أدب الرعب والعام

المدموغ

بقلم : عطعوط – اليمن
[email protected]

رعى الله من قرأ و أثاب من علق و أحسن إلى من نشر و دقق ، و سلم من سلم الناس لسانه و يده ، و غفر لمن سمى و أستسمى و على النبي صلى.

ذات مساء في الماضي البعيد امتد الجد على السرير
و أتى اليه حفيده الصغير : لن ندعك تنام يا جدي قبل أن تحكي لنا قصة .
رشف الشاي و استند و بعد أن صلى على محمد
قال : سأحكي لكم قصة حدثة لي ، في يوم من الأيام أيقظتني حرارة الشمس مرهق مُجهد
، نظرت إلى اقصى حد فلم أجد حولي أحد
أحس رأسي ثقيل و الدماء منه تسيل ، فلمحت عصى على بعد مرمى مغروزة في الصحراء
، ظننتها إشارة لمن ظل مساره ، اقتربت منها فإذ بها حية هاجمتني بشراسة ، قذفتها بحجر وقعت في فمها ، كانت قد سبقتني فضخت في جسدي سمها ، ابتعدت مسرعاً عن المكان ، استعر بدني و فقدت بصري ، خلعت ثيابي و النعال ومرغت نفسي بالرمال ، اشتدت حرارتي ففقدت وعيي
، سمعت نداء خفي يقول : إذ رشه ببوله عاد اليه نظره ، شعرت برذاذ ظنيته مطر ، أفقت و قد عاد إلي البصر ، كان قد ذهب النهار و حل الظلام
و زاد نهمي إلى الطعام ، مشيت في الصحراء تائه محتار لا ادري إلى أين المسار ، أنست نار فاستبشرت خير و نحوها حثيت السير
، إضاءة القمر فتلاشت النار و لم يعد لها أثر
، استمريت قريب بعيد ، فربما أجد في رمادها بعض الوقيد ، عثرت على صخرة كبيرة مبعوجة صماء ملساء ، مدورة من كل الأنحاء ،
متلونة بلون السماء ، درت حولها و بصعوبة صعدت إلى سطحها ، عثرت على بركة صغيرة مليئة بالماء ، شاهدت القمر من خلاله في كبد السماء ، شربت حتى ارتويت و ذهب عني الظماء.
جلست القرفصاء و بقيت أنظر في الماء مستنداً على ذراعي إلى الوراء ، حسيت تحت كفي بقطعة كالعصاء ، أخذتها فإذ بها خنجر يعتريها الصداء
، صقلتها بالصخر بحذر فتطايرت الشرر ، لمحت هامة قادمة كأنها مركبة على الرمال عائمة
، غادرت الصخرة بأقصى سرعة و تسلقت جذع شجرة سدر يابسة ، فإذا بنمر شم الماء دون أن يشرب ، فنزل و نحوي اقترب ، جلس تحت الشجرة ناظر إلي ، فسقطت أمامه مغشي علي
، كان يرن إلى مسامعي زمجرة و زئير كأنها رفس حمير ، عاد إلي وعيي ففتحت عيني
فشاهدت النمر يستقيم فوقي و أنا تحته يظلني بظله
و عدد من السباع تحوم حوله ، أيقنت بالهلاك بعد أن أوشك القمر على الغروب و استحالة الهروب
، زمجر أسد من قلب الصحراء فتراجعت السباع إلى الوراء ، و عند اقترابه كشر أنيابه فتلقاه النمر بمخالبه ، أشتد بينهما العراك ، فقدت رشدي وغبت عن وعيي ، صحيت الصباح على صرير الرياح
فشاهدت أشلاء الأسد متناثرة و رؤوس السباع متطايرة ، و آثار العراك على الرمال ظاهرة
شعرت برجفة كالزلزال ، بحثت حولي عليّ أجد ما استر به عورتي ، لم أجد لثيابي آثر عدا الخنجر ، فسلخت الجلود عن الأجساد و انتزعت القلوب والأكباد فكانت لي خير زاد ، ثم اتخذت من الجلود سترة ما بين الركبة والسرة ، نظرت إلى الصخرة فوجدتها صماء لا يوجد فيها بركة أو ماء
حملت ما تيسر من لحم السباع ، ثم حثيت في الهواء حفنة من الثراء ، و حيث غدى الغبار كان هو المسار ، و قبل الغروب حط بي الرحال على شاطئ بحار كثيف الأشجار كثير الأدغال ،
اشتد بي الظماء ، اغترفت من البحر حفنة ماء
، كان شديد الملوحة فزادني ظماء ، اغتسلت فذهب عني زهم البول ، تفحصت المكان عرضاً و طولاً
دبغت الجلود بماء البحر المالح فذهبت عنها الروائح ، أويت إلى خدر في جذع شجرة عملاقة
و أخرجت ما فيه من زواحف وعقارب ، و على الباب علقت رأس الأسد فاتح فاه بشكل مرعب.

لمحت غزالة ترضع صغيرها نفطة وفرة ، فهويت بالخنجر نحوها فعقرها فجثت على رجليها
، اقتربت فرضعت و احتجزت صغيرها كي أضمن عودتها تذهب وتعود قبل المغيب ممتلئ ضرعها بالحليب ، بقيت على هذ الحال أشارك الحمل حليب الغزال ، في الليل أردت أن أسن الخنجر بحجر
فشاهدت تطاير الشرر ، فجمعت العشب و أعواد الحطب ، فكررت حتى اشتعل اللهب
، هممت بذبح الحمل وعلى شعاع القمر لمحت سلحفاة خرجت من المياه ، وعلى بُعد خطوات توقفت و حفرت حُفرة وعليها جثة برهة
ثم دفنتها وعادة من حيث أتت ، في الصباح
نبشت التراب فعثرت على كوم بيض كبير الحجم مطاطي القشور في الحفرة محشور ، نقلتها إلى ظل غير بعيد و وضعت بعضها على الوقيد
، كانت لذيذة و كنت بها سعيد ، أوشك البيض على النفاذ ، جلست محتار و قذفت الأمواج إلى الساحل حوت جبار ، اقتطعت منه المزيد والمزيد وشويته على الوقيد فكان يوم عيد.
قررت البحث عن مصدر ماء ، فلم يكن حليب الغزال يدفع عني الظماء ، مشيت على الساحل حاف فنهشت قدماي حراشيف القواقع والأصداف
، شاهدت حطام قارب مركوم على احد الجوانب
، فتشته و عثرت فيه على خفين و منجل وعتلة
، انتعلت فمشيت ، شاهدت عشب أخضر في مكان متصحر ، أسرعت اليه و تفحصته فشممت رائحة الماء تفوح من جذور الأعشاب و الرطوبة ظاهرة على وجه التراب ، قررت الحفر قد يكون قريب
كان قد داهمني الظماء و دنت الشمس من المغيب
، عدت مخدعي بت ليلتي في خيال أتخيل أن الماء على وجه الأرض سال ، مع الأسحار ذهبت في نفس المسار ، أخذت المعول والعتلة فبدأت الحفر بهمة ، و كلما تعمقت في الحفر زاد الطين بِلة
، عملت عدة أيام مستدامة حتى صارت الحفرة في مستوى القامة ، يئست بعد أن تعمقت الحفرة و صار الحفر أكثر صعوبة ، بعد عدة أيام عدت
وجدت الغزالة ترعى قرب الحفرة
والماء يفيض و يسيل بغزارة ، شربت بشراهة
و أتيت بالأحجار و بنيت الجدار كي لا تنطمر الحفرة وتنهار .
كنت آتي مع الغزال واقض حولها معظم النهار
، شعرت بالاطمئنان ، مررت على القارب و عثرت على خطاطيف صيد ، حاولت عدة مرات و فشلت بإجحاف ، إلا اني نجت في نهاية المطاف
، عندما شاهدت السمك ينقاد خلف الخطاف ، أمسكته و هو يرف الزعانف ، فتخطيت المخاوف
و شعرت بسعادة لا تُضاهى بعد أن حصلت على الماء والغذاء ، بنيت كوخ قرب الماء استظل فيه من الحمى ، لم أعد أذهب إلى الخدر إلا في المساء
، ذات يوم شاهدت غزال إلى جوار الغزالة في المرعى قرب عين الماء ، حاولت أن اصطاده بالخنجر إلا انه فر .
بعد فترة تغيرت أحوال الغزال و قل حليبها تدريجياً إلى أن زال ، و بعد فترة نظرت زوج غربان يحلق فوق المكان ، ذهبت فوجدت الغزال قد ولدت تؤام
و هي حوله تلعقه و تهمهم ، حملتهما في حضني و أوصلتهما إلى خدري و الغزال تجري خلفي
، فتكاثرت حتى أضحت قطيع و كان أمرها فضيع
تنفط لتشعرني باقتراب الخطر و تحجل لتيقظني في البُكر.
تلتف حولي كالضأن و تبات جواري شاعرة بالأمان ، اتخذت من لحمها غذاء و حِكت من جلودها نعال و رداء و قِرب للماء ، أضحت حياتي نعيم دائم غير منتهي ، لحم طري و حليب هني و ماء مري ، ازداد جسمي نظارة و قوة و كمال ، شعري طال و تلون بلون الرمال.
مرة السنيين والآجال و انا باق على نفس المنوال
، حلمت في المنام أني طرت في الهواء و بقيت بلا مأوى .
ذات مساء جلست خارج الخدر استنشق الرذاذ
، كان موج البحر متلاطم ، لمحت قارب عائم
متحطمة صواريه و لا أحد يعتليه ، فجأة ظهرت من تحت الماء فتاة تصارع و تكابر حتى وضعت قدميها على البر ، عارية لم يسترها سوى شعرها ساتر ، جوهرة من الجواهر تبهج الخاطر وتسر الناظر ، آنسةً بالنار فحثت نحوي المسار ، ظهر مخلوق بشع خلفها تبعها يريد الإمساك بها ، عاري جلمود مقلوب الشفاه لا فرق بين وجهه وقفاه
، تلمع أسنانه و عيناه كأنها برد رُصعت على صخر أسود .
دخلت خدري استتر والنار أمامي تستعر
، اقتربت الفتاة من النار فأشحت طرفي عن جسدها العار ، فصرخت صرخة استغاثة بصوت مريع
بعد أن شد شعرها بإحدى يديه بشكل فضيع
و حملها في حضنه كالرضيع ، فلوحت بيدها نحوي و قالت: أجيروني يا سكان المكان.
تنفست الصعداء فلبيت النداء ، و قبل أن يخوض بها الماء صحت عليه بصوت لا إرادي
: توقف ! استمر ماشي و لم يكترث لأمري ،
اقتربت منه ناديته : دعها يا غريب.
لم يلتفت و لم يجيب ، انتفض جسمي فرميته بالخنجر ، انغرز في ظهره و غاص و لم يبق منه عدى مقبض الأخماس ، التفت نحوى فاتحاً فاه كأنها وقعت على ظهره حصاة ، عاد إلى البر فوضع الفتاة و الدم يسيل قفاه ، عض لسانه و برزت أنيابه و هجم علي بكل كيانه ، نفطة الغزال فتوقف ، دخلت وكري أتدبر أمري ، و عند وصوله الباب تصلب و تجمد بعد أن نظر إلى وجه الأسد
، دار نحو الفتاة و كان الدم ينزف بغزارة
، خرجت خلفه و قذفته بشرارة ، أثارت الجمرة غضبه و نحوي عاود الكرة ، خدعته فاختفيت و من خلف الأشجار لفيت حتى وصلت إلى الفتاة ،
اقتدتها دون أن يشعر بينما كان واقف إلى وجه الأسد ينظر ، التفت فلم يجدها فحل به الفزع ونحو الغزالة هرع ، أتيت بها إلى الوكر و أدخلتها و على جلود السباع أجلستها ، ثم خرجت فإذ به قد افترس الغزالة ماصاً للدم و هو يسيل ينهشها بأنياب كأنياب الفيل ، أظلمت الدنيا بوجهي فقد كانت الغزالة بمثابة إمي ، فقلت: تدور الدوائر على الباغ ، كريت عليه بعصاء فراغ و باشرني بركلة هوت بي فعلقت في فرع الشجرة ، حاول التسلق
و كلما صعد انتكس فتقوقع و جلس .
أمطرت السماء مصحوباً بالصواعق والبوارق
، انفجرت فيه صاعقة تصاعد إثرها الدخان وملاء المكان ، لم يعثر في مكانه إلا على الخنجر لا أقل ولا أكثر ، بقيت الخنجر تلمع ليس عليها أي أثر ،
ضمدت جروح الغزالة بعناية و كانت لا تزال فيها حياة ، عدت إلى الوكر متبلد فوجدت الفتاة جالسة و قد سترت عورتها بجلد .
سألتها بعد أن طمئنتها بهلاكه : هاتِ ما عندك ، أشرحي قصتك؟.
ردت : أنا من جبل القمر ، أبنة الملك الأشقر ،
خطفني هذ المارد و حملني على قارب متهالك
وإليك سلكت بنا المسالك.
– و ماذا كان يريد من وراء ذلك؟.
– يوصلني هدية لاحد ملوك الجان .
– كيف السبيل لإيصالك لأهلك؟.
ردت: علينا العثور على القارب ، ففيه النوادر والعجائب .
فنزلت بمفردها وغاصت و بعد برهة عادت
وقد ارتدت الثياب ، في يدها قلنسوة و في اليد الأخرى جلباب ، القت إلي بالقلنسوة ، بمجرد أن حطتها على رأسي فقدت حواسي فإذ أنا
بين بشر معلقين على فروع الشجر وجوههم في نحورهم ، حُفاة عراة لم أفهم لهم لغة ، عيون غائرة و أنياب بارزة ، للواحد منهم فرج رجل و فرج إمرأة .
سألتها : من هؤلاء ؟.
ردت: أنهم من سكان جزر الفلكان ، قيدهم والدي في هذا المكان ، فلا يستطيعون مغادرته على مر الزمان ، فالأشقر مصدر الشر يتغذى على دماء البشر و له خُدام يأتوه بالأخبار بلمح البصر.
جلسنا على حافة نهر جاري ، ملأت كفي وهممت أن اشرب.
أمسكت بيدي وقالت: أنظر هؤلاء الجامدون كالأصنام ، كانوا بشر تماماً بتمام و عندما شربوا
و أستقر في بطونهم الماء تجمدوا كما ترى ، أتبعني أصلك إلى الماء .
مشينا سهل كثيفة أشجاره ، ناضجة ثماره ، انتهينا إلى صنبور منحوت من الصخور و إلى جانبه كوب فضة مربوط بسلسلة ذهب ، أخذت الكوب و وضعته تحت الصنبور فصب ، شربت و هي لم تشرب .
سلكنا طريق متعرج نحو القمة ، دخلنا كهف نستظل فشممنا رمة ، فإذ به مليء بعظام و جماجم بشر ، و البعوض والسوس فيها تنخر.
قالت: هؤلاء من التهمهم البحر في مراكب المسافرين ، فاحضرهم الغواصين ليكونوا طعاماً لهم لعدة سنين.
صعدنا فوجدنا أشجار عملاقة تعشعش فيها النحل بكثافة ، فشاهدنا في أحد الفروع عسل مشروع
، اقتربنا فتدلى الفرع الينا فكان العسل في متناول أيدينا ، أكلت حتى اكتفيت فعاد الفرع في الارتفاع
ولم تأكل هي.
و في المساء أوينا إلى كهف محكم في أحد القمم
تلمع جوانبه و حيطانه كالزجاج ، قاعه مفروش بالحرير والديباج ، يُسمع للصوت داخله صدى
يستمر في التلاشي إلى أبعد مدى ، جلست و نويت الرقود ، فخرجت هي و لم تعود.
أتت الصباح في يدها عنقود بلح و حبة تفاح ، أكلت جُلهما و لم تأكل هي من أي منهما.
ثم صعدنا فدخلنا مغارة في نهايتها بوابة
، فيها صنمان واقفان متقابلان حارسان
فكان أمرهما عجيب لا يسمحان بدخول أي غريب.
رفعا السيفان فدخلت أمامي ثم أعادا السيفان بعد أن عبرت فمُنعت أنا من الدخول ، حاولت أن اقترب من الأصنام فتصلبت حواسي والأقدام ، عادت و دفعتني للوراء ، فسلكنا منحنى شاهدنا سور شاهق
أسفله باب صخري ضيق ، طرقت الباب ففُتح من ذات نفسه ، فدخلنا متلاصقين ، فاسرع الباب وحشرني بقوة ، لمست القلنسوة فعاد و أنفتح لتوه
، مشينا حتى وصلنا حافة التل ، فإذ به يقابلنا تل
و بينهما هاوية مهب تندفع من قعرها حمم والسنة لهب .

قلت : يا فتاة ربما نهلك ، هل لكِ أن تخبريني باسمك ؟.
ردت: اسمي بلق .
– بلق ، سبحان من خلق ! والآن كيف السبيل للعبور من هذا الفج المسعور ؟.
ردت: أنظر إلى الصقر الواقف على سور المدينة
، اذا وقع السهم في عينه أتى الينا الصرح في وقته وحينه ، حذاري أن يقع السهم في القدم حينها تلتهمنا النيران والحمم .
قلت: أما الرمح فليس لي به نصيب ، فقد أخطئ وقد أصيب ، سأقذف الخنجر وسيأتيني بالخبر
، لكن قبل العبور أريد أن تفتيني في عدة أمور ؟.

– لم أراكِ تشربي الماء أو تشكي الظماء ، لماذا فمك لا يبلع الطعام وعيناك لا تغط بالمنام ؟.

ردت : حرم جوفي الأدام و هجرت عينايً المنام
، إلا بعد أن أخلص الشارد و الوارد من ظلم المارد
، فعولت عليك في قتل والدي مزاحم لِما رأيته فيك من إقدام حاسم .
عندها أخرجت خنجري من غمدي و هويت به بقوة زندي
فانتشل الصقر من موضعه فأتانا الصرح بأقصى سرعة .
مشينا عليه حتى عبرنا فأنسحب خلفنا ، أخذت الخنجر بعجل و بقي الصقر مجندل.
قالت: أبقى أنت هنا متخفي ، سأذهب إلى أبي .
استقبلها الأشقر على رأسه عُرف الديك .
سألها: لماذا سلمت القلنسوة لأعاديك ؟ أين اللص الشارد الذي قتل المارد ؟.
ردت: المارد خان فاستجرت بسكان المكان
، فأجارني أنسان فأعطاني الأمان ، سلمته قلنسوة الجان .
رد: اذهبي قبل أن يحل عليك غضبي ، أحضرية أمامي ؟.
عادت إليً بلق عيناها تقدحان و قالت: آن الأوان الآن .
أوصلتني إلى الشقروان ، كان صائل جائل بين الأبراج ، هويت عليه بخنجري فمزقت الأوداج
، اشتعلت فيه النيران فصار رماد ،
شرد من كان حوله و بطل عمل الأرصاد
، أخذت بلق عُرف الديك و وضعته على رأسها
و نصبت نفسها ملكة على الجان خلفاً لآبيها
، فكت قيود المقيدين في السهول والجبال
، أوقفتني إلى جوارها يحفها خدمها.
سألتني : ما هو أسمك أيها الأنسي ؟.
لزمت الصمت فأنا لا ادري كيف أتيت و إلى الصحراء أويت ، فلم يناديني أحد غيرها و لم أرى سواها ، بعدها اصطحبتني إلى حافة الجبل .
فقالت: انظر منابع النيل كيف تسبح فوق هذا البحر النتن ؟.
فشاهدتها تمشي على سطح البحر خيوط أمشاج
ثم تدخل تحت الجبل لتخرج من الجانب الأخر سيل عجاج ، التفتت و قالت: لم تفصح عن اسمك يا هُمام ، فليس لك هُناء مقام ، عليك الذهاب قبل أن تعصف بي روح الثأر والانتقام ، فأنت من قتل أبي و لا يُجدر بي أن أبقيك إلى جانبي .
تقدمت و أخذت القلنسوة من على رأسي فوجدت نفسي في سهل بين تلال تعصف بي الرياح وتنهال على وجهي ذرات الرمال ، فضاق بي الحال
و شديت الرحال ، فوجدت في الفلاة خيل مسجاه ،
اقتربت منها فوجدت سهم مغروز في زندها ، استللت الخنجر فأخرجته بحذر ، حاول أن أجعلها تقف ، إلا أنها كانت تتعثر ، وجدت قربة ماء على ظهرها فشربتها ، اقتدتها إلى مكان معشب فرعت
، و في الصباح وجدتها قد تعافت ، امتطيتها و تركت لها العنان في سلك الطريق والمكان
، انطلقت تسابق الريح ، توغلت في وادي فسيح
أشجاره باسقة على فروعها و القرود متعلقة ،
أوصلتني إلى باب كهف تحت الجبل وعند وصوله صهلت ، فخرجت من الكهف فتاة مكشوفة الراس في يدها فآس ، مكتنزة قوية ، طائية ، مسلهمة ، مكلثمة ، مشربة ، ململمة ، دعجى بلجى فلجى و ضحى ، تتخذ من شعرها رداء.
صاحت: يا ويلتاه ! أين أبتاه ؟.
خرجت خلفها أمرأة فناحت وا مقتولاه ، وصوبت رمح نحوي وهمت بقتلي ، بقيت مذهول لا ادري ماذا أقول ، ترجلت و ربطت الخيل في جذع نخيل
، فكثر الصياح و زاد العويل ، بعد أن أنضم اليهن رجل عليل .
أمسكت الفتاة حول عنقي و نظرة إلى وجهي
و قالت: أنت قتلت أبي ؟.
رديت : لست أنا ، و لم آت من قبل إلى هُناء .
قالت : تريث و أخبرنا ماذا جرى؟.
شرحت القصة بالتفصيل .
قالت: أرني السهم الذي انتزعته علي أكشف هويته؟.
أبرزته ، تفحصته بإمعان ثم قالت: هذا هو سهم دعجان.
– و من هو ؟.
– عدو والدي من زمان .
بعد ذلك أعطوني الأمان و قدموا لي الطعام وحليب الضأن ، ثم أتزرت الفتاة بالرمح والسيف واعتلت جواد نحيف و طلبت مني اللحاق بها كي أدلها
، كانت تروغ في الكثبان بجواد براق و كنت أجاريها السباق ، وصلنا فمسحنا الموضع مسح ماشطة و لم ندع فيه شاردة ولا واردة ، لم نجد لوالدها أثر ، بقينا نصول ونجول ، نعق غراب من نهاية التل ، ذهبنا فوجدنا أباها في خندق مجندل
فاقد وعيه مضرج بدمه و سهم مغروز في ظهره
، انتشلناه و على الجواد حملناه ، أوصلناه فطبته أبنته بعد أن أخرجت السهم من ترقوته ، استيقظ
و سأل : من هذا الفارس الغاضب و كيف أهتدى إلى المضارب ؟.
ردت: هو من وجد الخيل مسجى ، امتطاها والينا أتى ، لولاه لم نكن نعلم ماذا جرى ، الأن أخبرنا يا أبي من عليك جنى ؟.
رد : طلبت الصيد في الفلاة ، فصادفت دعجان و من والآه ، اطلقوا علي الرماح و أصابتني بجراح
، أنطلق جوادي مع الرياح ، هنالك فقدت لُبي و هنا فتحت عيني.
سالته : ماهي مشكلتك مع دعجان؟.
رد: مسألة لا يختلف عليها اثنان ، رحيلي عن هذا المكان أو تعرضي للعدوان ، فقد رأى أننا ننازعه الصيد والمراعي و نصده فلا نجيب له داعي.
قالت الفتاة : الحقيقة أن دعجان ظالم جبار
و قد صار بيننا و بينه ثار ، مغرق الناس بشره
من لم يلبي طلبه لقي حتفه ، في جميع الأحوال
يغتصب المال و الحلال و يفتض الابكار قبل أن تُزف إلى الرجال ، عزم على أخذي عنوة حليلة و لم أكن به راضية ، ارسل إلى خيمتنا مرسال
طالباً إيصالي إليه في الحال ، رديت على استعجال : لن يطال مني مطال لو فني البشر وعدم الذكر
لن أرض به نعل قبل أن يكن لي بعل ، كانت عيني أبي لوجهي ناظرة و إذناه لحديثي سامعة ، نظر اليه المرسال محتار ، فقال: الجواب ما قالته نوار.
خرج غاضب بعد أن لف رداه بكل قواه و دار
و قد عجب أشد العجب ، فلم يسبق و أن رُفض لدعجان طلب ، كانت ليلة ظلماء.
و بعد العشاء أرسل الينا جلاديه حاملين في أيدهم مشاعل لهب ، اشعلوا خيمة القطعان فتصاعد السنة النار والدخان و تعالى ثُغاء الشاة والضأن .
أخبرت أمي و أبي و جدي قائلة : سأختفي ، لن ادعهم يأخذوكم بوزري .
ظلوا صامتين إلى السنة اللهب ناظرين ، آتزرت برمحي و سيفي و على خصري خنجري ، تسلقت جذع نخلة و راقبت ما يدور متخفية.
كانوا ثلاثة ، دخل اثنان الخيمة و بقي واحد على الباب مراقب ، امسكوا أبي وهموا بشد وثاقه
، كان سهمي سريع اخترق رقبته فخر صريع محدثاً صوت مريع ، هرع أحدهم اليه فباغته بسهم
وقع في صدره و خرج يلمع من ظهره فلقى حتفه
، أمسك الثالث بأمي و بقي خلفها و مشى وهي أمامه حتى خرج من الخيمة ، فغاص في الظلام
، نزلت مسرعة فوجدت أمي على الأرض ملقية ، اقتفيت أثره ، كان يوجد أطراف الديرة جيفة جمل
والكلاب عليها متجمعة ، وعند سماعها للمطاردة نبحت ، فترجل وغير المسار نحو الجبل
، لحقته بعجل ، ثبر فتعثر ، قلت : خذ سيفك قبل أن أقطع عنقك.
رد: من أنت ، أكشف عن وجهك الخمار ؟.
رديت: أنا نوار ، لن أقبل الذل والعار .
استهان بأمري فتمالك نفسه و أشهر سيفه ، ظن أنه سيكسب الجولة ، تبجح و ترنح محاولاً جري
، كانت تتلاقى السيوف فتقرع شرر في الظلام
، فتدافعنا بالسيوف فارس الفارس و كان خلفنا هاوية متارس ، فمكر فكنت أمكر ، كر علي بشدة
فخنست من أمامه فسقط على رأسه في الهاوية
و كان هلاكه .
عدت مسرعة و وجدت النار في الخيام مستعرة و الشرر متطايرة و أبي و أمي وجدي كلاهم مغلوب على أمره.
قال أبي : نوار أبنتي كيف نجوتي ؟ هل أوصلوك اليه ؟ أين كنتي ؟ من قتل هؤلاء ؟
رديت : الأن ليس وقت جدال ، علينا أن نشد الرحال في الحال قبل أن يصلهم خبر ما جرى بالرجال .
مشينا في الظلماء و خضنا الدهماء ، فنفذ ما بحوزتنا من مؤنة ، فصادفتنا قافلة أناخت للاستراحة حاملة تجارة ، كانوا ذو بشرة سوداء لم نفهم لهم لغة إلا بالإشارة ، تزودنا منهم و رافقناهم مسيرهم ، كان لنا ثلاثة خيول نتناوب الركوب عليها ، وعند وصولنا هذا السهل رأينا الماء الجاري و الكهف الدافئ ، فقبعنا و ودعنا القافلة
، هذه حكايتنا مع دعجان كاملة.

قلت : هذا معتدي و على عاتقنا يقع التصدي.
رد أباها : أبق لدينا ضيف ، سنسترد حقنا بحد السيف ، لكن ما هو أسمك يا أسد الغابة ؟.
رديت : ليس لدي على هذا السؤال إجابة.
احتاروا في أمري فلا هم و لا أنا قادرين على فهم لغزي .
في أحد الأيام دعتني الفتاة : يا نمر خذ حط على الجرح قطر الصبر .
اهتز كياني بمجرد سماع اسم النمر ، فهو من حماني و من سم الحية عافاني .
فقلت : نعم أنا نمر ، و من النمر و إلى النمر اهتديتي ، فأنتِ خير من سميتي.
تبسمت و قالت: ستكشف الأيام سرك و تأتيني الرياح بخبرك ، من أمك ، من أباك ، من جدك ، من أخاك ، أين مسقط رأسك و مثواك ؟.
رديت : أنا أبن الصحراء ، نمر الفلاة ، أمي غزالة و أختي ظباء .
أندمل جرح أباها فنادى : يا نوار حان وقت النزال.
شدت نوار الخيل بعد منتصف الليل ، صحوت أنا في الأسحار و امتطيت خيل نوار ، بينما اعتلت نوار خيل هزيل يكسف الأنظار ، استقام الرجل العليل متكئ على عصى فقال: يا بيرق أجعل سيفك قاطع ، لا تدع من الأعداء فاطم و لا مرضع.
و قالت العجوز: يا بني كن شديد ، ترهب القريب والبعيد ، حماكم الواحد القهار من كيد الكائدين وفُجر الفُجار .
اثرنا الوادي بغبار الجياد ، على حين غرة أخذناهم
و أحرقنا مخادعهم و خيامهم ، من استقام حصدناه و بمن سبق الحقناه ، دخلنا مقام دعجان برز لنا بسيفين ، هويت عليه بخنجري ، اخترق ترقوته و سكن في قلبه فانتهى أمره .
جمعت نوار النساء نائحات عائلات ، فبرزت عجوز على صدرها كهرمان و طلبت الستر والأمان ، نظرت إلي نظرة ثاقبة خشيت منها العاقبة .
فقالت: ابني كرار يا للعار ! أنت من غزى الديار و قتل العذاراء و الأبكار ، كنت زاهد متقي بار
، وها أنت أضحيت من أفجر الفجار .
خفق صدري فرديت: لعلك أشتبهتي ، أنا نمر الفلاة ، غاز الغُزاة ، مركع الطُغاة .
ردت: أنت ابني كرار لا غيره و لا سواه ، و لي فيك علامة توجد في ذكرك شامة.
و بلاشعور صحت : وأُماه ، ارتمت في حضني استنشقتني من قدمي حتى شعر رأسي .
قالت: سبحان من أحياك بعد أن أماتك ، أصفح عن أخوتك وخواتك و أبنا عشيرتك .
فصحت بصوت جسور أرعب الحضور : اذهبوا لإطفاء الحرائق فقد غدى البائق.
نظر إليً بيرق نظرة استهجان فغادر مع نوار المكان ، ردفت إمي خلفي على الجواد مقتفي أثر بيرق ونوار ، وصلنا فشاهدناهم عند باب كهفهم واقفين والينا ناظرين مترقبين ماذا نحن فاعلين.
ربطت الجواد وحملت أمي على الزناد ، ذهبت نوار فأحضرت السجاد ثم أتت أمها بالزاد ، أكلنا و بعد أن أكملنا اجتمعنا حول أمي جالسين واليها ناظرين و إلى ما تقوله سامعين.
فقالت: أعلم يا كرار أنه حدث بين دعجان و أباك شجار ، في هذا الشجار قتل دعجان أباك ، فبرزت أنت لدعجان في الميدان و أشتد بينكم النزال
، فأتى ابن دعجان فألقى حول خصرك حبال . و طعنك بسيفه فمال ، فهويت عليه بسيفك أطرت رأسه من فوق أكتافه ، غضب دعجان و أخذ حجر فرجمك ، وقعت في مؤخرة رأسك فدمغك ،
فوقعت على الأرض مغشياً بدمك ، فأستيقن الجميع من موتك ، فامر دعجان بالإسراع بحمل جثتك إلى احدى الصحاري تنهشها الضواري ، و من يومها و دعجان يمتهن بقية عشيرتك ، كان ذلك أثناء مرور قافلتنا بحثاً عن الماء و المرعى
، بقيت في حسرة أسأل عنك الطيور المهاجرة والقوافل المسافرة علي أعثر على خبرك في أمسي قبل بكرة ، هذه قصتك فهات ما عندك ؟.
سمع الجميع سيرة كرار ، ضحك بيرق و تبسمت نوار ، فقالت: أجتمع الأخيار و كُسرت شوكة الأشرار.
قُلت : أزلت دعجان من الديرة ، الأن أنا شيخ العشيرة ، و إلي يعود الأمر و تدبيره
، اعرض عليك يا بيرق الاتحاد و إصلاح ذات البين و شئون العباد ، و بهذا يكتمل القصد و المراد.
رد بيرق بالإيجاب و رأته نوار عين الصواب
، حملوا المتاع و ذادوا القطيع مع الجياد و في عشيرة كرار ضربوا الأوتاد .
حلت البهجة و السرور و تيسرت كل الأمور ،
ذهبت أم كرار إلى أم نوار ، فقالت: كل ما أتمناه أن أرى كرار و قد أكمل بناء الدار ، و هذ لن يكون إلا بزواج كرار من نوار.
تم القبول و ذُبحت الإبل والعجول و زُفت نوار إلى كرار تحت وقع الطبول.
قالت نوار: ألم أقلك أنه ستأتيني أخبارك و تُفك كل أسرارك؟.
ضحك حتى انحناء و قال في كبرياء: زفتني اليك الخيول قبل أن تزفك إلي الطبول ، تمتعي قبل أن يحل بك الودق و تسمعي بقصة بلق.

مرة الأيام و انقضت السنيين ، أجدبت المراعي و شحت الآبار ، مل كرار من البحث عن مرعى ليل نهار ، اطبق محتار تراوده الأفكار ، أتت نوار
و أعادت إلى الوقيد الحياة .
قالت: ما لي أرى نمر الفلاة ، غاز الغُزاة ، مركع الطُغاة ، يائس من الحياة ؟ ألم تجوب الفيافي والقفار ؟ ألست أنت من حفر الآبار و بلا وقيد أشعل النار ؟ هل انتابك العجز والهوان بعد أن استعان بك الجان .
بعد أن سمع من نوار هذا السياق استفاق و إلى ماضيه تاق ، فجمع الأخيار و بعد أن أوضح
حاجة العشيرة للماء والكلاء قال: سأغيب عدة أيام أبحث عن مقام ، ستجلس في مجلسي نوار ، نجمها ساطع و سيفها قاطع ، عليكم الإذعان صغار وكبار
عبيد و أحرار.
في الصباح الباكر تزود بزاد مسافر ، أطلق عنان الجواد و نحو المشرق كان المسار ، بعد مرور بضعة أيام انتشر التذمر بين العوام ، نفقت بعض المواشي بعد أن شحت المياه و جفت المراعي فانتهز من تبقى من آل دعجان ظرف الزمان ، فعزموا على الانتقام و أخذ المقام ، فنشروا الوساوس والأوهام و حرضوا العوام.
فقال كبيرهم سمعان : أنتم تعلمون كما نعلم أن كرار مات من زمان و أن من أتى مع نوار وهاجم الديار مارد من الجان متقمص شخصية كرار
، فها هو طار و من حيث أتى سار ، انقضى الميعاد فلا هو عاد و لا أمطرت البلاد ، كثر الضجيج و الهجيج و الزحام بعد أن اجتمع الجميع أمام المقام ، بوجوه شاحبة و أفواه صاخبة تقدمهم سمعان فقال : خيروا نوار بين بيع القطعان أو شد الرحال إلى أي مكان.
كان بيرق يقف باب الخيمة شاهراً سيفه واضعاً سمعان نصب عينه ، رأت نفسها بمحنة و لا بد من أخماد الفتنة ، ظهرت مئتزرة مختمرة
بارزة غير مستترة ، يمينها بيرق و شمالها صعصاع ، اسمعوها الخيار و إليها توجهت الأنظار.
قالت : أعلموا أن ما قاله سمعان محال
، هذا صعصاع كما ترون من خيرة الرجال
، في أحشائي حملته و من صلب كرار أنجبته ،
أتوجه اليكم بهذا السؤال : اذا كان كرار مارد من الجان هل كان سيترك أهله و عشيرته يكابدون العجف والهوان ؟.
هز معظمهم رؤوسهم بالنفي و أشاروا بالبنان
، قاطعهم سمعان قائلاً : لكنه عجز عن الحل وعن أهله رحل ، و أراه لن يعود إلى الأبد ، فهو لم يصحب معه أحد .
تغير وجه نوار وتلبد فقالت: للجان قدرة خارقة في اختراق الجدران و سرعة الانتقال من مكان إلى مكان ، فلو كان كرار من الجان لاستطاع في لحظ الأعيان أن يجد مكان الماء والمرعى دون أن يجهد نفسة و يكابد العناء ، اقتنع جُلهم بكلام نوار
و قرروا الانتظار ، بينما الأخرين بقوا على إصرارهم رافضين التزحزح من أماكنهم .
رأت نوار أن الدخول معهم في شجار بين الديار سيخلف الكثير من الأضرار و قد يتستر الغوغاء خلف الأبرياء ، فقالت: من كان لسمعان مطيع فليذهب خلفه و يأخذ من القطيع نصيبه ، و ليعلم أننا سنقتفي أثرة و يكون على أيدينا أجله .
انصرف المطيعين وبقي العاصين حول سمعان ملتفين ، اعد القافلة سمعان و ذاد و من معه القطعان ، في الصحراء تائهين لا يدرون إلى أي مكان ذاهبين ، رصدت نوار مسارهم فاقتفت أثرهم
، ينامون النهار ويسيرون الليل ، طريقهم شاق مجرى سيل ، و بعد مسيرة يومين اعتراهم الإرهاق ، فنصبوا الخيام و أناخوا فناموا .
أنقضت نوار عليهم آخر نهارهم ، بقي صعصاع في الميدان يتقاطر اليه الفرسان و كل من وقع في مدار خشبته فُصل رأسه عن رقبته .
كان صعصاع رغم صغر سنه فارس قعقاع كل من رآه انصاع ، لا يحمل سيف فسلاحه خشبة شوحط ، و عند النزال يحملها خلف رأسه على كتفيه واضعاً عليها ذراعيه ، فيدور كما تدور الرحى ، فمن وقع في دوامته لقى مصرعه واصطدم بصاحبه دون أن يصل إلى صعصاع سيفه.

برز سمعان لنوار فتناطحا كالأثوار ، سقط السيف من يده فوقع على ظهره ، فغرزت نوار السيف في حنجرته ، تظاهر بالاستسلام و قال : قُتل صعصاع .
التفتت نحو أبنها ، فدفع السيف عن عنقه
و أخذ سيفه و استقام بأقصى سرعة ، شعرت نوار بالخدعة ، باشرها بكرة أنتشل خمارها ، فتناثر شعرها فكسى جسدها و ستر وجهها ، استقامت مرتبكة ، استغل الفرصة فهوى بسيفة نحوها بالضربة القاتلة وهي واقفه تنظر اليه متصلبة ،
فلمحت خنجر اخترق صدره ، فطاح السيف من يده و لقي مصرعه ، التفتت فإذا بكرار يقف خلفها على الجدار ، شاهراً في يده سيفه البتار.
فقالت: سلمت يداك ، كنت قاب قوسين أو أدنى من الهلاك .
توقف صعصاع ينظر ماذا حدث بعد أن تراكمت حوله الجثث ، شاهد شعر أمه مكشوف دون حجاب
، فغشاء عيناه الضباب ، تخطى الجثث نحو أمه حاملاً خشبته على كتفه ، كاد أن يفتك باباه لولا تدارك نوار بصياحها : هذا كرار .
تفاجأ صعصاع و بادر أبيه بالاعتذار عما بدر و صار ، ثم تلفت باحثاً عن جده بيرق
، فوجده قد فارق الحياة و جسده ممزق
، قتل سمعان بيرق في بداية النزال ، كان مصاب نوار كبير فسبق و أن فقدت أمها قبله بأقل من عام على أكثر تقدير .
عادوا بمن استسلم ذليل مهان مع القطعان إلى الديار يتقدمهم كرار ، عمت البهجة و ظهر السرور على وجوه الحضور ، أُقيم الحداد على بيرق و ذُبحت الذبائح و ناحت النوائح .
مضت عدة أيام فجمع كرار الأخيار و أطلعهم على ما جرى و صار ، فقال: عثرت على ماء غزير سباح ، وعشب منتشر في المروج والضياح ،
سننتقل بكامل العشيرة وقرب عين الماء نبني الديرة.
قالت نوار: يا كرار حدثنا عما جرى في رحلتك الأخيرة ؟.
رد : هذا أمر يطول شرحه و لا يحتمل الحاضرين طرحه .
ردوا بصياح : جميعنا مشتاقين للسماع والشرح والإيضاح .
جلست نوار يمين بينما جلس صعصاع شمال .
، و بعد أن أشعلوا الشموع أنصتوا بخشوع .
فقال: بعد أن حددت المسار طويت البراري والقفار ، فطال بي المطال ، صادفت غزالة بين كثبان الرمال ، نفطت و إلي نظرت ، ثم دارت و مشت
، عجبت لأمرها فلم تشرد كغيرها ، أدرت لجام الجواد و مشيت خلفها ، كلما كادت أن تختفي توقفت حتى اذا اقتربت منها مشت .
اقتادتني إلى المكان المنشود ، هذا المكان عشت فيه شبابي أثناء ما كنت فاقداً لصوابي .
فشاهدت أسد فضيع مريع يجوب ، و جماجم وعظام الغزلان تملأ المكان ، عرفت أنه لم يبقى من قطيع الغزلان سوى هذه الغزالة .
كان الليل قد دنى ، فتوجهت إلى عين الماء
فوجدتها كما هي ، و قد نمت و تكاثرت الأعشاب و الأشجار حولها ، ربطت الجواد و أنزلت الزاد
، دخلت الكوخ و أكلت ثم استلقيت .
في الصباح تركت الخيل في المرعى و توجهت إلى الخدر ، قبعت فيه مستتر ، ظهر الأسد و صال و جال و غادر ، فمشيت مسرع و دخلت وكره ،
فوجدت اثنين من صغاره ، ذبحتهما و أبقيتهما في موضعهما ، أمضيت نصف النهار و أنا في نفس المكان .
فجأة سمعت سحب استرقت النظر فإذا بالأسد آتى يجر في فمه غزال ، وصل باب و كره فدار و دخل زحفاً بمؤخرته جاراً للغزال بفمه ، كانت المغارة ضيقة بالكاد تتسع لجسده ، بقيت جامد عن الحركة حتى اقترب ، فمسكت ذيله بقوة و بالخنجر طعنته في بطنه ، حاول أن يلتفت دون جدوى ، بقي محشور فالمكان ضيق لا يستطيع الالتواء .
استمريت في طعنه حتى أخرجت أحشائه من جوفه و يدي ممسكة ذيله ، لم أتركه إلا بعد أن صار جثة هامدة.
القيته في العراء و رميت خلفه الجراء ، ظهرت الغزال تهز ذيلها محتفلة بموت خصمها .
ذهبت إلى الجواد وعدت مسرعاً نحو الديار أزف اليكم الأخبار .
فوصلت في الميعاد المحتوم ، بلغتني أخبار سمعان و فراره بالقطعان و اقتفاء نوار لأثره ، فجديت المسير واليه كان المصير .
إلى هُنا انتهت كل التفاصيل ، استعدوا للرحيل .
رحلت العشيرة و أخلوا الديرة ، وصلوا المكان و شعروا بالأمان ، رعت القطعان و حُلبت الضأن
، فبنوا الأكواخ و نصبوا الخيام و عاشوا بسلام
، فأضافوا مهنة الصيد البحري إلى جانب الصيد البري و رعي القطعان ، و بدأوا بزرع الحبوب بعد أن استصلحوا الأراضي الزراعية ، فاستقروا
و انتقلوا من حياة البدو الرُحّل إلى مدن الحضر
، فأسسوا مدينة ساحلية و أقاموا الحضارة المدنية.

و في النهاية و الختام صلوا على خير الأنام.
اللهم صل و سلم عليه وعلى آله و أصحابه أجمعين ، و من تبعه بإحسان من اليوم إلى يوم الدين …آمين ..

عطعوط

اليمن

مقالات ذات صلة

28 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى