أدب الرعب والعام

اللص النفسي

بقلم : حمزة لحسيني – Hamza Lahssini – المملكة المغربية
للتواصل : [email protected]

أصبحت لصاً نفسياً عوض عن أن أكون طبيباً نفسيّا يعالج الناس
أصبحت لصاً نفسياً عوض عن أن أكون طبيباً نفسيّا يعالج الناس

ما كنت أريده حقا، هو أن أصبح طبيب نفسي؛ لكي أساعد الناس على التخلص من مرضهم النفسي، ومن خلال حديثي معهم اكتشف قدراتهم الداخلية من اجل أن أحقق لهم توازناً نفسياً واجتماعياً. وكذلك مساعدة المريض على التعامل مع مشاكله بواقعية، وبطريقة تمكنه من تحقيق نضجا سليما.

لكن للأسف هذا حدث في مخيلتي فقط، فعند نهاية دراستي في مجال علم النفس لم أجد من يساعدني لأحقق حلمي برغم من مستواي دراسي، الذي كنت أظن أن بلادي سوف تكون فخورة بي من خلال تقديم يد المساعدة مثلاً، لأتمم دراستي في الخارج لكي اكتسب المزيد من المعلومات حول علم النفس، أو أن أجد فرصة عمل؛ لكي أصبح طبيبا نفسيا، أو شيء من هذا القبيل.

بصراحة أخشى عقلي عندما يبدأ في التفكير، لأنني أعلم في آخر المطاف سيقودني إلى ما هو غير قانوني بنسبة لبلادي، وما هو غير شرعي بنسبة لِديني، لكن للأسف فأنا لست من الأشخاص الذين يجتهدون ويثابرون وفي الأخير لن يصلوا إلى هدفهم.

حياتي كلها لم أفكر قط في السرقة، حتى وإن كنت في أمس إلى الحاجة، أتألم كثيراً عندما أتذكر ذكرياتي في الثانوية والجامعة، وعندما أرى بيتي الذي يحمل أحلامي وشهاداتي على أني قادر أن أزاول المهنة التي كنت أحلم بها منذ مراهقتي، لكن وطني الحبيب جاء بين يدين لا تستحقه، يدي اللصوص الذين جعلوا مني لصا.

وفي أغلب الأحيان ألجأ إلى البكاء، لكن الجميل في الأمر عندما أتذكر أن علم النفس يدرس الإنسان ككل، بما في ذلك النشاط العقلي، العمليات النفسية، وشخصية الإنسان، بالإضافة إلى قدراتي العقلية التي امتلكها، وهذا سوف يساعدني في تلاعب في بعقول الضحايا.

أصبحت لصاً نفسياً عوض عن أن أكون طبيباً نفسيّا يعالج الناس، أصبحت شخصاً يتلاعب بعقول الآخرين لكي يسلب أموالهم دون أن يدركوا ما يفعلوا، ببساطة عوضا أن استغل قدراتي العقلية في ما هو شرعي، استغلته في ما هو غير قانوني، لست أنا من أريد هذا لكن يقول المثل : يصنع الفقر لصوصا ، كما يصنع الحب شعراء.

كانت أول سرقة لي في محل مجوهرات تملكه سيدة جميلة جداً، بصراحة عندما رأيتها عقلي لم يعد يفكر في السرقة, جمالها فاتن لكن ليس بناء علاقة هو هدفي في ذلك الوقت، عندما رأيت محل المجوهرات وبالأخص الطابع النسوي، فكرت في تطبيق إستراتيجية رد الجميل.

قمت باستغلالها عندما تظاهرت بأنني مغمى عليّ أمام ذلك المحل للمجوهرات، لكي تقوم بمساعدتي صاحبة المحل من أجل أن أرد لها جميلها، فبدأتُ أتقرب لها يوم بعد يوم إلى أن فزت بقلبها، وبحبها لي حتى تمكنت من الاستيلاء على أموالها بطريقة ذكية، فأصبحت تفعل أي شيء أطلبهُ منها. في الحقيقة جعلتها مثل الدمى المقيدة بخيوط تحركها.

و أما عن السرقة الثانية التي قمت فيها بتطبيق إستراتيجية إغواء اللاواعي للشخص الذي أردت سرقته، فمازلت أتذكر عندما كنت ادرس في العام ما بعد الأخير في علم النفس، أن هناك دراسة وجود بعض المؤثرات الخفية التي تجعل الشخص يقوم بفعل ما دون أن يكون مبرمجاً لذلك.

فعلى سبيل المثال تدفع رائحة المنظفات الشخص للقيام بتنظيف وترتيب المكان، ونفس الشيء يحدث له بعد رؤيته لصور عيون، حيث ترمز العيون وتوحي بوجود مراقبين بالمكان. ومثل أن يصبح الشخص أكثر تقديمًا للعون، إذا سمع كلمات أو جملا مثل ” أنت شخص متعاون ” و ” يُمكن للمرء أن يعتمد عليك “، ومع ذلك لا ينتبه لوقع هذه الكلمات وتأثيرها عليه.

وتعتبر هذه التأثيرات في علم النفس وسائل من إغراءات اللاوعي، حيث يُمكن أن تتمثل في كلمات، وأصوات، وروائح، وإيماءات، أو مشاهد قد تقود الشخص لفعل ما لا يكون سيفعله بعيدًا عنها، وهذه الإستراتيجية هي التي حاولت تطبيقها مع الضحية الثانية، وذلك من خلال إمضاء أحد الأغنياء على شيك بمبلغ 300 مليون درهم مغربي.

و الآن فإنني خرجت من السجن الذي قضيت فيه 6 سنوات، بسبب جريمة قتل لم ارتكبها. عندما أردت أن أخدع احدهم واسلب منه أمواله، لكن عندما قمت بالخروج من منزله وجدته الشرطة مقتولاً، بسبب بعض المناوشات مع أعدائه.

وسبب دخولي إلى سجن هو أحد الشهود، وبصماتي التي وجدت في منزل الضحية، لكني خرجت من السجن عندما اكتشفوا أنني لم أقترف تلك الجريمة، وبالرغم من خروجي من السجن، تذكرت أنني سأخرج إلى سجن آخر مظلوما على جريمة لم أرتكبها، وهي جريمة أمي وأبي عندما قاموا بولادتي في هذا البلد الذي أعتبره سجنا، لا فرق بينه وبين السجن الحقيقي الذي جعل مني لصاً وضحيةً.

تاريخ النشر : 2020-11-09

مقالات ذات صلة

13 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى