الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

ديجافو

بقلم : ايناس عادل مهنا
للتواصل : [email protected]

صعدت بضع درجات من خلال غرفة مُقفلة
صعدت بضع درجات من خلال غرفة مُقفلة

 
شعرت بأنه اقتحم خلوتي، رفعت الغطاء وأنا أستشعر قربه لكن لا وجود لأحد، نظرات هلع ارتسمت على وجهي وأنا أدقق بكل تفصيل حولي وأنهض بحذر من على السرير، وسط العتمة المدلهمة التي تلتهم حجرتي . تمتمت بصوت جعلته متماسكا: هل هو أنت ؟ ولم أتلقى إجابة !
الحركة السريعة العشوائية عادت مجددا ، واستدرت بسرعة معها، كدت أن أنطق مجددا لكنه سبقنى وقال وبصوت هامس: لا أريد افتعال مشاكل، عليَّ دخول السرداب قبل يوم الفزع الأكبر"

انصعت له بتوجسٍ خشية أن يغضب وقلت له اتبعني، صعدت بضع درجات من خلال غرفة مُقفلة تحوي كراكيب مُتآكلة منعني حتى الاقتراب منها فيما مضى ، وبمنتصف الأرض أسفل تلك السجادة العتيقة، البوابة المخفية لعالم غريب، أزحت غطائها ليتبين لنا درجة واحدة، رفعت خشبة طويلة عريضة أخرى لتكشف درجات خشبية مهترئة تنحدر للأسفل،اجتازني للعبور قائلا : اقفلي ورائي ، لكني كنت مصممة هذه السنة لأعرف السر فتجرأت ولحقت به و ما إن تبعته حتى انقض علي بسكين حاد كاد يغرزها بعنقي وهو يصرخ بفزع:" لن ترافقيني "


رفعت المصباح أمام وجهه وهمست بثقة: "أريد أن أعرف الحقيقة كذلك" 
بعدما تيقن من إصراري، نزلنا الدرجات بهذا السرداب ذو الرائحة الخانقة. وانتظرنا مرور الساعات حتى يوم الاحتفال الأكبر. فالزمان هنا يتسارع بشكل مخيف، كان جميع أهل البلدة منشغلون بساحة القربان الأعظم لتجهيزها للضحية الجديدة وأنا أسير هنا ولأول مرة في حياتي أشاهد السرداب، هنالك أسطورة قديمة تقول أن الضحية في كل مرة تناديها روح خفية للدخول، نفضت الفكرة من رأسي وتبعته . هنالك تفرعات إضافية ضيقة وكأنها متاهة بداخل متاهة، والجيد أن سيدي يعرف طريقه وإلا هلكنا لا محالة .

تعمقنا قليلاً حتى اتضح لنا ضوء شحيح، تنتشر ترانيم الموت من أفواههم، وبدؤوا بالظهور شيئا فشيئا، هل هم من الإنس أم شياطين مكفهرة الوجوه منتفخة البطون؟ بعضهم عاري الصدر وآثار ندبات وحروق واضحة على أجسادهم الضخمة، وجوههم مرعبة، روائحهم كريهة، كانوا رجالاً ونساءً أرديتهم بالية ممزقة غريبة المظهر، يجرون بانتظام عبر السرداب الرئيسي يقيدون بعض البشر بسلاسل حديدية وبعضهم الآخر داخل أقفاص .

كدت أموت رعباً عندما أمسكوا سيدي فاختبأت بزاوية من الزوايا لكني مكشوفة أمامهم، لمحني أحدهم، ضخم الجثة بطنه مليئة بالنتوءات الحمراء ذا مظهر مريع، اقترب مني فأصبت بهلع شديد والتصقت أكثر بالحائط أحاول تفاديه، لكنه كان قد اقترب بما فيه الكفاية.

حملني على ظهره وأنا أصرخ وأركل الهواء، رماني بحجرة لا تقل قرفاً عن أشكالهم، بقايا أجساد بشرية ممزقة وكأنها قد انسلخت عن جلودها، آخرون متحجرون فوق أسرتهم وجوههم صارخة، هلعت من فكرة أن أتحول مثلهم، لكنه ألقاني على سرير كبير جداً و بيده الضخمة جلب قناعاً مخيفاً متصلا بآلة غريبة ثبته على وجهي وشعرت بمئات الدبابيس تخترقني لتحرق روحي، صرت أتلوى كثعبان يتراقص في رمال الصحراء، خلعه.

قفزت وصرت أركض للاختباء، لكني أعرج الآن، يداي تضخمتا بشكل غريب وأشعر بخيط من اللعاب يقطر من فمي الملتوي ، حاولت تعديله لكن بلا فائدة، لمحت إبريق شاي على المنضدة أمسكته لأرى انعكاس صورتي فيه، رميته وبدأت بالصراخ، صرت كالمهابيل تماماً وذلك الوحش يبتسم من خلفي بنشوة عارمة. عاد فجرني من جديد ورمى بي في نفق مضمحل....صرت فجأة بمنزلي لكنه صار خراباً، مخيفاً، كئيباً، بارداً، خاوياً، ناديت إخوتي الثلاثة فلم أعثر عليهم بكل غرف المنزل لا وجود لهم، صرير آلة الحياكة التي تدوي برتابة أمامها الكثير من الصناديق وأبي وأمي يحيكان الجلود البشرية بصمت مهيب.

ناديتهما بجزع فنظرا لي بعيون هائمة، نهض أبي أخيراً من خلف آلته واتجه ناحية الباب، كان هنالك صندوقا خشبياً يحوي ثماراً حمراء ضخمة، لها وجه إنسي مشوه المعالم، رمى لأمي الثمرة ومن ناحية الفم بدأت تغرز بالسكين لتتأوه الثمرة بألم فظهرت أسنان بيضاء، شهقت فزعة لكنهما لم يحركا ساكناً، ظلت تبقر حبة البطاطا حتى جمعت كل الأسنان بسلة قش صغيرة وبقرت إحدى حجرتي العينين لتتنافر منهما الدماء بشكل مخيف وتتدحرج بعدها العين، قفزتُ خائفة من فوق الأريكة على قوائمي الأربع كبهيمة برأس مائل أطلع على ما يفعلانه حتى قلبت الثمرة الدامية لأرى خلفها عقد أختي الصغيرة!

وبعد أن فهمت ما جرى دوى الصوت عبر إذاعة مدينتنا "تم التحول بنجاح، "تم مسخ أبناء عائلة جعفر في يوم الفزع الأكبر .


******

قبلت أختي الصغيرة التي شحب وجهها بسبب قصتي ثم لثمتها قبلة خفيفة ونهضت لأنام . 
وحين جن الليل، تقدم مني خيال رجل كان قد دخل من النافذة المفتوحة، نهضت بفزع لأصرخ، سد فمي بيديه وهمس بأنفاس خانقة خلف أذني :
"لا أريد مشاكل، عليّ دخول السرداب قبل يوم الفزع الأكبر".


تمت بحمد الله

**********

ملاحظة مهمة : معظم أحداث هذه القصة هي حلم راودني ذات ليلة ....

تاريخ النشر : 2019-06-15

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر