الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

روزويل ، أرض الفضائيين - الجزء الأول

بقلم : كووبر حكيم - المغرب
للتواصل : [email protected]

روزويل ، أرض الفضائيين - الجزء الأول
فعلاً إنه كون فسيح و الأهم من ذلك إنه نسبي إلى حد غير متوقع


"لابد من وجود حياة أخرى هنا و هناك و إلا فإنها معجزة أن تكون الأرض لوحدها من تحوي حياة !"
اقتبست "كريستال " المقولة الخاصة بالظاهرة البرت أينشتاين و أغلقت كتاب " 1984 " لجورج اورويل " , تم نظرت إلي بإحدى نظراتها الاستغلالية و الماكرة و قالت" ألن تأكل كيس البطاطس ذاك , أقرضه لي وحين نصل للمحطة القادمة أعدك بأن اشتري لك اثنين منه" , أبعدت نظري صوب اليسار و فتحت كيس البطاطس و بدأت آكل منه بدون إعطائها أي انتباه أو اهتمام , فتلك الجشعة سرقت لي مسبقاً كيسين وها هي تريد الانقضاض على الثالث و الأخير رغم علمها بمدى عشقي الكبير خصوصاً لذلك النوع من البطاطس المعلبة , فهمت أنها لن تحظى بشيء مني بعد فأكملت حديثها الممل و المتكرر عن شدة حماسها للوصول "لروزويل (نيومكسيكو) " .


ولن أخفي عنكم مدى امتعاضي من فلسفتها المستوحاة من أفلام الخيال العلمي , و في نفس الوقت من طريقتها اليقينية في التعبير عن الأمور , إلا أنني لم أنصت لها ، فقد كنت مشدود الانتباه إلى مشهد غريب على الطريق , حيث جثا رجل ذو لحية و ثياب بيضاء ناصعة على ركبتيه فاتحا يديه و مشرحاً صدره وكأنه يصرخ في وجه السماء , وما أثار ذعري أنني كنت الوحيد الدي رآه فقد اشرت لوالدي و "كريستال " بالالتفات لكنهم لم يبدوا أي تفاعل مطلقاً , لم أستطع أن أزيل ما شاهدت من ذاكرتي و كانت صورة ذاك العجوز تدق أبواب عشرات الأسئلة في ذهني طوال الطريق ,كتلميذ شرد بالذهن طوال حصة الدرس وفي آخر خمس دقائق منه يحاول استدراك ما فاته و فهم كل شيء من خلال استفسار استاذه المتعب من كثرة التعليقات و الشرح طوال سويعات من العمل العسير , ماذا حدث له بالضبط ؟ وماذا يفعل العجوز في ذاك الخلاء الصحراوي القاحل؟ ثم من كان يخاطب ؟ كلها أسئلة لم أكن جاهز آن ذاك للإجابة عنها , فمدارك المرء محدودة وأحكامه المسبقة في عدة أفكار و ظواهر سواء اجتماعية و طبيعية قد تغمض له عيناه عن رؤية كثير من الأشياء كثير منها .


أكملنا طريقنا قادمين من ولاية الجنوب نحو ولاية نيومكسيكو بغرض قضاء عطلة هادئة و جميلة هناك , خصوصاً بعد سماعنا عن مدى بساطة المعيشة و رخائها عكس ولايتنا التي كانت تعاني من تراكم عديد للمهاجرين مما كاد أن يخلق انفجاراً ديموغرافيا في المنطقة , والتي هاجر معظم سكانها الأصليين و تركوها لما سموهم "الغرباء " أو "المستعمرين", وبالنسبة لعائلتنا لم نكن سوى إحدى أولئك الغرباء نظراً لأصولنا الفرنسية , أما بالنسبة لكريستال فهي في مثابة أخت كبرى لي , نظراً لدراستها بنفس معهدي التأهيلي و أيضاً لقطنها بجانبنا .


لطالما عاشت مع أمها الوحيدة المطلقة من أبيها , بعد الطلاق هرب والدها و اختفى من على سطح الولاية تماماً فترك أمها مفسلة بدون عمل تحاول جني القليل من المال من تجارة الأدوات المستعملة , تعرفت على تلك الشقية الغريبة منذ ثلاث سنوات تقريباً ولهذا كنت أتقبلها كصديقة نوعاً ما , في يومها اقتحمت الشرطة منزل أمها و أخذتها كرهاً إلى مخفر الأمن , هناك حققوا معها في قضايا اتجار بالمخدرات من العينة المتوسطة , و ثبتت في حقها كل الاتهامات , لم تستطع تكليف محام للدفاع عن قضيتها و تكلفت لنفسها بذلك, فتم سجنها لمدة سبعة أشهر تقريباً مع ظروف التخفيف نظراً لخلو سجلها العدلي من أية سوابق , و أيضاً لمسؤوليتها كأم تجاه "كريستال" والتي قضت كل تلك المدة برفقتنا , بحيث تكفل والدي برعايتها و ذلك لأن والدتي صديقة مقربة لأمها , أتذكر أننا أمضينا سبعة أشهر ودية معاً ,فأكثر ما كنت أكرهه فيها هو استيقاظها الصاخب في الصباح للذهاب إلى المعهد و أكثر ما كنت أحبه فيها هو كرهها للمتعصبين من جهة و فرق الموسيقى الهادئة من جهة أخرى وأيضاً تسريحة شعرها القصيرة المستوحاة من سلسلة أفلام حروب "طروادة" .


بعد خروج أمها من السجن استقرت قليلاً و اكتسبت عديداً من الأصدقاء , التحقت بعد ذلك بالجامعة المحلية , رغم كبرها و بلوغها سناً تستطيع فيه السفر لوحدها إلا أنها اعتادت الترحال و التجوال معنا كعائلة , تعلمت منها أن مشاعر الأنثى تتأصل من جذور رقيقة و لو عاشت في وسط خشن قاس واصطدمت بالمعاناة إلا أنها تبقى وفية طباعها و عفويتها و حبها لمن يحيطون بها , فـ "كريستال" على سبيل المثال مرت بظروف أغرقتها رغماً عنها وسط الحرمان ، أحست بتجرد القيمة من حياتها , تاهت بين أزمات نفسية اضطرت أن تشوه جلدها و أن تحاول الانتحار بدون مراعاة , و مع كل كلمة أذكرها إلا و تشدني الذاكرة القريبة رغماً عني للرجوع إلى إحدى الليالي السوداء, حين ألصقت ورقة كتب فيها " وداعاً أيها العالم " على باب غرفتها و أغلقتها بإحكام تام , تم اتصلت بي تذرف الدموع وتردد أنها لم تعد تستطيع الصمود , لم أتردد في الاتصال بالإسعاف فأنا على دراية مسبقة بأنها لم تتصل إلا واقترفت مصيبة في نفسها قبلاً .


اقتحمنا الغرفة لنجدها مرمية على ظرها تنظر للسقف حيث رسمة نجمة خماسية يتوسطها صليب معقوق بجانبها ورقة كتبت فيها تلك التعاويذ , لاشك أنكم تتذكرونها , تعاويذ أحلام الطفولة لبيع ذواتنا للشيطان و شرب القليل من الدم ليحقق متمنياتنا كزيارة " ديزني لاند" , كنا قد فعلنا ذلك مسبقاً على سبيل الترفيه في غرفتي لا غير , لكنها تمادت إلى جعله حقيقياً وذاك ما كاد يودي بحياتها , لولا أن الدواء السام الذي تناولته لم يحقق مفعوله المرجو إنما أغمي عليها لا غير , وحينما أفاقت أخبرتنا بقصة مفادها أنها رأت كائناً غريباً بعد سقوطها أرضاً , حملها في السماء نحو سفينة عظيمة هناك أنقدها من الموت و أخبرها أن تواصل حياتها و سيعود لزيارتها في ما بعد , و من تلك الليلة بدأ هوسها بالكائنات الغريبة و الفضائية و أصبحت تؤمن أنها موجودة و أنقذت حياتها لهدف ما.


حقيقةً ، بعد تلك الأمسية لاحظت تغيرها جذرياً ، فقد أصبحت جد نشطة و محبة للحياة , حتى كلماتها و عباراتها أصبحت خارجة عن شخصيتها المألوفة ,تبدلت إلى درجة اهتمت بعلم الفلك والرياضيات و الفيزياء النظرية , تصور أنها أصبحت تتقن فرضيات علم الأحياء , وأخبرتني عن رغبتها في زيارة معابد مصر للبحث عن الحفريات التي تركت من طرف زوار الأرض حين مساعدتهم للفراعنة لتشييد الإهرامات ... ولن أخفي عنكم مدى سعادتها الغامرة فور سماعها أننا نتجه لقضاء العطلة في روزويل" , صرحت لي بمتقن العبارة " إن ساعتنا قد حلت أخيراً " أتذكر أنني سددت عيني بإحكام مظهراً تعجبي و أجبتها " مهما يكن , أحضري الكاميرا " وأدرت ظهري مكملاً طريقي , بينما هي لاتزال متسمرة لا تصدق أننا فعلاً سنذهب لمدينة أحلامها الخيالية أو بالأحرى الجنونية .


هكذا حكمت على أفكارها الغريبة آن ذاك , لكن الأشياء تتغير سريعاً و لم أكن أظن أن تلك الرحلة قد تجعل مني إنساناً مؤمناً بقدر ما كنت سابقاً غير مصدق لعلامات الكون , فعلاً إنه كون فسيح و الأهم من ذلك إنه نسبي إلى حد غير متوقع , بعد تلك الرحلة أصبحت أصدق بتوازي الأكوان وتعدد العوالم وغيرها من الفرضيات العلمية اللامألوفة , حتماً صدق الحكيم حينما قال أن العالم أكبر مما تراه عينانا الاثنتين , ملايين الأشياء تقع بين كل أعشار الثانية , عداد الوجود لا يقف عن الدوار , يتحكم في الزمن الذي بدوره يتحكم فينا و نحن خاضعين له , لكن ماذا إن تحكمنا نحن فيه ؟ ماذا لو استطعنا تمييز عقارب الساعة عن بعضها بدون الحاجة لرؤيتها أو رسمها أو اختراع آلة تحددها لنا ؟ ماذا لو أصبحت قوة بطارية أجهزتنا في نفاذها ؟ ماذا لو لم يكن هناك وجود للنفاد أو الامتلاء ؟


أولم أخبركم أنه عالم نسبي ؟ البشر تصنعهم تجاربهم أليس كذلك , التجارب تنتج الأحكام , و الأحكام مجرد نتاج بسيط لمزاج المدارك المسبقة و الآنية , إذن أحكامكم قابلة للتغيير لأسباب أو تجارب جد محدودة فماذا لو تغيرت الأسباب أي التجارب و انتجت نتاجاً مغايراً لمزيج مغاير, بين المسبق و الآني , قد تصعد يومها للفضاء الخارجي , بعد أن تتعدى فضاءك المحدود , وقد تجدنا عبارة عن قطعة بسكويت مملح و مجفف من حرارة الشمس , مرمي على عتبة أمواج لامتناهية سوداء , قد تحكم أن البسكويت وحيد تائه , مجرد تابع لجاذبية حمقاء تلصقه بقطعة رمل ضئيلة تخال أن ضوئها سبباً في بقائه بعيداً عن الأمواج التي ستهلكه, وقد تحكم في نقيض ذلك أن البسكويت هو أصل كل هذا الوجود في سبيله أوجد و تواجد كل شيء , هو بداية العوالم و به تنتهي , وبين أحكامك التي لا شيء يقف بين تداخلها سوى " قد" التي إن استثنيت من المحتمل أن تجعل من كل شيء حقيقي , ولكن بقاءها هو ما يفصل الوجود عن عدمه .


اعذروني ، كان هذا جانب من فلسفة "كريستال" قبيل وصولنا أخيراً إلى "روزويل " مدينة الكائنات الفضائية بامتياز , فور دخولنا للمدينة الصغيرة لاحظنا تواجد عدد كبير من الفنادق التي تحمل نفس العلامة و هي عبارة عن صحن طائر مشدود تارةً بأنبوب بلاستيكي ملتو على شكل دوائر متداخلة يخول له التمايل بتوازن حسب اتجاه الرياح و تارةً بقطعة حديد ثابت , لكنني أظن أن الكل اتفق على أن رمز الصحن الطائر الدي يضفي على " روزويل"طابعاً خرافياً و حداثياً , حيت تحس أنك في مكان يحمل تاريخاً حافلاً من الأمور الغير الطبيعة , فتتوقع في أي لحظة حدوث معجزة ما , جو التشويق و الحماس ذاك هو ما احتجناه بالتأكيد لاكتشاف ما يدعيه العامة .


اخترنا فندقاً متوسط الجودة , لقضاء الليلة و إن أعجبنا به و بخدماته و جودته لربما نكمل العطلة فيه, أتذكر أن أول كلمات موظف الاستقبال كانت " مرحباً بكم , لابد و أنكم تبحثون عن كائنات فضائية , أتمنى أن تجدوا الكثير منها , فهي في كل مكان" وابتسم ابتسامة غريبة فتحت عيناه و كادتا تخرجان من مكانهما , أعطانا المفاتيح لثلات غرف , وشرح لنا طريق الوصول لها , لم يكن أول انطباع لي و حوار مع سكان "روزويل" مطمئناً أو على الأقل طبيعياً و عادي , أحسست بارتباك و غرابة من كلام ذاك الموظف و طريقة تحدته عن أمر الكائنات الخيالية , لكنني لم أعره انتباهاً في ذاك الأوان فقد كنت متعباً جداً لم أستطع الانتظار أكثر أو التفكير في أي نظرية أو ملاحظة كانت ما عدى النوم و الارتماء في السرير الرطب المريح , ولا أنكر أنني لم أشهد طوال حياتي استرخاءً جسدياً و نفسياً و فكرياً أشد من ذاك الذي حظيت به إبان تلك الظهيرة ...



مرت السويعات حتى اقترب موعد غروب الشمس الساطعة طوال اليوم و استقبال كيان مغاير خلاب , يحمل آمالنا المعلقة في نور قمره , و يرفع أحلامنا المداعبة لنجوم سمائه السوداء المزينة بسحاب منجل هنا و هناك , كانت سماء "روزويل" مميزة إلى حد كبير غير قابل للتصديق , فلا عجب في ظن مواطنيها أنها الأفق الحر لاستقبال الزوار الغرباء على الأرض ,في الماضي عشت في مناطق كثيرة و سافرت إلى عدد منها حيث أمضيت أروع الأمسيات سواء المنزل على الشرفة أو في الخلاء .


لطالما تأملت الفضاء , إلا أنني ومنذ أن ذهبت لمدينة العجائب تلك , سرت أجزم أن الجلوس في أي مكان هناك محدقاً إلى السماء أروع و أحسن بكثير من النوم بين أحضان كل نساء العالم , قد تحتضنك كل منهن و تقبلك و تداعبك و تعطيك من عاطفتهن الجياشة فتملؤك حباً و طمأنينة و شغفاً و متعة , كل هذا بل وأضعافه المضاعفة قد تفعله بك نجمة واحدة من نجوم سماء " روزويل" في أقل من ساعة من الزمن , إنه السحر الكامن وراء ستار الطبيعة الحسناء .


يجب أن تكون من المحظوظين كي تختار الأم العطوفة أن تغمرك به , وإن حدث ذلك ستفهم أكيد لمَ قدماء اليونان أو الديانات العريقة عامة اختاروا بدء الميثولوجيا بآلهة أنثى , فقد كانوا بلا شك يرونها , كما كنت أحدق لها مباشرة من شرفتي حالما لبست ثيابي ووجدت ملك الليل قد نزل أخيراً مبهجاً منتظريه من الحالمين و العشاق و الأدباء و الشعراء و العباقرة و الرومنسيين ، وبلا شك المستكشفين الشغوفين مثلي و عائلتي , لخوض غمار مغامرة غريبة ومرعبة و قاتلة في الصحراء الغامضة لم يشهد العالم مثلها ولن يشهد أبداً لأنها الأولى و الأخيرة من نوعها , فلم يعش أحد غيري ليروي تفاصيلها التي تحكي أولى المقابلات الحقيقة المباشرة مع الزوار الغرباء أو الفضائيين الغير مرحب بهم على سطح الأرض كما تم وصفهم من طرف سكان منطقة " روزويل " غريبي الأطوار.


يتبــــــع <<

تاريخ النشر : 2018-08-26

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر