الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس
ملاحظة مهمة : سيتوقف موقع كابوس عن استقبال المزيد من المواضيع مع انتهاء شهر رمضان المبارك .. وذلك لاغراض الصيانة

فلسفة الألم وسيكولوجية الإبداع

بقلم : حسناء الفرجاني - المغرب

الابداع يولد احيانا من رحم الالم
الابداع يولد احيانا من رحم الالم

كثيرا ما نسمع أن الإبداع لا يولد إلا بعد مخاض عسير من المعاناة، عبارة تحمل في كنفها ألم مفعم بأمل يسمو بصاحبه إلى ذروة الإبداع وقمة التميز. فهل حقا كل من تمزقت روحه بأنياب الفاقة وذل الحياة بمقدوره صنع الإبداع؟.

إيزابيل الليندي
إيزابيل الليندي
حينما نتحدث عن الإبداع فإننا نقصد تلك الثورة الإيجابية على المألوف، والمبدع لكي ينير العالم بإبداعه يقال غالبا بأن روحه تحترق بوقود المعاناة. ذاك الألم الجسدي أو النفسي لربما يشكل له دواء يستصغر به الداء ويفجره في سماء الإبداع، فينزف قلمه أمطارا من البوح تزهر بها أرض اليائسين. والكثير من الكتاب اختاروا لحظة الوقوف على الهاوية ليصنعوا منها المجد الأعظم، لكن لحظة التواجد على الهاوية لا تقتصر فقط على ذواتهم وإنما تتعداها لتشمل كل شخص تربطهم به علاقة وطيدة، وهذا ما أكدته لنا الكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي في روايتها باولا، عنوان هذا الكتاب يحمل اسم ابنتها الشابة ذات الثمانية والعشرين والتي توفيت سنة 1992 بعد معاناة طويلة من داء الفيرفيرين. لكن بالرغم من أن اسمها نقش على غلاف الرواية إلا أنها كانت غائبة عن هذا الكتاب كما كانت غائبة عن الوعي بفعل المرض. هذا الكتاب الذي يضم تجربة مأساوية فقد كان أيضا انتصارا على الألم وبفضله كانت الأم تقاوم موت ابنتها بالذكرى، إذ ذكرت إيزابيل في مذكراتها أن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي أبقى عقلها سليما. ظلت إيزابيل بالقرب من سرير ابنتها في المشفى، وفي تواجدها ذاك وصفت على مضض ما عاشته في ممرات المستشفى كما حكت للقراء أيضا عن حياتها الشخصية. فمعاناة ابنتها مع مرضها النادر وعدم تقبل فكرة موتها كان له وقع كبير في نفسيتها كأم، لكن إيزابيل في عز المعاناة قامت بنقش ألمها في كتاب استعادت فيه طفولتها وذكرياتها.

سيد البحراوي
سيد البحراوي
إيزابيل الليندي ليست الكاتبة الوحيدة التي ألفت سيرة ذاتية بسبب الألم، فالعديد من الأدباء خطّوا من معاناتهم حروفا دامية ظلت عالقة في الذاكرة. وجميع كتب السيرة الذاتية التي تحكي عن المرض والألم الذي يموج فيه الكاتب أو أحد من أقاربه تعتبر أكبر حافز لمنح الذات فرصة المقاومة والانتصار على المعاناة، فالألم قرين الحياة، وهذا ما اعتبره الناقد والروائي سيد البحراوي في مؤلفه "في مديح الألم"، الذي يروي فيه معاناته اليومية مع مرض سرطان الرئة وطرق التعامل معه وكذا كيفية هزيمته إذ تماثل بعدها للشفاء منه، "في مديح الألم" حرص الكاتب على اعتبار الألم راحة وليس سعادة، كما وضح أيضا في مؤلفه بأن المعاناة بمقدورها أن تغير تلك النظرة القابعة في الذاكرة منذ أعوام للحياة، وكيف أن الألم في لحظة من اللحظات لا يكون ضيفا عابرا، بل يتشبث بالإنسان لمدة عامين. ويقول البحراوي: "مثل كل البشر، عانيت في حياتي مختلف أنواع الألم لكنني لم أنتبه الى أهميته على المستوى الذهني، وأعيشه حتى ينتهي، أو يتزاوج مع غيره من المشاعر، أو يأتي بألم جديد، فجأة ومنذ عامين بدأ ذهني ينشغل بالألم كفكرة وفلسفة، كانت ساقي مكسورة، لكنها شفيت، ولذلك لم أنتبه إلى مصدر الإشارة الجسمانية إلى المخ، في ما بعد تنبهت، كان السرطان موجودا". هكذا اختار السيد البحراوي أن يجعل من الألم مصدرا للإبداع، والملاحظ فيما فعله الكاتب فى يومياته، أنه انفصل عن شخص الإنسان المريض وبدأ فى التعرف على نفسه من جديد كأنما ولد للمرة الثانية.

الموسيقار بيتهوفن .. والرسام فان غوخ
الموسيقار بيتهوفن .. والرسام فان غوخ

مما لا شك فيه أن الإبداع المنبثق من رحم المعاناة لا يقتصر فقط على الكتابة بل يشمل جميع المجالات، وهنا نستحضر صاحب أعظم سمفونية موسيقية رغم معاناته من الصمم، كما أنه قد عانى أيضا من اضطراب ثنائية القطب الذي يظهر على شكل حزن عميق أو ضحك هستيري غير مبرر، عاش بيتهوفن حياة بائسة لا تخلو من المعاناة، وكل هذا الألم الملتهب في ثنايا الأفكار حول بيتهوفن إلى نور أضاء به عالم النوتات للأبد.

وفي مجال الفن التشكيلي، نتذكر أحد أبرز الرسامين وأكثرهم تأثيرا في تاريخ الفن الغربي بـ 2100 عمل فني، حياة فنسنت فان غوخ كانت مضطربة ومليئة بالمصاعب والمشاكل النفسية، لدرجة أنه قطع جزء من أذنه، كما أنه عانى طيلة حياته من موجات اكتئاب ونوبات ذهان انتهت بانتحاره سنة 1890 عن عمر يناهز 37 سنة فقط.

تمضي سنوات من حياتنا ونحن نرقص من وطأة الألم، والأجمل أن نجعل هذا الألم محفزا للإبداع وباعثا عليه. وهذا ما جاء على لسان كافكا.

فثقافة الألم في حياة المبدع ما هي إلا عبارة عن انتفاضة الذات ضد مآسيه واختزالها في قوة عليا تستقطب الأحاسيس، لتنثر بين أيادي البشر إبداعا صادرا من ركام الجروح وممزوجا بتربة الآلام والأنين. فكما يقول محمود درويش "فكل كتابة إبداعية نصر صغير على المرض".

مصادر :

- رواية باولا سيرة ذاتية لإيزابيل الليندي
- كتاب "في مديح الألم" للكاتب سيد البحراوي
- ما لا تعرفه عن بيتهوفن..من هو؟ سيرته الذاتية، إنجازاته وأقواله
- ما لا تعرفه عن فان غوج..من هو؟ سيرته الذاتية، إنجازاته وأقواله

تاريخ النشر : 2019-05-31

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر