى من تجاوز هذا بدأت أسأل عن الكواكب و عن النجوم.. و قالوا .. النجوم هي باختصار مصدر النور و الشمس هي مصدر النور بالنسبة للأرض- لا زلت حتى الآن لا أعرف لماذا يصرون على تسميتها الأرض- و يكملون الشمس هي مجرد نجم.. و يقولون بأن الأرض هي كوكب فسألتهم ما هو الكوكب فقالوا بأن الكوكب هو عبارة عن كرة عملاقة بشكل لا نتخيله و غالباً ما تجد الكواكب تدور حول النجوم التي تكون بدورها أكبر من الكواكب بمراحل.. إذن فالأرض هي كوكب يدور حول الشمس مصدر الضوء التي هي في الأساس نجم..

و هنا كانوا قد وصلوا لقمة الهراء المسموح به.. أعني أن كل ما يقولونه خاطئ و ليس مترابط أبداً.. قالوا بأننا نعيش على الأرض فإذا كانت الأرض كوكب كما قالوا فهذا يعني بأن الأرض كرة و إذا كانت كرة فهذا يعني بأننا سنتمكن من رؤية إنبعاجات الكرة و لن نتمكن من الوقوف بشكل جيد عليها.. و الأرض كما كنا نراها خلسة بين الحين و الآخر مستوية و ليس بها أي شيء.. بدأوا يقولون بعض الكلام العجيب مجدداً عن الجاذبية و عن كبر حجم الكوكب بطريقة لا تمكننا من ملاحظة بأننا نعيش على كرة.. و لكن مرة أخرى كانوا يخرفون.

حياتنا كما عرفناها كانت تختلف تماماً عما يقولونه .. فنحن نعيش تحت سطح الأرض و ليس فوقها.. كما أننا طعامنا يختلف عما قالوه.. الطعام الذي يتحدثون عنه يقولون أنه يحتاج لضوء الشمس كي ينمو و لكن طعامنا الذي نأكله لم يحتج فقط إلا للماء.. أيضاً عددنا كسكان ليس كبيراً كما كانوا يقولون.. لم نكن قط بهذه الكثرة التي يتحدثون عنها..

لكني و بدون وعي مني وجدت نفسي أصدق كلامهم.. لا لشيء و لكن لحب عقلي أن يصدق هذا الخيالات الرائعة.. بالإضافة لأنهم كانوا يقدمون تفسيراً لا بأس به أبداً للضباب.. الذي هو أساساً سبب عدم اكتشافنا للسطح حتى الآن.. أعني نحن لدينا كل ما نريده ضوء و طعام و ماء و هواء.. ما هو الداعي لأن نخرج و نخاطر بحياتنا إذن.. إن هذا الضباب لا يمزح.. و قد رأيت هذا بنفسي مرة من قبل..

في البداية يبدأ الشخص في محاولة تنشق الهواء و لكنه لا يفلح في ذلك و كأنه هناك من يخنقه.. بعد ذلك ينتظم تنفسه و يبدو أنه قد صار بخير و لكن سرعان ما تتحول نظرة الطمأنينة على وجهه إلى نظرة خوف و ألم شديد.. ثم يبدأ وجهه بالتحول إلى اللون الأبيض و تبدأ الدماء في النزول من كل مكان من وجهه.. من عينه و أنفه و أذنه.. ثم يرقد على الأرض جثة هامدة لا تتحرك.. هذه العملية لا تأخذ أكثر من دقيقة واحدة بالمناسبة.. لذا نعم هذا الأمر خطير جداً.. و كما قلت من قبل تفسيرهم للضباب يبدو مقنعاً و محبوكاً بطريقة تتوافق مع كل ما قالوه.. الأمر الذي جعلني أتساءل هل من ألّف كل ما يقولونه أتعب نفسه بكل هذا التفاصيل كي يجعلنا نصدق أم أنهم يقولون الحقيقة فعلاً ؟!..

 

يقولون

 

الأرض كانت تعج بالبشر.. و عددهم يزداد.. و في ظل وجود هذه الأعداد كان لابد من وجود تفرق بين صفوف البشر.. و بالفعل بدأوا يتفرقون و بدأت ما تسمى بالدول بالظهور.. كل دولة لها أشخاصها و لغتها و حدودها على الأرض.. مكان مخصص لهم هم فقط لا يخرجون منه إلى مكان آخر إلا بعد أن يسمح لهم بذلك.. باختصار أصبحوا مختلفين عن بعضهم البعض.. رغم أنهم لم يكونوا كذلك في الماضي.. و في ظل هذه الانقسامات بدأت بعض الدول القوية تطمع في مساحات و أماكن بعض الدول الضعيفة.. كانت هذه هي البداية فقط.. بداية كل شيء.. فبعد ذلك بمئات السنين بدأت الدول القوية تتنازع على الدول الصغيرة فيما بينها.. و هنا حدثت الكارثة.. تحالفت بعض الدول القوية ضد بعض الدول القوية الأخرى.. و حصل ما يسمى بالحرب العالمية.. العالم كله يتنازع.. تلت هذه الحرب حربين أخريين.. الحرب العالمية الثانية و الحرب العالمية الثالثة.. الحرب العالمية الثالثة كانت هي ما يهمنا حالياً لأنها سبب كل ما نحن فيه.. بعد الحرب العالمية الأولى بدأت الدول في صنع أسلحة قاتلة تسهل عليهم مهمة قتل الأعداء في حال لو وقعوا في الحرب مجدداً.. و كان من هذه الأسلحة التي صنعوها ما يسمى بالقنبلة النووية.. تلك القنبلة كانت لديها القدرة على محو مساحات شاسعة.. بالطبع كان كل هذا مجرد كلام على ورق و لم تسنح لهم الفرصة لأن يجربوها.. و كان هذا حتى اشتعلت الحرب الثانية.. و جربوا القنبلة..

محيت تلك البقعة من على الخريطة فوراً.. و عرف العالم حينها السلاح الجديد.. القنبلة النووية.. و بدأ الدول تتسابق على الحصول على هذا السلاح الجديد..

و مجدداً بدأت فتيل الحرب العالمية الثالثة تشتعل و بدأ الجميع يهدد باستخدام القنابل النووية التي لديه.. و كان هذا مخيفاً لأن كمية القنابل كانت كبيرة جداً و إذا تم استخدامها جميعا ربما سوف تدمر الأرض كلها.. إلا إنه و من وسط هذا كله تمكن شخص من صنع واحدة كبيرة جداً بما يكفي لتدمير الأرض كلها.. و صارت هذه القنبلة تساوي جميع القنابل الموجودة مجتمعة.. و بدا أن هذه الحرب ستنتهي بكارثة حقيقية على كوكب الأرض.. و لكن ما حدث بعد ذلك كانت المفاجأة... فبسبب خطأ بشري بحت انفجرت هذه القنبلة.. انفجرت و دمرت العالم كله ماحية معها حضارات كاملة.. شخص أحمق دمر العالم.. لكن السبب الذي يجعلنا على قيد الحياة هو أنه حينما عرف جدنا الأكبر بهذا كله قرر أنه لن يخاطر و سيبني ملجأ خاص للحماية من القنابل في حال لو قرروا استخدامها.. قالو أن جدنا الأكبر كان حينها أغنى رجل في العالم.. و يقال بأنه أنفق ثروته كلها في بناء هذا المكان الذي نسميه نحن بالملاذ.. من الأشياء التي تخلفها القنبلة النووية غير الدمار هو أنها تخلف ورائها تسمماً بيئياً كبيراً.. و هذا التسمم في حالة القنبلة الكبيرة دائم.. التسمم يؤثر على كل شيء.. و ذلك الضباب الذي كنا نراه لم يكن إلا آثاره.. التسمم أو التلوث هذا أثر على الأرض نفسها أيضاً.. فصار من المستحيل زراعة أي شيء.. و هنا ظهرت فائدة الأموال التي دفعها جدنا.. صرنا نعيش في بيئة مستقرة و يمكننا زراعة كل ما نريده بدون ضوء الشمس و طبعاً حمى هذه التربة التي نزرع فيها ما نريده بطريقة ما.. و أيضاً حمى هذه المياه من هذا كله و أخترع ذلك المصدر الجديد للضوء و الكهرباء.. باختصار خلق بيئة مناسبة للعيش فيها بدون أي مشاكل تذكر بالنسبة لنا..

جدنا لم يكن يثق فيهم.. لم يعرف ما إذا كانوا سيلقون قنابلهم أم لا.. و هذا ما جعله يجمع عائلته كلها و يجعلهم يعيشون هنا احتياطاً.. و حين حدثت الكارثة كنا جميعنا بأمان تام.. و بمرور الأجيال اندثرت الحقيقة و بدأ الجميع ينسى ما حدث من قبل.. إلا إننا لم ننسَ قط كما لم ينسَ أجدادنا و من سبقوهم..

 

كان كلامهم منطقياً كما قلت.. هم فسروا كل شيء.. و بدا لي أنني قد عرفت كل ما أريد معرفته عن هذا العالم..

لكنني كنت قد قررت بأنني سأخرج.. إذا ما كان هذا الضباب ما هو إلا تلوث إذن عدم استنشاقه سوف يجعلني بخير.. كان يجب علي إلقاء نظرة على هذا العالم قبل أن أموت.. كانت الفكرة بسيطة.. وعاء زجاجي حول رأسي مع عازل على عنقها يمنع الهواء الملوث من الدخول إلى و هذا الوعاء يجب أن يمنحني عدة أنفاس تكفيني كي أذهب أبعد من أي شخص قبلي و بعدها العودة..

نحن نعيش هنا منذ مدة لا بأس بها و نتيجة لهذا كان لابد لنا من أن نتطور.. ليس بالشكل الذي يجعلنا نخرج و نواجه الضباب بالطبع.. و كنت أنا أول من يقرر فعلها.. و فعلتها.

إن جدنا الأكبر-حسب كلامهم- هو من بنى هذا المكان.. و يجب علي أن أعترف بشيء هنا.. إنه متكامل.. إن هذا المكان حقاً متكامل و مصمم بإتقان.. و هناك بعض الأشياء هنا و هناك التي تثير إعجابك حقاً حينما تتعمق فيها.. لنأخذ الأمان كمثال.. الملاذ و إن كان تحت الأرض فإن الشخص لا يدرك حقاً بأنه تحت الأرض إلا حينما يخرج من المدخل الرئيسي للملاذ و يصعد ذلك الدرج المؤدي للأعلى كي يرى من خلال الحاجز الزجاجي بأنه تحت الأرض.. الأن جميع من في الملاذ يدركون ما الذي سيحصل إن دخل الضباب لنا.. أعني أنه لابد من حدوث بعض الأخطاء أليس كذلك.. شخص أحمق يكسر الحاجز الزجاجي أو ما شابه.. من صمم هذا المكان عرف هذا أيضاً لذا و ضعوا ثلاثة حواجز حماية إذا أمكننا أن نسميها كذلك.. من الصعب علي أن أشرح و لكني سأحاول .. الحاجز الأول هو الباب الحديدي الكبير و وراءه الثاني غرفة لها باب كبير آخر و الثالث ممر طويل في نهايته مروحة عملاقة و الممر له باب جانبي.. الفكرة هنا هو أنه لو تمكن الضباب بطريقة ما من المرور عبر الحاجز الزجاجي و عبر الباب الحديدي العملاق فسيتم احتباسه في الغرفة التي بين الممر و الباب الحديدي.. و إذا فتح باب هذه الغرفة هي الأخرى كما فتح الباب الحديدي فالمروحة هنا ستؤدي عملها هي الأخرى و تعمل بأقصى طاقتها كي تدفع الضباب بعيداً.. و المروحة بالطبع لا تعمل إلا حينما يتم فتح باب الغرفة.. إذن الأمان هنا جيد جداً كما ترون و هذا شيء مثير للإعجاب كما قلت..

و كما يوجد هناك أشياء مثيرة للإعجاب فإنه يوجد هناك أشياء مثيرة للتعجب.. حسنا هناك فرق بينهما بالطبع.. المثير للتعجب هو الحاجز الزجاجي.. لماذا يوجد له باب للخارج.. أنا أتساءل حقاً.. الشيء الإيجابي الوحيد هو أنني سأستخدم ذلك الباب الذي في الحاجز للخروج من هنا.

اخترت يوماً كان الضباب فيه قليلاً ثم حسمت أمري و ذهبت.. وقفت أمام الحاجز و أنا خائف.. بالطبع يجب أن أكون كذلك.. نحن نتحدث عن غاز سام يقتل في أقل من دقيقتين.. أرى أنني قد بدأت أصدق كلام العجائز.. و من غير وعي كذلك.. استنشقت كل ما يمكن لرئتيّ استيعابه من الهواء ثم و بسرعة كبيرة وضعت الخوذة الزجاجية و بدأت ألف الشريط اللاصق على عنقها مثبتاً إياها على عنقي و مانعاً الهواء من الدخول.. عشر ثواني كانت كافية.. و خمس أخريات و كنت في الخارج أمشي بتوجس و ريبة.. في البداية كنت بطيئاَ لكن بعد أن أدركت أن أمامي دقيقتين على الأكثر.. زدت من سرعتي.. العظام متناثرة هنا و هناك و الله وحده يعلم لمن هي هذه العظام.. لافتة بائسة كبيرة مكتوب عليها كلمات مهترئة.. أحجار في كل مكان أخطو عليها و أتقدم.. يجب علي أن أكون حذراً كي لا أقع.. إن آخر ما أريده الآن هو قدماً مكسورة أو كاحل ملتوي جراء سقطة.. سيكون هذا مروعاً..

عدا خيالاتي لا شيء مثير للاهتمام .. لكن لا بأس لي زيارات أخرى .. و في تلك اللحظة التي ظننت فيها أنني سأرجع للملاذ.. شاهدت شيئاً غريباً.. باب آخر.. ربما هو تأثير الضباب.. تقدمت خطوة و تأكدت من أن هذا باب آخر بالفعل.. خطوة أخرى.. حسنا هذا شيء عملاق.. لا أعرف إذا ما كان هذا خيالاً أم لا.. هل يوجد شيئاً كهذا في الواقع.. أدركت بعد انبهاري أنني لا أتنفس جيداً لذا رجعت بخطوات مسرعة نحو الملاذ.. سوف نرى بشأن هذا الباب لاحقاً.. أنا لم أتقدم كثيراً بأي حال.. و لكن المفاجأة كانت تنتظرني هناك.. الباب في الحاجز الزجاجي كان مغلقاً !!.

من الحمار الذي أغلقه ؟.. الأحمق سوف يقضي علي.. أخذت حجراً من على الأرض ثم رميته على الحاجز.. لكن لا شيء حدث.. حجر آخر أكبر حجماً.. أيضاً لا شيء.. بدأ وقتي ينفذ و بدأ اللهاث يزداد.. حجر آخر ثم آخر و لا شيء.. اندفعتُ بقبضتي أضرب الباب لعله يوجد أحد يسمعني و لكن بالطبع لا أحد يسمعني..

اللهاث يزداد و العرق يحتشد على جبيني.. بدأت أفكر سوف أموت هكذا إذن.. ثمن فضولي..

لكني أدركت أنه يوجد باب آخر.. و يبدو أنني سأرى بشأن هذا الباب حالاً و ليس لاحقاً كما ظننت.. ثم و لطبيعة الموقف بدأت أهرول نحو الباب الآخر.. و بالطبع وسط ارتباكي هذا.. تعثرت و وقعت.. تلك الأحجار اللعينة التي توجد في كل مكان.. لم يحدث شيء لقدمي أو لكاحلي كما كنت حذراً من أجله قبل قليل.. بل حدث ما هو أسوأ.. لقد كسر الوعاء.. إنه القدر بالطبع.. نعم هذا هو القدر يسخر مني قائلاً "كم تتمنى الآن أن يكون زجاج الحاجز مكان زجاج خوذتك هذه.. كنت ستكسر الحاجز بسهولة و ما كان ليكسر وعائك البدائي".. الهواء كان قد نفذ من الوعاء بأي حال.. و لكن الزجاج هو المشكلة.. لا أريد لشرياني أن يتم قطعه.. ستكون هذه مشكلة حقيقية.. لذا و قفت كاتماً نفسي و بدأت أنزع الشريط الاصق نزعاً و أنا أكمل هرولتي نحو الباب.. جرحت يدي لكن تمكنت إزالة كل شيء.. ثم و بمجرد أن وصلت للباب الآخر حتى بدأت أضرب بقبضتي عليه بجنون.. شعرت بقلبي يكاد يخرج من مكانه و أنا أفعل هذا.. و صرت أفكر نفس وحيد لن يضر أليس كذلك.. نفس واحد فقط.

لكن الباب فتح فجأة و وجدت يداً تظهر من داخله.. سحبتني هذه اليد بسرعة و أدخلتني.. أما أنا فارتميت على الأرض من فرط الألم و سمعت صوت الباب يغلق من خلفي.. كان واضحاً أن هذا شخص مثلي.. لكني لم أتبين وجهه جيداً لأنني كنت مشغولاً بمحاولة التهام الهواء.. ثم سمعت صوته.. قال:

- كيف لك أن تدخل بدون قناع أيها الغبي ؟

إنتظرت قليلاً حتى أخذت أنفاسي ثم قلت بصوت متهدج:

- الأحمق.. أغلق الباب.

تقدم نحوي و قال:

- لم أعرف بأنك هناك.. كنت ستموت لو لم أكن هنا.. من أنت بأي حال.. العامل الجديد؟

نظرت له في غباء و سألته:

- بل من أنت؟

- أنا المسؤول هنا.

زادت نظرة الغباء على وجهي.. فقط الأسئلة هي ما كانت في عقلي.. قلت له:

- مسؤول؟ ..عن ماذا ؟!

صمت قليلاً ثم جاوب:

- عن هذا المكان.

- الملاذ؟

ابتسم و هو يقول:

- حسناً.. نعم.. الحمقى يسمونه الملاذ.

إن الأسئلة تزيد يا سيدي.. قلت:

- حمقى؟

زادت ابتسامته و هو يرد:

- نعم حمقى.

إذن هناك حمقى و هناك مكان و هذا الرجل هو رئيس ذلك المكان.. هذا رائع.. قلت له و أنا أنظر حولي:

- ما هو هذا المكان ؟

- هذا المك... ، يا فتى هل انت بخير حقاً.. أنت لم تستنشق ذلك الغاز حقاً.. أليس كذلك؟

أنا سوف أموت من الحيرة هنا و هذا الرجل هو من يسألني هذه الأسئلة الغبية.. أهذا وقته.. حسنا لو كنت قد استنشقته لكنت ميتاً الآن.. رددت عليه بغيظ:

- لا لم أفعل.. أنا بخير.. جاوب على سؤالي من فضلك.. ما هو هذا المكان ؟

و فجأة لمعت عيناه و صمت قليلاً ثم رجع للوراء مبتعداً عني في خوف و هو يقول:

- أنت أتيت من الجانب الآخر.. أنت لم تخرج من هنا.

- الجانب الآخر.. أتعني الملاذ؟.. نعم أتيت من هناك.

- يا إلهي.. كيف خرجت.

- حميت نفسي بوعاء زجاجي.

- يا إلهي.. يا إلهي!!!.

- أخبرني أين أنا بحقك.

لكنه لم يرد.. ظل مصدوماً لثوان قال بعدها :

- أنت لا تعرف أين أنت الآن؟

- لا.

- سأخبرك أنا.. أنت على الأرض يا فتى.

قاطعته قائلاً :

- أنت تسميها الأرض أنت أيضاً.

- ليس هذا هو المهم... أنظر.. إنهم هنا يقومون بتجارب على البشر.. و أنتم.. مجرد تجربة أخرى من تجاربهم.

- كيف؟

بدأ يلوح بيده و هو يشرح:

- أنتم تجربة يجريها العلماء لمعرفة مدى تطور ذكاء الإنسان إذا عزل لوحده مع مجموعة أخرى من الأشخاص مثله.. فئران تجارب بمعنى أصح.

قاطعته مرة أخرى قائلاً:

- أنا لا أفهم.. ماذا تعني و عن أي علماء تتحدث أنت؟

اقترب مني و هو يبتسم:

- أنظر لنفسك.. أنت الأول من نوعك الذي يجرب ارتداء وعاء زجاجي كي يخرج و يرى العالم.. ماذا قالوا لك عن العالم الخارجي ؟

صمتت قليلاً لأستوعب ما يقوله هذا الرجل ثم جاوبت:

- قالوا بأنه حدث ما يسمى بالحرب العالمية الثالثة.. و بأن الضباب نتاج سلاح يدعى القنبلة النووية.. و.

قاطعني هو هذه المرة و قال:

- لحظة.. الضباب؟.. أهكذا تسمون الغاز السام الذي وضعوه حولكم لكي لا تهربوا.. الملاعين.

هنا بدأ عقلي يستشعر بعض الأشياء.. هناك شيء ما خاطئ هنا.. شعور غريب:

- لكي لا نهرب من الملاذ؟.

- نعم... ملاذكم هذا.. ألا زلت لم تدرك كل هذا.. هناك عالم حقيقي بالخارج يا فتى.. العالم الذي حكى لك عنه جدك.

ازداد الشعور مجدداً و بشكل حاد هذه المرة.. قلت:

- كيف عرفت أن أبي حكى لي. ؟. أنا لم أقل أي شيء عنه.

قال و هو يتنهد:

- هذا ليس أباك... قل لي.. منذ متى و أنتم هناك في الملاذ.

- منذ زمن طويل جداً.. لا أحد يذكر متى بالضبط.. في الواقع بعضنا يعتقد بأننا خلقنا هناك.

- خطأ.. لم يمر عليكم هناك سوى عشرين عاماً.. لقد ولدتم و وضعتم هناك أنتم الجيل الأول.. ألم تتساءل عن عدم وجود رجال أو نساء في منتصف عمرهم.. فقط شباب و عجائز.

نعم هذا الرجل معه حق.. قلت و أنا أقطب حاجبي:

- نعم لاحظت هذا.. حتى أبي كان في السبعينات

- قلت لك هذا ليس أباك.. أنت و كل الشباب و الأطفال أيتام في الواقع.. هؤلاء العجائز تكفلوا بنشر كل شيء بينكم.

- ماذا تعني بنشر كل شيء.

- أعني هذه الأساطير كلها.. و تلك الحكايات و الأساطير عن الملاذ.. أسطورة أنكم قد خرجتم من البئر و كل هذه الأشياء.

- إذا افترضنا بأن ما تقوله صحيح و بأن هذه تجربة.. كيف يعرفون ما نفعله إذن.

- أنت لم تدرك بعد.. إن جدك و أباك و العجائز كلهم هم العلماء.. هم أصحاب التجربة.. هم يبقون عينهم عليكم و يتابعونكم أنتم الشباب.

منطقي بقدر ما هو غريب.. قلت:

- لا هذا لا يمكن.

- بل نعم.. ألم تتساءل يوما كيف عرفوا كل هذه التفاصيل الصغيرة عن الفضاء و الأرض.. أعنى بما أنهم هناك منذ أعوام طويلة لابد لهم من نسيان بعض الأشياء.. ألم تتساءل إذا كانت الأرض كلها مليئة بالغاز السام أو الضباب كما يقولون من أين يأتون بالهواء النظيف إذن ؟.. أيضاً ماهي تلك القنبلة التي ستدمر كوكب الأرض كله ؟.. هذا مستحيل يا فتى.. إن الأرض كبيرة جداً.

فكرت .. ماذا يعني هذا الرجل.. حياتنا كلها خدعة ؟..:

- لا أصدق!!

- هذه هي الحقيقة.. شئت أم أبيت.

- ماذا عن العلماء هؤلاء.. كيف عاشوا معنا طوال هذه المدة ؟

- لا أعرف تماماً و لكن يبدو أنهم يهربون خلسة من هناك.

- بدون أن نعرف؟

- نعم بعضهم يهرب و الآخر يبقى.. و يتبادلون الأدوار.. أنتم لن تنتبهوا هم مجرد عجائز يجلسون في بيوتهم طوال الوقت.

إن الأمر يزداد منطقية كما تعلمون.. قلت في محاولة أخيرة مني:

- أتعني أنه يوجد عالم آخر غير عالمنا الذي نعرفه ؟.. و هناك بشر آخرين و نحن مثلهم ؛لكنهم قرروا أن يمنعونا من حريتنا و يمنعونا من العيش معهم كي يجروا بعض التجارب علينا ؛و أوهمونا بعكس هذا كي لا نقاوم.

- بالضبط.

- أنا حقاً غاضب الآن.. لأنه إذا كان هذا صحيحاً إذن من فعل هذا هم ليسوا بشر حقاً.. سأوفر غضبي لوقت آخر.. أما الآن فيجب علي إخبار أهل الملاذ عن هذا.

تغيرت نبرة صوته فجأة و قال:

- ما الذي تقوله أنت؟

- سأذهب و أخبر الجميع بكل ما قلته لي الأن و لو أنني أشك بأنهم سيقبلون بالخروج.

- لماذا ستخاطر بنفسك من أجلهم ؟

- لأننا لسنا مثلكم.

و توجهت نحو الباب و توقفت قبل أن أفتحه:

- لكن قل لماذا أخبرتني بهذا ؟

سمعت صوته يجيب من ورائي:

- الواقع هو أني عالم مثل أباك.. لكني أعمل بالخارج و هم بالداخل.

صمت قليلاً ثم اقترب مني و هو يردف بصوت هادئ:

- منذ شهرين تقريباً اخترعنا جهاز جديد.. يسمونه جهاز فقدان الذاكرة.. كنا نحتاج لتجربة هذا الجهاز على بشري بالطبع.... لكن ما الفارق.. إذا جربناه على شخص من مقر التجربة فلن نعرف إذا ما كان قد فقد ذاكرته تماماً و كلياً أم لا..

قاطعته متسائلاً:

- مقر التجربة؟

رد و هو يضحك:

- نعم أنتم تسمونها الملاذ.. لقد نسيت.

رددت:

- نعم.

قال و كأنه لا يسمعني:

- بالطبع لا يمكننا أن نجرب الجهاز علينا.. ربما قد يكون للجهاز تأثير جانبي و أضف إلى هذا أنه لا أحد يود أن يفقد ذاكرته..

صمت لفترة مرة أخرى و أردف:

- فكرنا في جلب شخص من داخل مقر التجربة و نجعله غاضب أو متحفز من شيء ما بحيث أنه و حينما نجرب الجهاز عليه و يفشل الأمر يظل غاضباً فنعرف أن الجهاز فشل.. و هنا كانت تكمن المشكلة.. كيف سنجعلهم متحفزين و غاضبين لهذه الدرجة..

تسمرت مكاني و أنا أفكر فيما قاله.. ثم ما لبثت أن ابتعدت عنه في حذر و أنا أقول:

- لماذا تخبرني عن الآلة إذن ؟

رد و هو يبتسم:

- لأننا لم نعرف بأن الحل هو إخبار أحدهم بالحقيقة الكاملة وراء وجودهم في هذا المكان.. و لأن هذا الجزء بالذات عن الجهاز سيجعله غاضبا أكثر.

 

بعدها لا أذكر ما الذي حدث بالضبط.. كل ما أذكره هو أنني شعرت بالدوار فجأة ثم اسودت الدنيا من حولي.. لكني استيقظت في اليوم التالي بداخل الملاذ.. كنت أتذكر كل ما حدث في اليوم السابق.. و مما أنا عليه يبدو أن جهازهم هذا قد فشل..

لكن احزروا ماذا.. أنا لن أخرج من هنا... في الواقع سأمثل بأني قد فقدت الذاكرة.. إن عالم مثل هذا لا يستحق أن أتعب نفسي من أجله.. هنا نحن أفضل بكثير.. على الأقل نحن لا نقاتل بعضنا و لا نحتجز بني جنسنا لإجراء التجارب عليهم.


تاريخ النشر : 2016-08-19

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : غريبة الاطوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر