أدب الرعب والعام

الرجل العائد من الموت (3)

بقلم : جوهر الجزائر – الجزائر

الرجل العائد من الموت (3)
قضى “صالح” عشرين سنة عقب وفاة “ماريا” في منفاه البعيد وحيداً.

عندما بلغ الصديقان المكان، وجدا “ماريا” و “عبد الحق” قد فارقا الحياة، و هكذا فقد “صالح” للمرة الثانية زوجة و طفلاً قبل أن يولد. و كانت هذه الحادثة القشة التي قصمت صبره و جلده و أعادته إلى دائرة اليأس التي كان يعانيها في أول أيامه في السجن، كما عاوده أرقه و قضى لياليه في تلميع مسدس اقتناه ليكون جاهزاً عندما يمنحه القدر فرصة للانتقام من “يوسف” العميل الذي سرق حياته و زوجتيه و طفليه.

سكتت جدتي قليلاً و تناولت بعض جرعات من الماء، فاستعجلتها و شقيقتي لتكمل القصة و كلنا شوق لمعرفة نهايتها. فابتسمت جدتي لنا و قالت :

قضى “صالح” عشرين سنة عقب وفاة “ماريا” في منفاه البعيد وحيداً ، لا يعلم من أخبار بلده شيئاً، كان يخرج كل صباح عند الفجر ليجلس و يراقب البحر متأملاً الأفق لساعات، يعيد شريط ذكرياته مع “سلمى” و الحاج “عبد الرحمن” و والدته و سكان قريته و رفاق طفولته، فيبتسم لبعضها و تدمع مقلتيه بسبب بعضها الآخر و ينتفض جسده حنقاً و قهراً لكل ذكرى تخص الضابط “يوسف” فيعود راكضاً إلى كوخه و يخرج مسدسه يتأمله بعينين تتقدان غضباً و حقداً.

في هذه الفترة، نالت المغرب استقلالها و تبعتها تونس بعد سنوات قليلة ، فغادر السجناء المغاربة و التونسيون الجزيرة و عادوا إلى بلدانه و لم يبقَ في المنفى سوى الجزائريون تتوهج في عيونهم أحلام الاستقلال و النصر و ينتظرون بفارغ الصبر ساعة الحسم التي جاءت أخيراً، فقد نالت الجزائر استقلالها بعد 130 سنة طويلة من الاحتلال و المعاناة.

لم يتمالك “صالح” نفسه عندما علم بأنه سيعود أخيراً إلى وطنه بعد 30 سنة من المنفى، فحزم حقيبته و لم ينسَ مسدسه و غادر في باخرة الصباح نحو الأفق نحو الجزائر.

ما إن برزت أرض موطنه أمام عينيه حتى انهمرت دموعه حارة، دموع حبسها لثلاثة عقود من الألم. و ما إن وطأتها قدمه حتى استنشق هواءها ملأ رئتيه، و غادر المرفأ نحو منزله في العاصمة، و لكنه وجده مقفلاً، فقصد منزل الحاج “عبد الرحمن” و لكنه وجده قد تحول إلى عمارة سكنية، فلم يجد بداً من زيارة المشغل عله يعثر عمن يدله على مكان زوجته و طفله. و لكن المشغل كان مهجوراً.

بحث “صالح” طويلاً و لكنه لم يجد من يطفأ لهفته بخبر يقين عما حدث مع الشيخ “عبد الرحمان” و عائلته، فتخير أن يزور قريته ليطمئن على والدته التي راودته الشكوك فأنها قد صمدت طوال هذه السنون لتراه و لكنه الأمل الذي طالما رافقه في غربته ليفتأ يرسم له خيالات من السعادة لا يملك سوى تصديقها.

استقل “صالح” قطار بعد الظهيرة ليصل إلى قريته بعد غروب الشمس بساعة، فاندفع مسرعا بحو منزل والده، و لكنه ما إن اقترب حتى ألفاه أثراً خرباً، تهاوت أبوابه و شبابيكه، و انتشر العفن و أنسجة العناكب في زواياه و واجهته المهدمة و اختفى لونه الزاهي و حل محله لون قاتم بشع. فأيقن حينها بأن أمله قد خذله و بأن أمه ترقد في مكان ما من مقبرة القرية.

فتح الباب و دخل بخطوات مثقلة و جلس على المقعد القريب من الباب يدخن سيجارة متأملاً ما بقي من طفولته و ماضيها الجميل.

شد الضوء المنبعث من منزل “أم صالح” انتباه القرويين و ظنوا أن سارقاً ما قد اقتحمه، فأسرعوا للقبض عليه و لكنهم عندما قابلوا “صالحاً” أنكروا ما رأوه فالجميع يعلم بأنه قد توفي منذ ثلاثين سنة في المنفى فظنوه شبحاً أو روحاً اتخذت من منزله منزلاً لها. و لم يصدقوا “صالحاً” إلا بعد أن قدم لهم أدلة لا تقبل التشكيك بأنه “صالح الصوافي” العائد من الموت.

وجد “صالح” بأن كل ما تركه ورائه في القرية قد تغير، و كل أحبائه قد رحلوا، فلم يبقَ منهم سوى بعض رفاق طفولته الذين دلوه على قبر والدته و قدموا له بعض المساعدة للعودة إلى العاصمة للبحث عن زوجته و طفله الذي لا يعلمون من أمرهما شيئاً.

غادر “صالح” القرية بعد أن عظمت غربته فيها، فلم يجد من ماضيه فيها شيئاً يذكر و قرر أن يغلق صفحتها إلى الأبد. و توجه إلى العاصمة، و هو لا يعلم من أين يبدأ بحثه.

فقرر أن تكون البداية من سوق الأقمشة ، من مشغل الحاج “عبد الرحمان” حيث وجد أحد التجار القدامى ممن عاصروه، و الذي للأسف لا يعلم مصير المشغل و لا صاحبه و لكنه للمفاجأة حدثه عن رجل أعمال يدعى “يوسف” يتعامل معه في عمله و شكا له ما يعانيه منه، و لم يكن رجل الأعمال هذا سوى “يوسف” الضابط السابق بالشرطة الاستعمارية و الذي تزوج إحدى قريبات الشيخ و سلمته كل أموالها ليتصرف فيها. و حدثه عن قصره الفاخر في المدينة و عن جشعه و ظلمه. فشعر “صالح” بسعادة لا توصف عندما أدرك بأن “يوسف” لم ينجح في الزواج من “سلمى” و بأنها قد أفلتت من براثه بعد أن كان شبه متأكد من أنه قد جبرها على الزواج .

فشكر التاجر و غادر نحو منزل الشيخ “عبد الرحمان” مجدداً، أين وجد هذه المرة الخادمة المسؤولة عن المنزل، كانت قد بدأ العمل لدى الحاج و عائلته بعد أن غادر للمنفى. و قد علم منها بأن الحاج قد غادر رفقة زوجته إلى بستانه في الريف و بأن ابنته الوحيدة تعيش في الخارج رفقة زوجها السفير و أبنائها. و لكنها لم تكن تعلم ما حل ب”سلمى” أو طفلها. و عندما هم “صالح” بالمغادرة، نادته الخادمة و أعلمته بأن للحاج “عبد الرحمن” شريك يدعى “حسين” يعيش في مدينة بعيدة و بأنه ربما يساعده، عندها أدرك “صالح” بأنه قد وجد ضالته، لابد من أن الخادمة تعني “حسين” ابن عم زوجته “سلمى”.

فاستقل أول قطار متجه نحو تلك المدينة، و بعد رحلة امتدت ساعات طويلة و بحث أطول عن منزل “حسين” ، وقف “صالح” أمام باب أحد المنازل و طرق الباب و قلبه يكاد يخرج من صدره. سيعرف أخيراً أين هي زوجته و طفله و سيضمهما إلى صدره بعد طول غياب.

فتح الباب و أطل منه وجه “سلمى” التي تسمرت في مكانها ما إن رأت الطارق، فتلك التجاعيد التي تملأ وجهه المنهك و ذلك الشيب الذي غزا مفرقه لم ينجحا في تغيير زوجها العائد من الموت، و لشدة صدمتها كانت “سلمى” أن تقع لولا أن أمسكها “صالح” و أجلسها على المقعد القريب من الباب. و جلس بقربها يطالعها باهتمام و فضول شديد و كأنه يراها لأول مرة.

ساد الصمت بينهما طويلاً، فقد كان لدى كليهما كلام طويل يريد قوله و لكنهما لم يعرفا من أين يبدآن، فقد دام فراقهما عمراً…

و هنا ارتعش صوت جدتي، بينما لمحت أمي تصغي باهتمام و هي تمسح دمعة تدحرجت على خدها، و حبست أنا و أختي أنفاسنا نسأل جدتي المزيد فلم تبخل علينا به:

– كما قلت جلس الاثنان صامتين ثم انخرطت “سلمى” في بكاء حميم و هي تروي ل”صالح” ما وقع معها و ما قام به “يوسف” معها و مع “حسين” و برقية النعي التي وصلتها. أصغى “صالح” في اهتمام و نزلت دموعه مع كل خبر تقصه عليه “سلمى” فقد علم دون أن تبلغه بأنها قد تزوجت “حسين” و لم تعد له، فاكتفى بسؤال واحد ، سألها إن كان ابنه “نور الدين” يعلم بأمره، فأجابته بأنها أخبرته عن وفاته في المنفى و أحجمت عن ذكر التفاصيل و خاصة المتعلقة ب”يوسف” خوفاً عليه و حماية له من جبروت هذا الظالم.

نهض “صالح” و ابتسم بمرارة في وجه “سلمى” قائلاً بأن هناك دينا عليه تسديده و غادر بينما أجهشت “سلمى” بالبكاء.

فقد استيقظت الجراح القديمة ، جراحهما التي دفعا عقوداً من عمريهما و هما يحاولان نسيانها أو تناسيها.

قالت أختي و هي تشهق :

– جدتي ما هو ذلك الدين الذي سيدفع “صالح”؟؟

– دينه للضابط “يوسف” فقط تضخم حسابه و فوائد، أسرع “صالح” إلى منزل “يوسف” الذي دله عليه تاجر القماش العجوز، و تظاهر بأنه صديق قديم جاء لإلقاء التحية، و ما إن رأى عدوه حتى صوب نحوه مسدسه.

و لكن أتعلمون ما حدث؟… لم يستطع “يوسف” تذكر “صالح” ، و لعله أمر طبيعي لمن كان سبباً في إعدام و نفي مئات و آلاف الجزائريين، فيوسف و طوال فترة عمله مع المستعمر حطم منازلاً كثيرة و يتم أطفالاً كثر و رمّل نساء أكثر و أكثر. فكيف له ن يذكر “صالح” و قد حطم ألف “صالح” غيره. و لكنه تذكره بالتأكيد لما نطق اسم “سلمى”

و انبرى يتوسل لحياته و يتظاهر بالتوبة و الاستقامة، و لكن كل ذلك لم يشفع له، فوجع “صالح” أكبر من القدرة على السماح و المغفرة. أو هكذا كان يظن إلى أن سمع صوت ابنه يناديه لأول مرة في حياته، و رأى شاباً في الثلاثين يحمل فتاة صغيرة بين ذراعيه يرافقهما “حسين”. عندها لان قلبه و احتضن ابنه لينسى الدنيا و ما فيها ليعيش لحظة طالما حلم بها.

و هنا عاد التيار الكهربائي، فتوقفت جدتي عن الكلام و نفخت على الشموع و لكننا استعجلناها بصوت واحد:

– ما الذي حصل بعد ذلك؟؟… هل انتقم “صالح” من “يوسف”؟؟؟

ابتسمت جدتي و نظرت قليلاً إلى والديّ و قالت:

– لا لم يقتله، لقد كان حكيماً ليدرك أن “يوسف” قد سرق عمره الماضي و حرمه من زوجته و ابنه و لكنه لا يجب أن يسمح له اليوم أن يسرق بموته ما تبقى من عمره القادم ، فضل أن يقضي ما بقي من عمره مع بنه و حفيدته

فقالت أختي:

– ألا يعني هذا بأن “يوسف” قد أفلت من العقاب؟..مممم ماذا عن “سلمى” ألم تعد ل”صالح”؟

نهضت جدتي و أمرتنا بمرافقتها إلى غرفتنا لتضعنا في الفراش و تكمل لنا بقية القصة و لما استوينا في أسرتنا قالت لنا:

– و من قال لكما بن “يوسف” قد أفلت من العقاب؟؟

لقد عاش لسنوات قصيرة بعد ما حدث و أصيب بمرض عضال ليموت غريباً و وحيداً و خائفاً على سرير مستشفى في بلد أجنبي بعيداً عن أحبابه كما فعل مع غيره. أما “سلمى” فقد فضلت أن تواصل حياتها مع “حسين” و ابنتهما، لأنها كانت مقتنعة بأن “صالحاً” الذي عرفته قد مات في المنفى كما ماتت “سلمى” التي عرفها هو يوم وصلتها برقية نعيه و كل ما بقي منهما مجرد ذكريات القليل منها حلو و لكن معظمها مرّ مرارة الظلم الذي عانياه . فعزيزتاي الجراح بئر عميق يتوسع و يتوسع ليبتلع روح الإنسان و لا يبقي منه سوى على جسد منهك يسير في الارض دون وعي أو إحساس، لقد اكتفى “صالح” بابنه و ذكرياته و اكتفت “سلمى” برؤيته أمامها و لو كغريب.”

و هنا قبلتنا جدتي و تمنت لنا ليلة هنيئة و أطفأت النور.

ظللت أسترجع تفاصيل القصة التي سمعتها الليلة، و قلبي يعتصر ألماً و فجأة اتسعت عيني و تمتمت :”سلمى”؟؟

“نور الدين”؟؟ أوليس اسم جدتي “سالمة” و جدي “حسين” و والدي… “نور الدين”؟؟؟

إنها قصتها ….بلى إنها قصة جدتي و لذلك فهي تعلم كل هذه التفاصيل”.

 

تمت.

تاريخ النشر : 2016-09-29

مقالات ذات صلة

22 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى