الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : أدب الرعب والعام

طيَّ النسيان - الجزء الأول

بقلم : حطام - الجزائر

خلت أن الحياة ستتوقف عنده و لن أستطيع إكمالها من دونه
خلت أن الحياة ستتوقف عنده و لن أستطيع إكمالها من دونه

 
و ها هو عام كامل قد مر ، كان بأيامه التي طالت هي عمر فراقنا ، كدت بدايته أن أموت لبعده ، خلت أن الحياة ستتوقف عنده و لن أستطيع إكمالها من دونه ، كان قلبي من حر فراقه قد تصدع ، شوقي إليه كان يجلد ذاتي ، يمزق روحي ، يدمع عيناي فأفتح هاتفي على صورته لأمعن النظر بتقاسيمه علها تخفف عني جدا أشواقي ، فما يزيدني ذلك إلا نحيباً حد الانهيار .
 
تعذبت بعدها كثيراً كي أوطّن فيها نفسي على التعايش مع ذكراه لا نسيانه ، فنسيان حب تفتح قلبي عليه محال ، سافرت، ابتعدت ، حاولت أن أعود نفسي على غيابه ، أن أفر من غرامي وأيامي و ذكرياتي و أحلامي معه ، أن أهرب من علاقة استنزفت جل عواطفي و طاقتي ، خسرت لأجلها الكثير و تنازلت فيها عن الأكثر حتى تصمد ، ثم ما لبثت أن انهارت فوق رأسي .
 
و مع هذا و رغم كل ما حدث ، فإني ما ندمت على عشق ذلك الرجل الذي و رغم رحيله  فإنه ضرب جذوره بأعماقي ، استوطن خلايا جسدي فأصبح مني جزءاً لن يفصل مهما تكالبت الظروف و توالت السنين والأيام .

‏‎****‎

قبل أربع سنوات.
 
الفصل الأول :
 
اعتدلت واقفة بعد أن هزتني صرخة امرأة دوت من وسط قاعة استقبال المشفى ، تبعها عويل يقطع نياط القلب ، اندفع على إثرها طبيب الإسعاف مع الممرضة لتلقي الحالة ، و بقيت أنا شاردة لهنيهات وصدى الصرخة يرن داخل أذني قبل أستفيق على صوت همس أم حسام :
- ألديك عشرة دولارات يا زهرة ؟ سأعيدها لك أول الشهر .

حدقت في عينيها الذابلتين ، خديها الغائرين و وجهها الشاحب ، رثيت لحالها لأني أعلمها أما لأربعة يتامى لا معيل لهم سواها ، فكيف سأردها خائبة ؟.
مسحت يدي المبللة بمئزري المبقع ثم مددتها لجيب تنورتي و أخرجت منها خمسة دولارات و قلت لها :

- لا أملك غيرها يا حميدة .

تلقفتها شاكرة و تركتني أفكر كيف سأعود لبيتي في ساعة المساء المتأخرة تلك ؟ انحنيت لألتقط الدلو و المكنسة ثم صعدت الدرج الذي كنت أنظفه لأضعهما في المستودع و أجهز نفسي للرحيل ، بعد دقائق ارتديت معطفي وهممت بالرحيل لولا أن استوقفتني سامية ، و كانت ممرضة معروفة بالهذر و الثرثرة ، كنت سأتجاهلها و أرحل لكنها صاحت قائلة :

- انتظري يا زهرة ، لقد طلبت سيارة أجرة لتقلنا وسأدفع أنا ، أعلم أنكِ مفلسة .. ثم غمزتني ضاحكة فأيقنت أنها بالفعل لا تفوتها فائتة ، شبكت ذراعها بذراعي و سألت :
- هل سمعت الصراخ قبل قليل ؟.
- شيء تعودنا عليه يا سامية ، تذكري أن هذا مستشفى .
ردت هامسة بعد أن اتسعت عيناها و رفعت حاجبيها كعادتها وقت تنقل أخباراً شديدة الأهمية:

- أتعلمين من التي كانت تصرخ؟  إنها زوجة مدير المشفى شخصياً.
 
تحرك الفضول النسائي داخلي فسألتها :

- حقاً ؟ و لماذا كانت تصرخ ؟.

ردت بتأثر مصطنع : أبنها بين الحياة والموت ، حادث سيارة نجت منه هي ، أما المسكين فتحت رحمة الله ، إنه في العناية المركزة ، حالته خطيرة ، السيد عادل سيُجن من الصدمة .
التزمت الصمت وأنا ألج السيارة ، كانت خواطري مبعثرة ومزاجي مضطرباً ، فلم ألقي بالاً لكلام سامية الذي لم ينقطع إلا بوصولها لبيتها ، بعد عدة أمتار توقفت السيارة بي أنا الأخرى أمام بيتي ، ذلك المنزل التقليدي العتيق ، ملاذي الآمن ، كل ما تركه لي والداي وكل ما أملك في هذه الحياة .
 
‏‎****‎

بكوب من القهوة الساخنة تمددت على الأريكة بمحاذاة المدفأة و أرحت ساقاي اللتان كانتا تؤلمانني أشد الإيلام لكثرة الوقوف والتنقل في أرجاء المستشفى ، ذلك كان ديدني كل يوم من العاشرة صباحاً و حتى مثيلتها مساء ، عمل مضن لأحصل قوت يومي في زمن فقدت فيه السند ، فلا أب كان لي و لا أخاً ، باستثناء شهادة معلقة على الحائط أضحك ساخرة كلما لمحتها ، ورقة عولت عليها لأعيش بكرامة فخذلتني ، أتضح لي أن هناك ما هو أهم ، أشياء كثيرة لا أخلاقية وغير محترمة وجب استخدامها لنيل وظيفة محترمة في القطاع الخاص ،

أما في حال كان وظيفة عمومية فأسفي على نفسي لا مال أدفعه و لا أصحاب سلطة و نفوذ أعرفهم لأستخدمهم واسطة لنيل ما هو أصلاً حقي ، أُغلقت كل الأبواب في وجهي فرضيت بالأدنى كي لا أموت جوعاً بعد وفاة والداي ، توفيا عجوزين فقيرين ، أنجباني بعد ثلاث و عشرين سنة من زواجهما ، و لم يبخلا علي بشيء قدر استطاعتهما ، حتى لفظا آخر أنفاسهما لا يفصل بينهما إلا عدة أشهر .
 
شغلت التلفاز لانتظار مسلسلي المفضل ، ثم أخذت هاتفي الذكي الذي جمعت ثمنه لمدة تزيد عن العام حتى أستطيع ابتياعه ، فتحت صفحة الفيس بوك خاصتي لأتابع آخر الأخبار و منشورات أصدقاء افتراضيين لا يعرفون عني سوى أنني زهرة ، أستاذة الأدب الإنجليزي ، بصورة تخرجي التي لا تشبه ما كنت عليه حينها بعد ثمان سنوات .
 
في ذلك الصباح البارد دخلت المشفى مسرعة نحو غرفة العاملات و لم ألحظ البلبلة الحاصلة هناك إلا بعدما تجهزت لأباشر عملي ، سألت أم حسام عنها ؟ فأكدت لي أنها مثلي لا تعلم ، فقررت البحث عن (سي أن أن) المشفى سامية لتأكدي من أنها تملك الخبر اليقين ، وجدتها خارج غرفة الممرضات فسألتها عن سر الاضطراب السائد ؟ فأجابت :
 
- كِلية ابن مدير المشفى تضررت بشدة في الحادث و لا بديل عن استئصالها ، المشكلة أنهم إن فعلوا ذلك سيموت .
- هل تمزحين ؟ يستطيع العيش بكليته الأخرى ، لا ، بل بثلثها فقط ! .

لوت فمها بامتعاض :

- أنا لست غبية ، ناهيك عن أنني ممرضة ، المشكلة يا سيادة عاملة التنظيف أن تلك الكلية لا تعمل ، كان يعتمد على الأخرى ، والآن إن لله وإنا إليه راجعون ، المسكين سيموت شاباً .
- يا لك من بومة ! أسررتها في نفسي و سألتها :
- ألا يجدون متبرعاً من أسرته ؟ .
- يقومون بالتحاليل اللازمة لوالديه .

ثم انسحبت متذرعة بعملها و تركتني أدعو له صادقة بالشفاء ، و لم أكن أدري أن الأقدار قد كتبت أن تتحقق دعوتي على يدي و أعيش قصة ما كنت أحسب أنني يوماً سأعيشها ..
‏‎
****
قال لي بملامح كساها الألم وصوت مشحون باليأس :
- سأعطيك أي شيء تريدينه يا آنسة زهرة ، لكن أرجوك أنقذي أبني الوحيد .
 
لم تكن نتائج التحاليل إيجابية ، و على ضوء ذلك أعلن السيد عادل كخطوة يائسة عن مبلغ ضخم لمن يقدم كليته لابنه من عاملي المستشفى كافة ، و رغم أنه كان مديرها والمالك الوحيد لها ، و كانت من أكبر وأعرق مستشفيات المدينة ، فقد كان مضطراً لفعل ذلك لخلو بنك الأعضاء من كلية تصلح لابنه ، وعدم توفر الوقت الكافي له ، لأن الأخير يعيش على الأجهزة ، كنت من بين القلائل من عمال التنظيف و الكافتيريا الذين أجروا التحاليل ، كانت الحاجة ما دفعهم لذلك ،

أما أنا فلم تكن المادة تهمني بتاتاً ، كنت وحيدة لا أحد سيفتقدني ولا شيء لأخسره سوى قطعة لحم ، الله فقط يعلم إن كنت سأحتاجها يوماً ، كما أن فكرة إنقاذ حياة شخص ستشعرني بأهميتي وأن لي قيمة في الحياة ، لذلك أجبته و أنا منتصبة أمام مكتبه بكل ثقة رغم ملابسي البسيطة المتوارية تحت مئزر العمل الرسمي ، وشالي الصوفي الذي ألفه حول رأسي أيام البرد و الصقيع ، و الذي يجعلني أبدو أكبر من سني بكثير ، و نعلي البلاستيكي المهترئ الذي أنتعله أثناء مناوبتي ،

كنت في موقع قوة أمام رجل مر بي كثيراً في ردهات المشفى و لم يلق لي بالاً أو يقم لي وزناً كأنني نكرة ، لحظتها أعجبني كوني أملك حياة أبنه ، فكرت أن أساوم و أماطل قدر المستطاع ، أن أجعله يرجوني أكثر و يزيد المغريات أكثر لمجرد انتقام يرضي غروري ، لولا أن صورته يائساً ذكرتني بوالدي أيام مرضه وشقاءه ، استعذت بالله من شر نفسي فالحياة و الموت بيده وحده سبحانه و قلت :
 
- ليس لي أية مطالب ، سأقدمها له دون أي مقابل.
رفع حاجبيه بدهشة و مرر يده على شعره الأسود الذي خالطه بياض الشيب على جانبيه و قال بصوته الجهوري و قد أصبح متزناً أكثر :
- أجلسي يا زهرة .

فعلت ، فأردف قائلاً :
- ما الذي يدفعك لفعل ذلك ؟ ابني ليس قريباً لك و أنت لا تعرفينه حتى ...
سألته :

- كونك مقتدراً يا سيدي فعندما تريد أن تساعد محتاجا فإنك تفعل ذلك إما بالمال أو من خلال قسم العلاج المجاني الذي خصصته بالمشفى ، أليس كذلك ؟.
أومأ موافقاً ، فأكملت :

- الحس الإنساني لا يقتصر على ذوي السلطة والمال ، الإنسان البسيط مثلي يملك الرغبة بالعطاء أيضاً ، لولا قلة ذات اليد ، الحصول على فرصة لفعل ذلك يسعدني و ليس ضرورياً أن يكون كل شيء قابل للبيع .

ارتسمت على شفتيه ابتسامة شاحبة و فتح ملفاً أمامه قائلاً :
- طالعت ملفك قبل قليل ، لا أصدق أن فتاة متعلمة مثلك تعمل بالتنظيف .
بادلته بابتسامة هادئة :
- الحاجة مرة يا سيدي ، كما أن العمل الشريف لا يعيب .
أغلق الملف وقال مؤكداً :
- عندما تقومين بالسلامة سأعيد النظر في أمر توظيفك وأجد لك مكاناً يناسبك .

لم أرفض ، فلن أخسر فرصة أن أتخلص من مهنة الشقاء تلك ، التزمت الصمت هنيهات وعيناي تحدقان بالأرض ، ثم تذكرت شيئاً ، فالتفتت إليه لتصطدم عيناي به ينظر لي بغرابة ، تملكني الخجل فعدلت شالي و قلت :

- في حال توفيت تحت العملية لأي سبب كان فلي طلب رجاءً .
- لا قدر الله  ، أطمئني يا آنسة ، الأطباء هنا من أكفئهم في البلاد ، كما أنها عملية سهلة بالنسبة لك عكس ابني ، فالزرع أصعب من الاستئصال .. و مع هذا اطلبي ما تشائين .
- هنا عاملة تُدعى حميدة ، تُكنى بأم حسام ، أرملة تعيل يتامى ، هلا خصصت لها مبلغاً شهرياً صدقة على روحي ، وضعها صعب و تلزمها المساعدة .
- اطمئني .. طلبك مجاب ، هذا وعد ، و لا داعي للقلق كما أخبرتك ، الآن لتتحدث في تفاصيل العملية .
‏‎
****
مر أسبوع بعد انتهاء العملية ، كنت في فترة نقاهة بغرفة خاصة مجهزة بأحدث العتاد الطبي ، لم ينقصني شيء مطلقاً بأمر السيد عادل ، كان يزورني من حين لآخر ليطمئن علي ، و قد تهلل وجهه و أخبرني أن جسد كريم – و قد كان أسم أبنه - بدأ يتأقلم مع الكلية الجديدة ، كما لم يبخل علي بأسمى عبارات الشكر والامتنان.
 
امتلأت غرفتي بالورود والهدايا ، القليل من بضع زميلات أعرفهن والكثير كانت من أطباء وممرضات أعرف أنهم ما قدموها إلا تملقاً و تزلفاً  لرب عملهم ، و رغم بعض الآلام التي كانت تزعجني من آن لآخر، فإني كنت سعيدة بالاهتمام الذي حظيت به و كنت افتقدته منذ سنين خلت ، و زادها سعادة فرحة أم حسام التي جاءتني دامعة لتعانقني و تقبل رأسي شاكرة حامدة الله على انتهاء عذابها ، هدأتها و قد حيرني حالها :

- أهدأي يا امرأة وأخبريني ما الذي حصل ؟.
سحبت كرسياً وجلست عليه و أبقت يدها على يدي وأجابت :
- فرجها الله علي يا زهرة ، وكله بفضلك يا عزيزتي .
- بفضلي أنا ؟.

- أجل .. لقد تضاعف راتبي مرتين ، كما تعهد لي المدير بالتكفل بمصاريف المواسم والأعياد لأبنائي، لم أصدق نفسي وكدت أقبل يديه شكراً ، سحبها قائلاً : أن علي شكرك أنتِ ، فأنت من نوه لحالي أمامه ، أليس كذلك ؟.
 
- آه.. أجل ، ذلك لا شيء يا عزيزتي .
كنت جد سعيدة من أجلها ، فأخيراً ستحل مشاكلها و يهدأ بالها ، لكن موقف السيد عادل حيرني وجعلني أفكر فيه مطولاً .

****

آن وقت العودة للمنزل بعد شهر كامل قرره السيد عادل دون داع ، لأني شعرت بتحسن كبير يجعلني قادرة على ممارسة حياتي بشكل طبيعي قبل أن يكتمل بكثير ، أثناء توضيب أغراضي داخل الحقيبة ، دق باب الغرفة فأذنت للطارق بالدخول ، كان السيد عادل بقامته المديدة و ابتسامته الهادئة .
 
تملكتني فرحة عارمة لرؤيته قبل مغادرتي ، فقد كان زائراً وفياً لي خلال إقامتي ، و إن كانت زياراته قصيرة لانشغاله ، ألفيته رجلاً دمث الخلق متواضعا مثقفاً ، عكس ما تخيلته من قبل .

قال لي ضاحكاً :

- ستغادريننا إذن ؟ .
بادلته الابتسامة و قلت مازحة :
- فقط لأيام قليلة ، سأعود بعدها لأجوب ردهات وغرف المشفى بعدتي ، و سأباشر بتنظيف مكتبك أولاً .

- هذا ما جاء بي يا زهرة ، قالها جاداً ثم أدخل يده في جيبه ليستل ظرفاً قدمه لي قائلاً :
- هذا راتب الشهر الماضي .
فتحته فوجدت فيه أربعة أضعاف راتبي ، كنت سأعترض ، لكنه قاطعني :
- هذا حقكِ ، عليك العناية بدوائك و غذائك جيداً الفترة القادمة ، كما تلزمك ملابس جديدة .
- ! ..
- من أجل وظيفتك الجديدة ، في قسم الترجمة هنا ، ألم أخبرك مسبقاً ؟.

رددت والدنيا لا تكاد تسعني من الفرحة :
- هل تعني أنني سأصبح أخيراً موظفة بشهادتي ؟.
استوى واقفاً و ربت على كتفي قائلاً :
- تستحقين أكثر يا زهرة ، لولا عنادك فقط. ستستلمين وظيفتك بعد أسبوع ، تجهزي ، و حمداً لله على سلامتك مجدداً .

ثم تقدم نحو الباب ليغادر الغرفة ، وضع يده على المقبض ليديره ثم توقف والتفت نحوي لتصافح عيناه العميقتان عيناي ، رسم ابتسامته الهادئة مجدداً على ثغره و قال :
- اعتن بنفسك يا زهرة ، أراكِ قريباً .

ثم رحل بهدوء تاركاً بقلبي وجعاً لا أدري كنهاً له و لا سبباً .

‏‎****‎

عدت إلى بيتي أخيراً  ، كان حنيني له كبيراً إذ لم يسبق لي أن فارقته من قبل و لو لليلة واحدة ، أوصلني سائق السيد عادل ظهراً ، شكرته و دلفت إلى إليه مسرعة لتستقبلني غرفة المعيشة الصغيرة ، وضعت حقيبتي أرضاً ، جبت ببصري حولها أستكشفها و كأنني غبت عنها دهراً لا شهراً ، وقع نظري على الصورة المعلقة على الحائط فتوجهت نحوها ، حدقت فيها مطولاً و أنا أمرر أناملي عليها ، فرت دمعة شوق من عيني ثم ما لبثت أن استحالت عبرات اندفعت تنهمر كالمطر على وجنتاي ،

اتخذت أقرب مجلس لي محاولة تهدئة نفسي و كبح جماح دموعي المنسابة ، لكنها أبت إلا أن تتساقط لتحمل معها كل ما يختزنه فؤادي من لوعة و وجع و أسى ومرارة ، تذكرت ما لم أنس يوماً ، كيف أنني كنت زهرة ذابلة ، بقايا شابة ببداية العقد الرابع من العمر، وحيدة في الدنيا ، غريبة عن الناس ، ربما لو كنت أملك شخصاً يهمه أمري لما تركني أتخلى عن قطعة من جسمي، لخاف علي و منعني ، هكذا مر بخاطري رغم أني لم أكن نادمة حقاً لفعلتي ،

تمنيت فقط لو وجدت من يربت على كتفي ، يواسيني ، يسأل عن حالي ، يحتضن ألمي و يقول لي : أن كل شيء على ما يرام وأنه لن يتركني ، تذكرت حضن أمي و دفء حجر أبي ، رحت أبكي و أبكي وأجتر ذكريات طفولة كانت آمنة ، دافئة وحميمية ، أخذني النعاس فنمت جالسة بدمعي على خدي ، و لم يوقظني إلا صوت رنين الهاتف لأجدني نمت لما يفوق الأربع ساعات ، أمعنت النظر بالرقم فوجدته غريباً ، فتحت الخط وسألت عن هوية المتصل ؟ ليجيبني :
 
- ألو .. أهلاً زهرة ، هل أنت بخير؟ .
- سيد عادل ! .
رغم آثار النوم المطبقة علي إلا أني لم أخطئ صوته الجهوري المميز .
- أجل .. اتصلت لأسأل إن كنتِ بخير وإن كان ينقصك أي شيء ؟ .
اعتدلت في جلستي و كأنه كان أمامي وأجبته :

- الحمد لله .. لا ينقصني أي شيء و كله بفضلك .
- لست بذي فضل يا زهرة بل العكس ، تذكري هذا دائماً ، عموماً هذا رقمي الخاص و إن احتجت لأي شيء اتصلي بي دون تردد ، واسمحي لي بالاتصال بكِ كل فترة للاطمئنان عليك .
- بالطبع، أكيد ، هذا شرف لي ، و شكراً جزيلا على سؤالك .

و دعني فأغلقت الهاتف و شعور الوحدة الذي كان يجتاحني قد خف بشكل كبير، قررت أن أستحم فوقفت بصعوبة مستندة على ذراع الكرسي و جررت نفسي جراً نحو الحمام ، أبصرت و أنا أزيل شال رأسي ملامحي بالمرآة ، شبيهة لأمي أيام صباها ، هكذا كان أبي يردد ، بشرة بيضاء وعينان واسعتان ، يعلوهما حاجبان مقوسان ، فم صغير وأنف دقيق ، مع شعر بني قصير، حللت ربطته وفردته ثم تأملت صورتي لأرى أن بي رغم شحوبي وإرهاقي مسحة جمال لم تخف ، بعض الاهتمام قد يعيدني إلى ما كنت عليه قبل سنين ، حياة عملية جديدة تنتظرني وبالتالي هيئة جديدة و مناسبة ، عرفت أن أوان التغيير قد حان.

‏‎****‎

أصبح تواصلي مكثفاً أكثر مع السيد عادل ، في خلال أقل من أسبوع توطدت علاقتي به بشكل مخيف ، كان يحادثني عدة مرات يومياً ، يسأل عن حالي و يخوض في أحاديث عديدة ، عرف عني قصتي وعرفت عنه بضع تفاصيل عن حياته ، عن كريم أبنه الوحيد ، عن زوجته إلهام التي تعمل مديرة لمدرسة خاصة ، بدت لي امرأة صارمة وعملية إذ رأيتها لدقائق زارتني فيها شاكرة باقتضاب عن صنيعي ، ورغم أنه لم يتحدث عنها كثيراً إلا أنني استشعرت أن كلامه كان جافاً خالياً من المشاعر .

 و شيئاً فشيئاً زال حاجز التكلف بيننا وأصبحنا أقرب لصديقين يجمعهما الاحترام ، كان الشعور بالعرفان ما يدفعه للطفه معي ، أو هكذا ظننت وقتها ، ومع ذلك بدأ يمس جوارحي ويتغلغل تدريجياً لداخلي ، أحببت شخصه وعفويته واهتمامه و قربه ، و وجدتني أتعلق به وأتشبث باتصالاته التي كانت مثل مطر يروي أرضاً عطشى ، شعور يفوق بأضعاف ما عشته من أحاسيس عبثية أيام مراهقتي الأولى ، في البداية ظننت الأسباب هي الوحدة ، الحاجة للحب ، والفراغ العاطفي ، لكن ألمي العميق وأنا أفكر بأنه حلم مستحيل ، وأن له حياة لا مجال أن يكون لي مكان فيها أكد لي أنني أغرمت به حقاً و تلك كانت المصيبة .

****

لم أصدق نفسي وأنا أترجل من سيارة الأجرة وأقف أمام الدرج المؤدي إلى بوابة المستشفى الزجاجية ، رأيت المكان مئات المرات مسبقاً ، لكن في تلك اللحظة رأيته بعين أخرى غير التي كنت أراه بها ، عنوانا للشقاء كان و أملاً للمستقبل أصبح ، صعدت الدرج واثقة ، عدّلت هندامي الجديد وسويت شعري ثم دخلت .
 
اتجهت نحو الاستقبال فاستقبلتني سلمى بنظراتها المتعالية المعتادة ، أخبرتها أن لدي موعداً مع المدير ، فأجابت باقتضاب :
- الأسم لو سمحت ؟.
- زهرة سالم .
رفعت عينيها و حدّقت بي من رأسي وحتى أخمص قدمي ثم وضعت يدها على فمها و هتفت:

- أنتِ زهرة ؟  زهرة التي أعرفها ! .
عقدت ذراعي وأجبتها بندية لا تشبهني تماثل تعاليها :
- أجل هي ، الموعد يا سلمى بسرعة .
مدهوشة رفعت سماعة الهاتف تحدثت قليلاً ثم أشارت لي بالصعود ، استقليت المصعد حتى الطابق الثالث ثم توجهت نحو المكتب و طلبت من السكرتير أن يبلغ السيد عادل بوصولي .
 
سعيدة ، مرتبكة و خجلة ، جلست بملابسي الرسمية وشعري المكشوف على غير العادة بعد أن سمح لي بالجلوس ، قال لي بنفس الابتسامة الهادئة التي عهدتها دائماً تعلو تقاسيمه :
- شكل جديد و مناسب جداً ، أحسنت الاختيار يا زهرة .
كان مختلفاً حتى في إطرائه ، تفصح عيناه عن إعجاب و إن اقتضبت كلماته .
 
- شكراً لك يا سيد عادل ، لكن روح زهرة هي نفسها لم تتغير .
- بالضبط .. وذلك هو ما أرجوه ، أن يبقى عبير زهرة نقياً دائماً كما عرفته .
ارتبكت و لم أجد بما أرد ، فران الصمت للحظات قال بعدها :

- قسم الترجمة هنا مسؤول عن المراسلات بيننا و بين المستشفيات و شركات الأدوية ، و أيضاً شركات المعدات الطبية في الخارج ، معظمها من أوروبا وأمريكا ، يعمل به موظفان و ستكونين الثالثة ، سيساعدانك في البداية ثم سينقسم العمل بينكم بالتساوي كل حسب اختصاصه ، هل هذا واضح ؟.

أومأت متحمسة فضحك و قال :
- تشبهين الأطفال بحماسك الزائد هذا ، عموماً أنتِ أبنة المكان وتعرفين مكان القسم ، مكتبك الخاص جاهز و ينتظرك ، انطلقي ، حظاً موفقاً .
حملت حقيبتي و سارعت بالمغادرة بعد أن ألقيت التحية ، لكنه ناداني :
- زهرة .

كان قلبي الصغير يرتجف وأنا أستمع لحروف اسمي تخرج من بين شفتيه ، استدرت نحوه فقال :
- أتمنى لك التوفيق .
- شكراً لك يا دكتور .
كان خروجي من مكتبه آنذاك هروباً من شرك كنت سأقع فيه عاجلاً أم آجلاً .
 
******

راحت تحتضنني وهي تبكي قائلة :
- مبارك يا زهرة ، مبارك يا عزيزتي ، تستحقين كل خير .
- شكراً لك يا حميدة ، هذا بفضل دعوات الصباح التي تستقبلينني بها دائماً .
كانت أم حسام كعادتها بصدق فرحتها ، و عفوية التعبير عنها ، مسحت دمعاتها وانصرفت لتكمل عملها ، مضيت بطريقي لأجد سامية أمام القسم تنتظرني
بابتسامة خبيثة :

- هنيئاً لك يا زهرة ، أكاد لا أصدق ما أرى ، أين كنا وأين أصبحنا ؟ .
تنهدت بملل وأنا أجيبها :
- يرزق من يشاء يا سامية .
- و نعم بالله ، لكن الوظيفة الجديدة ثمن بخس مقابل جزء غال اقتطعته من جسمك .

- ألمس سخرية في كلامك يا عزيزتي ، لذا دعيني أخبرك بأمر مهم ، لو أردت مقابلاً لما قدمته ، لربما ملكت هذا المستشفى الذي تعملين به بأكمله ، الوظيفة حق لي طبقاً لمؤهلات علمية تضمنها لي لم يؤخذ بها مسبقاً ، أتمنى أن تعي ذلك .. آه.. و أذيعيه على الجميع أيضاً ، تلك هي وظيفتك الفعلية ، أليس كذلك ؟ .

مطت شفتيها وابتعدت غاضبة ، و دخلت أنا المكتب ضاحكة لما تفوهت به ، ليس لؤماً مني لكن فقط حتى أوقفها عند حدها قبل أن تتمادى أكثر .
 
الفصل الثاني:
 
بعد شهرين...
 
كانت الساعة الخامسة مساء حين جلست على طاولة إحدى المقاهي قبالة السيد عادل ، إذ كان قد طلب مقابلتي هناك بعد الدوام ، و بشيء من الحرج سألته :
- ما هو الموضوع الذي تريدني بخصوصه يا دكتور؟ .
شرب جرعة من كوب عصيره ثم تكلم قائلاً :
- أخبريني عن العمل ، هل أنتِ مرتاحة ؟ .
-  للغاية.. العمل ممتع و يوسف وأحمد زميلان لطيفان ، ويساعدانني كثيراً .
- جيد .. اسمعيني الآن ، أريد منك شيئاً لا يمكن أن أطلبه إلا من شخص ثقتي به كبيرة جداً.

توجست للهجته الجادة رغم سعادتي بالثقة التي يضعها في شخصي :
- أطلب ما تريد يا سيد عادل و سألبي طلبك أن كان بمقدوري .
- زهرة ، أريد أن أسجل المشفى باسمك ، بيعاً و شراءً .
تعرضت لصدمات و رأيت مفاجآت كثيرة في حياتي ، لكن تلك بالتأكيد كانت أكبرها .

- نعم ؟ .
- كما سمعت ، لا داعي لأن أعيد كلامي .
- هل تمزح معي ؟.
رمقني بنظرات مخيفة :
- ما رأيك أنتِ ، هل جلبتكِ إلى هنا لأمزح معك ؟.
كان جاداً بالفعل ، لذا استجمعت شتات أفكاري و سألته :

- اسمح لي يا دكتور ، لكن المجنون فقط من يقدم على فعلة كهذه ، أنا مجرد غريبة عرفتها منذ بضعة أشهر ، كيف تثق بي ؟ لا ، السؤال الأهم هو لماذا ؟.

- إما أنت أو إلهام ، و أفضل أن تأخذيه أنتِ بدلاً عنها ، أنا أثق بكِ لأن من يهب شيئاً ثميناً و دون مقابل ، و بإمكانه رغم ذلك الحصول على الملايين يستحق الثقة ، وسأسترجعه منك بعقد بيع آخر بعد فترة وجيزة ، ستعيدينه ، لي أليس كذلك ؟.
قالها ضاحكاً دون أن يتحمل عناء شرح الطلاسم التي تفوه بها ، استفزني فأجبته :
- في حال شرحت لي أكثر ، فعقلي صغير لا يحتمل حل الأحاجي ، و أنا لم أفهم شيئاً بصراحة .

- حسناً ، أنا آسف ، أنا وإلهام علاقتنا شبه منتهية منذ زمن ، و لا يجمعنا سوى كريم ، كنا سننفصل منذ فترة لكن الحادث أخر ذلك ، و رب ضارة نافعة .
بلل ريقه بجرعة ماء وأنا أرقبه مدهوشة غير مصدقة أن حلمي سقط من خانة المستحيلات ، أردف بعدها متنهداً بحسرة :

- كان زواجي وإلهام تقليدياً قرره أبوانا ، و قد كانا صديقان حميمين ، لم أعترض فجل همي وتفكيري كان منصباً على الدراسة والتخرج بتقدير عال لأكون مؤهلاً لإدارة المشفى بعد والدي رحمه الله ، كنت أعرفها من بعيد فقط ، عندما تحادثنا أعجبتني ثقافتها و وقارها ، قلت في نفسي أنها ستكون زوجة مناسبة لطبيب و ستشرفني وسط صفوة وكبار العائلات بالمجتمع ، و قد كانت كذلك حقاً ، حتى تغير كل شيء منذ خمس سنوات .

تنبه لملامح وجهي المتحفزة لإكمال حكايته فضحك قائلاً :
- أنتن النسوة تعشقن قصص الزواج والفراق .
أخفضت عيني خجلاً ، ليستطرد :

- على قدر النظام الذي كان يسود حياتنا كان البرود الذي يلفها ، حياة خالية من العاطفة والحب والمشاعر ، اكتشفت بلحظة أن خمسة عشر سنة من زواجنا مرت كأننا آلات ، طوال الوقت عمل عمل ، عمل ، دون أن نحظى بلحظات سعيدة معاً ، دون أن نسافر و نقضي لحظات ممتعة تغير روتين حياتنا المنظم وفق برنامج محدد ، أنا و مشفاي و هي ومدرستها ، و لا نلتقي إلا مساءً على طاولة العشاء لنتبادل الحديث كأغراب .

حادثتها ، شرحت لها ما أفكر فيه ، لكنها سخرت قائلة : أنني أعيش مراهقة متأخرة وأن أيام الشباب ولت و هي ليست مستعدة لترك نظام حياتها من أجل متع عابرة لن تفيد شيئاً ، كانت متشبثة برأيها و رفضت أي تغيير في حياتنا ، تباعدنا تدريجياً حتى أصبح مجرد اجتماعنا بمكان واحد يعد ظاهرة ، كنت أنتظر حتى يبلغ كريم الثامنة عشر لأطرح فكرة الانفصال ليرتاح كلانا ، و ها قد فعل منذ أيام ، لكن هناك مشكلة لم أنتبه لها سابقاً .
- والتي تتعلق بالمستشفى؟ .

- أجل .. أنا وإلهام عقدنا قراننا بأمريكا ، و وفقاً للقانون هناك يحق لها الحصول على نصف ممتلكاتي إذا ما كانت فترة زواجنا قد تجاوزت العشرين سنة ، يمكنها أخذ ما تشاء إلا هذا المشفى ، لن أسمح لها بأخذه مهما حدث .. ها .. هل تساعدينني؟ .
رحت أفكر لفترة ثم قلت :

- افرض أني توفيت قبل أن تسترده ، سيصبح من أملاك الدولة و يضيع للأبد ، فلا وريث لدي .

- أنتِ تخترعين حججاً للرفض !.
- أبداً !  أخبرني هل تضمن حياتك لساعة ، لا ، بل لدقائق ؟.
 
فكر قليلاً وأجاب :
- حسناً .. حسناً سأغامر ، لا خيار آخر لدي ، فلا أريد خسارته أبداً .
 
- أفعل ما تريد يا دكتور و أنا طوع أمرك .
ارتسمت على ثغره ابتسامته الهادئة و قال ما جعلني أذوب خجلاً :
 
- أشعر أن الحياة ستعوضني ما افتقدت قريباً .

***‏*

اتفقنا على يوم محدد لإتمام الإجراءات التي تكفل بها السيد أيمن محاميه الخاص ، لم أكن مرتاحة لتحملي مسؤولية كبيرة كتلك ، و لولا الألم الخفي الممزوج بالحدة الذي استشعرته بصوته حين صرح بأنه لن يخسر مشفاه أبداً لما قبلت ، فلا أريده أن يتألم مطلقاً طالما أنا قادرة على المساعدة .

بعد أيام وقعت العقد بيد ترتجف داخل مكتب الشهر العقاري ، و قانونياً أصبح العقار ملكاً لي بأوراق رسمية .

أثناء استقلالي للسيارة بجواره تنبهت لصمت السيد عادل المريب و كنت لم ألاحظه قبلاً بسبب توتري ، زادت دقات قلبي وتوجست خيفة فابتلعت ريقي وسألته :

- هل من خطب يا دكتور؟.
وكأنني قاطعت رحى أفكار كانت تدور برأسه ، التفت لي وأجاب بنبرة بدت لي قلقة رغم الابتسامة الباهتة التي علت محياه :
- لا .. أبداً .. شردت قليلاً فحسب .
- تبدو قلقاً .. هل أنت نادم ؟.

أطلق تنهيدة طويلة وعميقة وأجاب بعد أن وضع يده على يدي قائلاً :
- لا .. لست نادماً .. أنا أثق بكِ ، و ثقتي بالأشخاص لا تخيب .
تناسيت خجلي من لمسته وسألت وقد عرفت أن للحديث تتمة :

- إذن ؟.
- أنا قلق بصددكِ ، المحامي نبهني لشيء مهم كنت غافلاً عنه قد يجرك إلى متاعب لا حصر لها .
سألت و قد بدأ صبري ينفد :
- والذي هو؟ .
تجاهل سؤالي وأطلق قنبلته مباشرة و دون مقدمات:
- زهرة .. هل تتزوجينني؟.
 
****
 
- زواج سري هو آخر ما كنت أتصور، فحتى إن كانت مشاعري للدكتور عادل صادقة و تعلقي به قوي ، لكني غير متحمسة كفاية للزواج منه بهذه السرعة و هذه الطريقة ، صحيح أني أريد الارتباط ممن أحب ، أبني بيتاً و أسس أسرة وأطلّق الوحدة التي خنقتني ، لكن ليس بهذه الظروف ، والطامة أنه رجل متزوج !.
..
- الزواج ما دام شرعياً و قانونياً لا غبار عليه يا عزيزتي ، ثم إنك قلت أنه سيطلق زوجته قريباً ، ، وأنا أرى أن هذه الزيجة لصالحك .

زفرت مطولاً وأنا أحدث نفسي أكثر مما كنت أحدث أم حسام :
- لا أعلم إن كان لصالحي أم لصالحه هو يا حميدة. ..
ران الصمت للحظات تجرعت فيها رشفات من فنجان قهوتي قبل أن يصدر ضجيج وهتاف أطفالها من خارج مطبخها الصغير ، ابتسمت و قلت :

- سعيدة جداً لسعادتهما .
- ألعاب الفيديو ألهتهم خاصةً أيام العطل ، خف عني حمل مطاردتهم و مراقبتهم في الشارع طوال اليوم .
- صحيح .. حتى وجهك يبدو أكثر إشراقاً يا عزيزتي .
ردت بضحكة صافية :
- دعكِ مني الآن وأخبريني ماذا قررت ؟.
- لا أعرف ، أنا معلقة بين نارين يا حميدة .

ليلة يوم العطلة ذاك وضعت رأسي على وسادتي بعد أن عدت من بيت أم حسام حيث قضيت وقتاً ممتعاً معها وأبناءها ، كان يعج بأفكار شتى و تتصارع فيه رغباتي مع خوفي من تبعات الانجرار إليها ، رحت أجتر حديث الدكتور عادل الأخير لي بعقلي مراراً وتكراراً ، كنا في مقهى صغير مجاور للمكتب حين سألته :

- هل تمزح معي؟ .
ألا تعرفين سوى هذه الجملة ؟ أنا حقاً أحببتك يا زهرة ، أحببت نقاءك و صدقك وإيثارك وصبرك ، وأود لو تشاركيني بقية حياتي .
كان رداً سريعاً فقطع بوادر دهشتي ، و على الرغم من سعادتي اللامتناهية والمتوارية تحت كلمات اعتراضي ، قلت :
- دكتور .. أنت متزوج !  هذا عدا عن أنك تبالغ ، أنا فتاة عادية ، لا تغرك بضعة مواقف.
- سأطلق قريباً ، ثقي بي ، هذا أولاً ، و ثانياً أنا أتفهم ما تعنين تماماً و أعيه جيداً ، لست غراً فاطمئني .

- بعد طلاقك سنتحدث إذن .
- أنتِ لا تفهمين .. هناك مشكلة .
رمقته بنظرات متسائلة ، فاسترسل :
- في حال علمت إلهام أن المشفى أصبح ملكاً لكِ لن تصمت .
- و ماذا يمكن أن تفعل ؟ .
- لا أدري ، كل ما أعلمه أني يجب أن أكون قريباً منكِ حتى أحميكِ منها و أقطع لسان كل من تسول له نفسه المساس بسمعتك .
- ألهذا تريد الزواج مني ؟.

قلتها بخيبة أمل وغضب شديد وأنا أستعد للرحيل ، فقد اتضح لي أن غايته التكفير عن ذنبه وحسب .
وقف بسرعة وأمسك ذراعي يستوقفني قائلاً :
- اجلسي يا حمقاء ، أنت بطيئة الفهم حقاً ، الناس تنظر إلينا ، هيا أجلسي .
جلست مرغمة و خجلة من نظرات الناس حولي فأردف :
- أخبرتكِ أنني أحبك ، و أنا لا أكذب ، كنت سأؤجل كل شيء إلى ما بعد الطلاق لكن الظروف من حكمت ، ألا تثقين بي ؟.

- بلى .

نطقتها بسرعة لأني كنت أعنيها ، و مع هذا ندمت لعدم تريثي في الإجابة ، فقلت :
- أقصد .. أثق بك و لكن ليس ثقة مطلقة ، فالحياة علمتني الكثير ، فقط والداي رحمهما الله من كانا أهلاً لها .
قال بنبرة يشوبها مكر :
- كلام سليم يجعلني أعيد التفكير في نتيجة ثقتي بكِ.
أجبته بثبات :
- من هذه الناحية كن مطمئناً ، فزهرة لا تخون أبداً.
- ولا عادل يفعلها ، أجيبيني الآن ، هل أنت موافقة ؟.
- انتظرني بضعة أيام لأفكر ملياً .

- أيام قليلة وحسب ، فقضية الطلاق ستكون في المحكمة عما قريب .
كان رأسي سينفجر من التفكير، أزن المسألة بين عقلي وقلبي فينتصر الأخير الأحمق في كل مرة ، نمت وأنا أتخيل رد والداي في حال كانا على قيد الحياة ، كانت الإجابة في خيالي كما رأيتها بعدها في أحلامي  "تزوجيه يا زهرة" .

****

الفصل الثاني :
 
أيام مرت تتبعها أسابيع حتى انقضت من الشهور ثمانية أشهر ، عشتها سعيدة ، آمنة ، مطمئنة ، و لم ينغص علي أحياناً إلا كوني زوجة سرية لرجل متزوج ، و إن كان على أبواب الطلاق ، بقيت حينها جلسة فقط إذ طالت القضية بسبب العطلة القضائية ، و بعدها يقع الطلاق رسمياً لتنكشف أخيراً علاقتي به أمام الناس وأعيشها في النور بدل العتمة .
 
قضيت شهر العسل بجولة في أوروبا كانت كالحلم ، ثم استقريت بعدها في شقة اشتراها عادل خصيصاً لي ، و أمر بفرشها أثناء غيابنا ، تركت ملاذي الآمن عن قناعة تامة أني وجدت آخر أكثر أماناً من مجرد جدران صماء ، و إن حمتني في سنوات وحدتي من أنياب الذئاب ، كما كفت عني قيظ الصيف وأمطار الشتاء .

عادل كان الحائط الذي تمنيت لو أستظليت تحته طيلة العمر ، الحضن الدافئ الذي وددت لو لم أفارقه قط ، الأب و الأخ والصديق والحبيب والزوج ، كان يعني لي كل شيء ، و بخسارته خسرت كل شيء ، أتساءل أحياناً هل بالغت بتعلقي به ، أما كان يجدر بي معرفة أن للحياة تقلباتها و للقدر لعبته ؟

أهي الغفلة من أنستني حديث أمي المأثور عندما تراني أضحك " كثرة الضحك لا يأتي بعدها إلا البكاء يا زهرة ، فإذا زاد الشيء عن حده انقلب إلى ضده "حتى أني أصبحت أخاف كلما ضحكت وأتوجس خيفة ! هل نلت جرعة سعادة مفرطة انقلبت ضدي بين عشية وضحاها ؟  الكثير من الأسئلة التي لا تنفك تطرق رأسي وتعذبني إلى جانب صور وذكريات تلك الأيام التي كانت هي بداية النهاية .
 
*****

في مكتبي بالمشفى كنت أعكف على ترجمة فاكس وصل من إحدى شركات المعدات الطبية الأمريكية بمعنويات مرتفعة و ذهن صاف ، حين نطق أحمد ، شاب في الثلاثين من عمره ، كان لطيفاً خدوماً ، لكنه خجول في العادة و قلما يحادثني إلا للضرورة على عكس يوسف المرح والاجتماعي ، تحدث وقال :

- آنسة زهرة .. ألديك التزام ما بعد الدوام ؟.
رفعت رأسي إليه متعجبة من سؤاله وأجبت بتلقائية :
- ها ؟ .
ارتبك و بدت عليه أمارات الحرج ثم التفت ناحية يوسف الذي أشار له غاضباً بعدة إشارات لم أفهمها ، كنت أراقب تصرفاتهما الغريبة حين سألت :
- ما الأمر؟.

أخفض أحمد رأسه أما يوسف فأجاب بغيظ :
- أحمد كان يسألك إن كنت ملتزمة بعد الدوام؟ .
- كلا .. لست منشغلة .. لماذا ؟ .

وجهت السؤال لأحمد وأنا أفكر في كمية الأواني المرصوصة في حوض المطبخ و وجبة العشاء التي فكرت بإعدادها .

- أريد أن أحادثك بموضوع مهم .
- حسناً .. نتقابل في الكافتيريا بالأسفل إذن .
- لا .. بل المواجهة للمشفى أفضل .
قالها بلهجة قاطعة فما كان علي سوى القبول .

قبيل انتهاء الدوام بدقائق ذهبت عند عادل بحجة أوراق مهمة ، و كانت زياراتي له قليلة لدرء الشبهات ، دخلت بعد أن طلبت الإذن ففوجئت بضيفه أمامي ، لم أره شخصياً من قبل إلا من خلال صوره على هاتف والده برغم الرابط القوي الذي كان يجمعنا ، شاباً مراهقاً بهي الطلعة يشابه أباه بشكل كبير ، كان كريم ، وقف عن كرسيه و مد يده لي مبتسماً و قال و كأن نسخة عادل المصغرة تتكلم :

- كان يجب أن يكون لقاءنا هذا قبل عام ، تشرفت برؤيتك يا آنسة زهرة .
لم أجد بما أرد سوى مصافحته و شكره و السؤال عن حاله ، لاحظ عادل اضطرابي فقال :
- كنت سأطلبك لولا قدومك ، كريم جاء خصيصاً لرؤيتك و شكرك ، فالفرصة لم تسنح له قبلاً بسبب انشغاله و دراسته بالخارج .

سعدت به كثيراً ، نموذج مخالف لشباب منطقتي البسطاء ، كان راقياً ، أرستقراطياً ، مهذباً ، تحدثنا قليلاً ثم تركتهما وغادرت دون أن أخبر عادل بأمر أحمد ، كنت سأتراجع عن الذهاب لكني رأيته و رآني ، فما كان مني إلا الرضوخ وإتمام الموعد .

****

- هل أنت غاضب مني؟ .
سألت عادل و قد رأيت الشرر يتطاير من عينيه .
- أجل ..كان يجب أن تفكري أكثر ، فما الذي يدفع شاباً لمواعدة فتاة بمقهى سوى أنه معجب بها ؟.

- أنا آسفة حقاً .. أحمد خلوق و طيب ،  وقد أخبرته أنني مرتبطة ، فتقبل الأمر بروح رياضية .

وقف عن طاولة الطعام و لم يتمم عشاءه ، سكب كوب عصير بارد و تجرع منه جرعة كبيرة ثم قال بهدوء يبعث الريبة :
 
- وهل تفهمه يعني أن أترك زوجتي ثمانية ساعات يومياً أمام نظرات عاشق ولهان ؟.
- ماذا تقصد ؟ هل ستطرده ؟ لا يا عادل ، ستقطع رزقه ،  قطع الأعناق و لا قطع الأرزاق.

- اطمئني يا عزيزتي ، زوجك ليس قاسياً لهذه الدرجة ، بل سأقطع عنقكِ أنت إن خطوت هناك مرة أخرى .
فهمت مقصده ، كان الحل الأمثل ، و مع ذلك آلمني كوني أحببت العمل كثيراً ، تنهدت بحرقة وأنا أجيبه :

- حسناً .. لا حل غيره .
تقدم نحوي و راح يمسح على شعري بحنو قائلاً :
- لا تحزني .. انتظري فترة قصيرة فقط ،  دعيني أنهي قضية الطلاق وأستريح ، و ساعتها سنرتب حياتنا من جديد و ربما نفكر بمشروع خاص بك ، معهد صغير لتعليم اللغات مثلا .
كان ذلك هو عادل ، رجل لديه قدرة خرافية على امتصاص حزني و رسم البسمة على شفتي ، قفزت وعانقته جذلى كطفلة صغيرة ، ضحك مبادلاً إياي العناق قائلاً :

- تجهزي نهاية هذا الأسبوع ، سنذهب في إلى البحر تعويضاً عن فترة لابأس بها ، ستقضينها في المنزل .
 

يُتبع ........

تاريخ النشر : 2021-01-08

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
انشر قصصك معنا
مزيد قصص
قصص ذات صلة
إبن الشيطان
أحمد محمود شرقاوي - مصر
الموت ألف مرة
Moaead Hl - سوريا
مُليكَة
عُلا النَصراب - مصر
قصص
من تجارب القراء الواقعية
عدم استقرار
ريحانة الجنة
انقلبت حياتي إلى جحيم
مروى - المغرب
هل هو جن أم أنس ؟
aziz - اسبانيا
كاد الشيطان أن يقتلهم
نسل الكرام - مصر
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje2
youtube
help
ضع رابط فيديو يوتيوب
  • التعليق مفتوح للجميع لا حاجة الى عضوية او ايميل
  • التعليقات تدقق ثم تنشر لذا قد يتأخر نشرها لبعض الوقت
  • التعليقات المستفزة والجارحة لن تنشر لذا لا تتعب نقسك بكتابتها
load
X اغلاق
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje
load
تعليقات و ردود (15)
2021-01-09 07:04:35
user
397590
8 -
مي الشريف
متحمسه للبقيه
1 - رد من : حطام(وفاء)
أتمنى أن تنال إعجابك🌸
2021-01-09 09:59:37
2021-01-08 18:38:55
user
397524
7 -
هديل
وفااااء
هلااا والله اشتقت لقلمك وكلماتك الرائعة .
قصة روعة مع ان البداية تخبرنا بالنهاية الحزينة ولكن قصة الحب روعة. بأنتظار الجزء الثاني 😍
1 - رد من : حطام(وفاء)
أهلا عزيزتي هديل ..وأنا اشتقت لك، أتمنى أنك بخير ..❤
حسنا .. لا تتعجلي، ربما تصورك خاطئ، قد تكون نهاية سعيدة😁 أتمنى أن تعجبك البقية🌸
2021-01-09 09:59:15
2021-01-08 16:33:04
user
397490
6 -
منيره الغامدي
جميله ومدهشه
واسلوبك يدل على مدى ثقافتك وحسك الادبي المرهف
1 - رد من : حطام(وفاء)
تسلمي على لطفك🌸
2021-01-09 09:55:15
2021-01-08 15:53:17
user
397478
5 -
عبدالله
رائعة! التهمت الكلمات والسطور باستمتاع وانا منبهر لسلاسة الافكار وعدم تعقيد الحبكة ، وجمال التصوير وانتقاء المفردات ، وبخيالي اتصور ملامح كل شخصية وشكل كل ركن او مكتب او منزل في القصة ، حتى العصير الذي يرتشفه السيد عادل كنت اتخيله عصير برتقال في كأس كرستالي راق😂،
قصة من النوع الفاخر ،،، انتظر الجزء الثاني بشوق ! تحياتي لقلمك المبدع.
1 - رد من : حطام(وفاء)
شكرا على إطرائك أخي، أتمنى أن تعجبك البقية🙂
2021-01-09 09:46:30
2021-01-08 15:10:29
user
397459
4 -
حسين سالم عبشل - محرر -
طبعاً القصة رائعة ، لكن الصراحة أمر فقدان الذاكرة شيء غريب بالنسبة لي و لم تمر علي حالة فقدان ذاكرة رغم اني اعمل في المختبر الطبي منذ اكثر من 12 عام و رأيت حالات غريبة عجيبة منها عودة الاموات الى الحياة الا قصص فقدان الذاكرة .
1 - رد من : حطام(وفاء)
طيب يا أخي حسين سأنتظر السيد إياد، أما عن القصة فشكرا لاطرائك.. لكنك حرقت القصة بكلامك عنها😂😂😂سأجيبك في الجزء الثاني😁
2021-01-08 17:14:34
2021-01-08 14:22:05
user
397430
3 -
حطام(وفاء)
حسين سالم عبشل

أهلا بك أنت أخي حسين وشكرا جزيلا على تحريرك ونشرك للقصة ..أعلم أن طولها أتعبك فاعذرني ..

أما بخصوص سؤالك فلا أدري ما أقول، يبدو أن ايميل الموقع به مشكلة، والله أرسلت مؤخرا رسالتين أطلب فيها من السيد إياد تغيير اسم حطام على جميع قصصي إلى اسمي الحقيقي ولكن لا رد أبدا، أرسلت رسالة منذ سنة ووعدني أن يفعل وقبل فترة ولم يرد وعلمت بعدها بوفاة والده وأيضا قبل أيام قليلة.. كنت سأرسل هذه القصة باسمي الحقيقي لكن خفت أن يضيع الأرشيف لذا طلبت شملها بالتغيير أيضا، إن كنت قادرا يا أخي على تغييره فاطلع على الإيميل وشكرا لك ولك مني كل الاحترام والتقدير:)
1 - رد من : حسين سالم عبشل - محرر -
يشرفني تحرير قصصك انها رائعة
اما بخصوص تغيير الاسم فهذا من صلاحيات الاستاذ اياد و الان هو مشغول و ان شاء الله سوف يلبي طلبك
2021-01-08 15:04:25
2021-01-08 13:19:28
user
397395
2 -
حسين سالم عبشل - محرر -
قصة رائعة و اهلا بعودتك اخت حطام
و سؤالي لماذا لا تضعي اسمك الحقيقي هنا كما فعلتي عند نشرك للقصة
2021-01-08 12:13:49
user
397366
1 -
دنيا. الجزائر.
روعة. 👏🏻👏🏻👏🏻😍😍😍😍
1 - رد من : حطام(وفاء)
أنتِ أروع، أتمنى أن تعجبك البقية🌹
2021-01-09 09:45:04
move
1
close