أدب الرعب والعام

الرجل العائد من الموت (1)

بقلم : جوهر الجزائر – الجزائر

الرجل العائد من الموت (1)
أمر “يوسف” جنوده باعتقال”صالح” فسحبوه إلى الخارج بعد أن كبلوا يديه.

كانت العاصفة شديدة في الخارج في ليلة من ليالي ديسمبر الباردة، فيما كنا مجتمعين حول الموقد نشاهد التلفاز و نراقب بين الحين و الآخر الأجواء في الخارج . و فجأة انقطع التيار الكهربائي فأسرعت أمي و أشعلت بعض الشموع فعاد النور يضيء أركان المنزل و يطرد الوحشة منه. فاقتربت و أختي الصغرى من جدتي و ألحينا عليها أن تروي لنا قصة قبل أن ننام، ففكرت قليلاً ثم قربت الشمع منها و لما أضاء وجهها السمح بادرت بالقول:

– سأروي لكما اليوم حكاية حقيقية حدثت في بلادنا منذ سنين عديدة، عندما كانت الجزائر محتلة من قبل فرنسا قصة “صالح و سلمى” ، كانت “سلمى” فتاة يتيمة توفي والدها و هي ماتزال رضيعة فاضطرت أمها للعمل لإعالة أسرتها الصغيرة الوحيدة فلم يكن لها أو لابنتها أي أقارب في العاصمة المترامية الاطراف. و كبرت “سلمى” وسط الفرق و الحرمان و اليتم و لم تلبث والدتها أن توفيت بالسل قبل أن تبلغ ابنتها سن السادسة عشر و لكنها قبل أن تتوفى أوسطها بالعمل في مطعم يملكه بعض الإيطاليين المقيمين بالبلاد و كانوا فيما مضى أصدقاء لوالد “سلمى”.

و هو ما حدث بالفعل، و قضت “سلمى” بعض الوقت تعمل كنادلة في المطعم، قبل أن تلتقي الضابط “يوسف” الذي كان يعمل مع المستعمر الفرنسي، و الذي للغرابة وقف مدافعا عنها لما تحرش بها أحد الزبائن الأجانب ممن سحر جمال “سلمى” عيونهم ، بل لقد رفع الضابط “يوسف” مسدسه في وجه الأجنبي و هدده ، و هو ما جعل منه بطلاً في عيني الفتاة الفقيرة اليتيمة التي لم تجد يوماً من ينصفها بعد وفاة والديها.

و لم يكن الضابط الشاب بأقل إعجاباً من الأجنبي بجمال “سلمى” و صباها، و هو ما جعله يعود كل ليلة للمطعم لرؤيتها و في النهاية عرض عليها العمل في منزله الذي يقطنه رفقة والدته العجوز المريضة، بدل البقاء في المطعم و التعرض للمضايقات من الجنود و الاجانب. و وافقت الفتاة دون تفكير و ظنت بأن طاقة العرش قد فتحت في وجهها و أن الله قد أرسل لها يوسفا كتعويض عن سنين القهر و العذاب.

و لكن ما إن وطأت قدم “سلمى” منزل الضابط حتى سقط قناعه، فبالرغم من طيبة سيدة المنزل التي أحبت الفتاة و قربتها منها إلا أن “يوسف” تحول من حمل وديع إلى وحش و تحول حبه الرومانسي إلى حب تملك أناني و تحولت طيبته إلى عنف شديد. قضت “سلمى” سنتين من العذاب في منزل يوسف إلى أن كانت الليالي عندما عاد الضابط الشاب ثملاً و لعبت الخمر برأسه فهاجم الفتاة المسكينة، و لولا تدخل والدته التي صفعته على وجهه لأول مرة في حياتها لكان حدث ما لا يحمد عقباه. و لإنهاء المشكلة، قررت أم “يوسف” أن تزوج “سلمى” لابنها المجنون.

شعرت “سلمى” بالخطر الذي يحيط بها و لكنها كانت عاجزة عن الهرب فقد كلف “يوسف” بعضا من مساعديه بمراقبة منزله و منعها من الخروج إلى حين زواجهما. فلم تجد أمامها سوى طلب المساعدة من ممرضة كانت تأتي لإعطاء الحقن للعجوز، كانت الممرضة فتاة طيبة المنشأ، متعلمة، ووطنية تنتمي لعائلة عريقة في العاصمة عرفت بصناعة الملابس التقليدية الفاخرة. و لما علمت بما تعانيه “سلمى” عرضت عليها أن تأويها في منزل عائلتها.

لكن الحراسة المشددة على المنزل منعتهما من تحقيق مرادهما، إلى أن شاء القدر و توفيت والدة “يوسف” الطيبة و انشغل الضابط في مراسم الدفن و العزاء، فاستغلت “سلمى” ذلك و فرت رفقة الممرضة إلى منزل أهلها.

كان منزل الحاج “عبد الرحمان الجلبابي” من المنازل الفخمة في المدينة، و عرفت عائلته بالكرم و الجود و إغاثة الملهوف كما كان الحاج مكلوما بفقدان ابنه الشاب الجامعي “نور الدين” بعد أن أعدمته الدولة المستعمرة بتهمة التخريب و التآمر على الأمن و هي تهمة كانت تلصق بكل مقاوم وطني للاحتلال. و لكن سره أن يساعد “سلمى” الفارة من منزل ضابط إستعماري ك”يوسف”.

بعد إقامة “سلمى” بأيام قليلة في منزل “عبد الرحمان” ، قابلت أحد العمال في مصنع الملابس التقليدية الذي يملكه الحاج ، بل كان كما يسميه الحاج يده اليمنى و خليفته في المصنع، نظرا لأمانته و أصالة معدنه. كان ذلك الشاب “صالح الصوافي” شاب في مقتبل العمر، نزح من الريف الجزائري الفقير و المجوع من قبل فرنسا إلى العاصمة باحثاً عن لقمة يؤد بها جوعه و جوع أمه التي تنتظره في القرية البعيدة.

أحبت “سلمى” صالحاً ، كما أحبها هو الآخر بل هام بها حباً، كانا كلاهما يتيماً و فقيراً و غريباً في العاصمة فجمعتهما غربتهما و وحدتهما فاقتهما. فما كان من صالحاً إلا أن أرسل في طلب ابن عم “سلمى” الوحيد الذي كان يقطن أحد الأحياء المعزولة في المدينة و طلب منه يد الفتاة و تم الزواج. و ظن كلا من “سلمى” و “صالح” بأن أحزنهما قد انتهت أخيرا باجتماعهما تحت سقف واحد.

و في الأثناء، كان “يوسف” يبحث عن الفتاة في كل شبر من العاصمة، و قام بزرع عيونه و مخبريه في كل حي و كل سوق، بل إنه قد علم بأمر “حسين” ابن عم “سلمى” المجهول ، فبحث عنه إلى أن وجده يعمل حمالاً بسيطاً في سوق الخضر ، فسحبه إلى مقر الشرطة و عذبه تعذيباً لم يعذبه أحد و لفق له عدداً من التهم التي ستؤدي بالمسكين إلى حبل المشنقة أو ساحة الرمي دون ذنب اقترفه إن لم يخبره بمصير “سلمى” . فما كان من “حسين” إلا أن اعترف بكل ما يعلمه، فأبلغه بزواج “سلمى” و بعنوان منزل “صالح” المستأجر في الجهة الغربية من سوق القماش. عندها قرر” يوسف” أن ينتقم لكبريائه المشروخ من تلك اليتيمة التي اختارت عاملا فقيراً مهاناً بدلاً عنه…”

و عند هذه النقطة من الحكاية، قاطعت أختي جدتي قائلة:

– لما يريد الضابط “يوسف” الانتقام من “سلمى” بعد أن فرت منه بسبب معاملته السيئة لها، ألم تكن تحبه و لكنه كان قاسياً معها؟

فابتسمت جدتي و أجابت:

– ربما لأنه شخص مريض يعاني من حب التملك و الغرور، غرور غذاه عمله مع المستعمر استفحل في ظل كل ما كان يتمتع به من نفوذ و سطوة جعلته يرفض أن يفقد أياً من أشياءه لصالح أحد غيره ، و “سلمى” لم تكن أكثر من مجرد شيء أعجب “يوسف” و امتلكه لفترة من الزمن، .. و ربما لو كان قد تزوجها لكان زهدها و مل منها لذلك أراد تدميرها حتى لا تكون لغيره إن لم تكن له”

و عندها تمتمت بحنق :

– يا له من رجل ظالم يا جدتي.

ترشفت جدتي بعضاً من كوب الشاي و واصلت :

– في اليوم الموالي، قصد “يوسف” منزل “صالح” رفقة قوات كبيرة من الجيش الفرنسي بعد أن لفق له كعادته مع أبناء بلده، تهما أرادها جميعها أن تكون تهماً خطيرة في نظر المستعمر ليضمن أن تكون العقوبة كبيرة و موجعة لصالح” و “سلمى”.

كانت “سلمى” تحضر مائدة الغداء فيما جلس “صالح” يستمع للأخبار في المذياع، لقد كانت البلاد في حالة استنفار بسبب هجمات نفذها “فلاقة” الجبل المقاومون للاحتلال و كانت فرنسا تزج بكل من يشتبه في انتمائه أو حتى تأييده للمقاومين في السجون و المعتقلات دون محاكمات حتى.

لم يكن “صالح” ملماً بالسياسة و لا من المولعين بالتيار الوطني الذي بدأ يعصف بالمحتل و مصالحه و لكنه كان كغيره من الجزائريين البسطاء يهتم لأوضاع البلاد و ما تعانيه و يتعاطف مع المقاومين كصديقه الشهيد “نور الدين” ابن الحاج “عبد الرحمان” ولي نعمته.

فجأة، عصف بالباب وابل من الطرق الشديد، فأمر “صالح” زوجته الشابة بالدخول و ذهب ليستطلع الأمر، و ما إن فتح الباب حتى وجد مسدس الضابط “يوسف” موجها إلى رأسه، و دفعه و دخل باحثاً عن “سلمى”.

حاول “صالح” منعه و جنوده من تدنيس حرمة المنزل، و لكنه لم ينجح فقد إنهال عليه الضابط و جنوده ضرباً، فخرجت “سلمى” مسرعة محاولة الدفاع عن زوجها. و لكن “يوسف” أمر جنوده فسحبوا “صالح” إلى الخارج بعد أن كبلوا يديه، و بقي “يوسف” رفقة “سلمى”، كاد الضابط يصاب بالجنون فقد كانت الشابة تنتظر مولودها الأول و لكنه حرص أن لا تجفل منه فتملك نفسه و عرض عليها أنه سيطلق سراح زوجها إن قبلت أن تطلقه و تتزوجه مكانه و وعدها بأنه سيكون أباً لابنها و سنداً لها مذكراً إياها بأنها كانت من حقه منذ البداية لولا تدخل هذا المتطفل “صالح” بينهما.

رفعت “سلمى” يدها و هوت بها بكل قوتها على وجه “يوسف” الذي اعترض طريقها و أمسكها من يدها مهدداً:

– سلمى .. لا تردين القيام بذلك، لأنه سيكلف “صالح” الكثير من التعذيب في قبو مقر الشرطة.

ثم دفعها و غادر و تركها منهارة في ركن من أركان المنزل.

تاريخ النشر : 2016-09-29

مقالات ذات صلة

20 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى