كشكول

إنّنا نكذب

بقلم : آدم – الجزائر

إنني أعيش في مدينة قاسية الملامح، يحتضنها الحزن و يضمّها إلى صدره البارد الجاف بقوة، بل و بكل خشونة و عنف، أينما التفتُ و أينما توجهتُ تصدمني موجات عنيفة من الجهل، إنه ذاك النوع من الجهل الذي يبثُّ في نفس صاحبه الذلّ و الهوان و الخوف و التهور، و هذا ما لا يتفق إطلاقا و تاريخ المدينة العريق بما يكتنفه من عظماء و أعلام في شتّى ضروب المعرفة.
و حقا إني لأعجب من بعض هؤلاء الشعراء القاطنين بها و هم يَنْظِمون فيها قصائد تظن بُعيْد قراءتها أنها مدينة فاضلة و مثالية، يا لسعة خيالهم، لم يَصْدقوا إلا عندما وصفوها بمأوى المنكوبين في حرب الحياة على أرض هذا الوطن.

قررت على إثر هذا أن أكتشف مدينتي، لعلي أنا المخطئ و لم يكن باستطاعتي تحسس جمالها و تفردها المزعوم، اخترتُ صباحا من صباحات العطلة البهيجة، لأتجول قليلا في أرجائها، و هدفت من خلال تجوالي هذا أن أتعرف بشكل خاص و لأول مرة على روعة المدينة، فلم أجد أفضل من أزقة و باحات السور البيزنطي القابع بكل عنفوان و عظمة و هيبة وسط البلدة، قصدتُ ساحته الرئيسية و كان النهار في أوله، الجو جميل و السماء صافية و الطقس في أبهى حلته، اخترتُ لي مقعدا حجريا و أراقب كل ما حولي مفكرا في أدق تفاصيله، بينما أنا على تلك الحال مرّ من أمامي مجنون، لم تكن وضعيته سيئة كما هو متعارف عليه، لكن حركاته و مشيته اتصفت بالغرابة الشديدة، أنا أخاف من المجانين، لكنني تظاهرت بعكس ذلك طبعا، أثناء هذا التقطت أذناي كلامه، الذي قال فيه:
– أين أنتِ؟ أين أنتم؟ أين أنتَ يا حقير، إنني أرى القمامة لها يدان و رجلان، و عينان أيضا.
و دخل في نوبة ضحك هيسترية، لا أظن أن هناك حاجة لشرح قصده، أعتقد أنه عبّر بصدق و بلاغة عن الحثالة و الصعاليك الذين تعج بهم المدينة، و لو عاشرت هؤلاء لعرفت سبب خلق الله لجهنم، لكن ماذا عن المدينة نفسها؟ الجواب أتى سريعا من فاقد عقل أكثر تشردا، أكثر نشاطا، و أقل نظافة، حين قال:
– يا دواب! يا بهائم! هيا، أفيقوا، لقد حل الصباح، الشمس في قلب السماء و كل شيء على ما يرام، هيا، أريد تنظيف الاصطبل، ستخاف الحشرات و تهرب، هيا.
لم أكن أعلم أن كلام المجانين حكيم لهذه الدرجة، و بليغ أيضا، فهو رغم ما يتخلله أحيانا من هذيان لكنه غالبا معبر جدا، و ربما لهذا السبب تحديدا صاروا مجانين!
ما استنتجته و أردت ايصاله و قوله أنه يجب اعطاء كل ذي حق حقه، بمعنى عدم المغالاة في تبجيل و الاسهاب في روعة ما لا يستحق حتى الاشارة، و عوض هذا أن يسلط الأدباء الضوء على قضايا أكثر أهمية هم كأدباء ملزمون بطرحها و معالجتها، مع مراعاة الصدق، لأن أغلبكم لا يقول الحقيقة و يكذب، أنا أيضا أكذب، لم أذهب للسور البيزنطي و لم أرَ مجانين و لم أسمع أي شيء!

آدم

الجزائر

مقالات ذات صلة

7 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى