أدب الرعب والعام

رثاء للسيدة ع

كانت عارية كموزة مقشرة، وظهر أديم جسدها لنا ناعماً يلمع

تخيلنا منزلاً تأكله النيران. تخيلنا أنفسنا بداخله ولا نستطيع الفرار. ثم تخيلنا مطراً نزل علينا فأخمد النيران، وحينما حدث هذا، توقف المطر. عرفنا أن المطر هو السيدة ع.. تهبط من السماء، تخمد نيران دواخلنا، ثم ترحل. هكذا.

تقول لي أميرة:

_ مثل الملاك؟

أجاوبها:

_ نعم.

_ مثل النجوم؟، مثل الفضاء مثل القمر مثل السحب؟

_ ربما.

لسبب ما، رفضت السيدة ع أن تخبرنا باسمها. عبلة؟ عزة؟، عبير؟، هل هو أصلاً أول حرف من اسمها؟، لا أعلم… لا أحد يعلم على ما يبدو.

في القصة يوجد ما أتقبله، وما لا أتقبله. الذي أتقبله هو أن تخفي اسمها عنا. المسائل الشخصية مهمة فعلاً، وقد تبني بيوتاً وتهدم أخرى، فذاك احترامي لها يصل لهذا الحد، ويتوقف عند الأمر الآخر الذي لم يعجبني، وهو شيء مثل الخبال والعبث!. إن السيدة ع ترفض أن تكشف عن وجهها لنا. تلك مهزلة! .

يسألني داوود زميلي وهو يلتهم الدجاج الذي جلبته السيد ع لنا:

_ هل هذه لعبة؟

كان فمه ممتلئاً والكلمات تخرج من فمه بصعوبة. أقول له:

_سل الميتم.

_هل تأكل طعامك؟

_ لا.

_ هل آكله؟

_لا.

_ من يأكله؟

_أميرة.

_ هل تكره السيدة ع لأنها تجلب لنا كل هذا الطعام؟.

_ لا أعلم.

إقرأ أيضا : الفراق

ثم نسألهم عنها فلا يقولوا لنا شيئاً واحداً يخصها. إنما بين يوم ويوم، يأتينا أحد العمال محملاً بأكياس من أشياء كنا نراها جواهر في ذلك الوقت، ويقول لنا إن هذه الأشياء وصلت من السيدة ع. جواهر الطعام والألعاب والثياب. في سنة ألبستنا وأطعمتنا وأفرحتنا. وفي السنة التي تليها اختفت.

الميتم مثل الصخر، لا يتبدل بمرور الأزمان، ونعيش تحته حشرات بسيطة تقتات من الزائرين والزائرات. السيدة ع أتت ورفعت تلك الصخرة، بلسان حال يخبرنا بأهمية الحرية والحياة والسعادة. الضوء الذي أتى؟ سعد بعضنا به، واحترق البعض الآخر. مشكلة هي، أن تعطي شيئاً لمفتقده بعد فترة طويلة. قد يموت من فرط اللذة، أو قد يتحول إلى شخص آخر، تلك هي الحياة، غامضة غريبة.

لما كبرت سألت القاصي والداني عنها، سألت الحيوانات والطيور والسماء، سألت خشاش الأرض، واتفقوا جميعاً عليّ بصمتهم، إلا عم جابر، رجل الأمن الذي أخبرني أن أكف عن العبث وأعود لسريري، ثم يشتمني متسائلاً عن كنه المخلوق الذي يستيقظ في السادسة صباحاً ليسأل عن متبرعة قديمة للميتم، فعرفت شيئين. السيدة ع متبرعة، والسيدة ع متبرعة قديمة. شكرته ورحلت فعاد لفعل ما كان يفعله، وراح يجول في طرقات صالة النوم يتجسس على الفتيات الصغيرات وهم نيام، ولم أعلم أي صنف من البشر هو، حتى مر عليّ زمان أفهمني. حتى خرجت من الميتم بعد خمس سنوات. العشرون يا سادتي هو سن كل الأشياء. سن الهروب وسن الحب، سن الحياة والتجارب وما يجمعهما. سن البحث عن السيدة ع.

إقرأ أيضا : العائد من وراء الشمس

كنت أجلس قبالة النهر وأفكر فيها. أتخيلها لأرضي خيالي وأسكت أصوات نفسي. هل هي شقراء أم صهباء؟ هل هي كبيرة عجوزة أم صغيرة شابة؟ هل هي جميلة أم قبيحة؟

في نهاية نفق الخيال، خرج قطاري إلى الضياء وانتهى إلى أنها الضياء نفسه. نعم يا أميرة.. مثل الملاك، إني أذكر حوارنا ذكر رؤى ما يقع عليه بصري الآن.

أميرة هي أختي الصغيرة، وقالوا لي إنهم وجدوها معي في شوال واحد، وكنت حينها في الرابعة وكانت في شهرها الثاني، وبدت لي طرفة أن يفيض بأمٍّ الكيل فتضع أولادها في شوال وترميهم على قارعة الطريق، فأضحك منها ثم أنطوي على نفسي وأبكي وأقسم أن لا أم لي سوى السيدة ع.

تسألونني يا كرام عن أسباب هذه الأفعال. لماذا هربت دون أميرة؟ لماذا لم أعد إلى أميرة حتى بعدما كونت ثروة تملأ بيوتاً بأوراق البنكنوت؟ ولماذا فعلت ما فعلته؟ لماذا أقف أمامكم الآن؟

الإجابة يا سادتي هي أن أميرة ماتت، كانت من الذي احترقوا بضياء السيدة ع.. ماتت حزناً يا أفاضل، تقولون، وهل يموت المرء حزناً؟ نعم يموت. قضيت سنيناً في المدينة أبحث وأتحرى، وعملتُ كناساً وخشاباً وبائع خضر وعامل بناء، وفتحت متجري لبيع أدوات الصيد، فابتسم لي وجه الرزق، ومضت ابتسامته تتسع حتى ما رأيت شيئاً بعدها.

إقرأ أيضا : ليلتان و ليلى

ابتعت ميتم ورقة الخريف بعد ثمان سنوات من خروجي منه، وأول ما فعلت كان استجلاب عم جابر رجل الأمر، وكان قد كبر حتى بلغ الشعر الأبيض منه مبلغاً، فتعجبت في نفسي وقلت كيف يمكن أن تغير ثمان سنوات من المرء هكذا! وصفعت الرجل، وضربته وأهنته وأخبرته أن يبقى بعيداً عن صالة نوم الفتيات وإلا قطعت عنه سبب رزقه مع شيء آخر، فلم يعترض. ثم سألته عنها فقال من فصرخت به، قلت إنه يعرفها، فتقلص وجهه ولم يعرف، فوقفت وكنت طويلاً وكان هو ربعة القامة، فارتفع نظره قليلاً لأعلى، وانبث خوف في وجهه، ولما رأيته على حاله تلك اعتذرت وأجزت له مكافأة من الخزينة وتركته يذهب إلى سبيل حاله.

وذهبت في اليوم التالي إلى الأرشيف فبحثت مع داوود صديقي من الميتم، وكنت قد رقيته إلى مدير الأرشيف والأورلق القانونية، وسألني يومها:

_ لماذا لم تجعلني مديراً للميتم؟ ظننت أنك تبحث عمن تثق بهم لتضعهم في المناصب المهمة.

_ لأنك جشع ولا ترضى، وستأكل مال اليتامى، ولو لم تكن لما طمعت وسألت.

ابتسم وراح يفتح الأدراج ويكمل بحثه في الأوراق.

لما وقفت السيارة أمام العنوان المدون أمامي على ورقة كُتب عليها السيدة ع، ارتجفت. وسألت سائقي الذي كان أحد زملاء الميتم:

_ هل تنزل معي؟

فيرتجف ويجيب بأن نعم وألف نعم. كان عليه هو أيضاً أن يرى الضياء. لا أحد في ميتم ورقة الخريف يقول لا لرؤية الضياء. ونزلنا ومشينا فوق الثلوج إلى بيت رقم عشرة على ناصية شارع الأمل. قال لي قبل أن يقرع الجرس:

_ هل أنت مستعد؟ فهززت رأسي وسمعنا صوت الجرس. فتحت لنا امرأة لما رآها زميلي كاد أن يخر مغشياً عليه. كانت آية جمال وحسن، وظننت أن لهيبي برؤاها سيذيب الثلج من حولي.

إقرأ أيضا : قدر – الجزء الأول

شعرها رمادي وعيناها، ولها سطوة في نظراتها جعلتني أدعو لسلامة نفسي. وكانت بيضاء كالسكّر، ولو وقفت جانب الثلج لما فرقنا بينهما. أما الجسد فأعجوبة الأعاجيب يا سادة. سألتها:

_هل هذا بيت السيدة ع؟

تقول وهي تنفث دخان سيجارة اعتصرتها أصابعها:

_ ذاك اسمي المستعار.. ماذا تريدون؟

ومع آخر حرف انتحى زميلي وراح يقيئ، فتوجست المرأة. سألت:

_ هل صديقك بخير؟

_ نعم.. أكل بيضاً فاسداً صباح اليوم.

الجسد يا سادة.. الجسد. شيء لم أر له مثيل من قبل. كنت أحترق وأذوب. تسألون، كيف تتحدث عنه وهو بالطبع كان مختبئاً تحت أطنان من الملابس بسبب برودة الجو؟
السيدة ع كانت عارية كموزة مقشرة، وظهر أديم جسدها لنا ناعماً يلمع. حفل من حفلات المجن والسكر والعربدة، يستضيفها منزل السيدة ع. تقول لي:

_ ادخل. الجو دافئ في الداخل.

ثم تغمز مبتسمة:

_ سيعجبك.

ابتسامة شيطانية تحمل ألف معنى أصلهم واحد. أترك زميلي وقيئه، وأخطو عتبة منزلها. هناك حدث كل شيء. هناك أسألها عن الميتم فلا تتذكر، أقول لها إنه ميتم داومت على إرسال العطايا له سنة كاملة، ولم أقل لها أنها كانت بطلتنا جميعاً. تتسمر قليلاً ثم تضحك، وتخبرني بالحكاية. إنها ابنة أباها المدللة، راهنت رهاناً مع صديقة لا تتذكر اسمها، وكانتا في الثانوية حينئذ، وخسرت رهانها، والجزاء؟ الجزاء يا محترمين أن تغدق على ميتم ما لسنة كاملة، ووقعت العين على ميتم ورقة الخريف. هكذا تذهب إلى والدها الثري، تبكي وتتصنع، وتنال منه الرضا، وننال نحن عامنا الفردوسي.

إقرأ أيضا : بين الأمس واليوم

أنظر لها بدهشة. جزء مني يريد أن يتفحش بها حتى لا أذرها إلا بقايا امرأة، وجزء آخر انتصر دون عناء. دوى الصراخ وركض العراة في كل مكان. توقف الفاعلون وهلعوا، وانطبقت السماء على الأرض. لم يستوعب أحدهم كيف قضم رجل غريب رقبة مضيفتهم حتى صنع بها فجوة، ولا كيف نزفت المرأة ونظرة الهلع ترتسم على وجهها. تمنيت أن يرحمها الرب ويرحمني. كان فعلها طيباً وفعلي شرير، واختلفت الآيات. ثم أفقت.

كانت لا تزال أمامي باسمة تسألني عن سبب اهتمام رجل محترم مثلي بميتم هابط فقير. تركتها وفررت، كنت أركض وراء صوت حسبت أني أعرفه، وإذ بي أهرب من صوت لا أعرفه. وقضيت أياماً في الملجأ لا آكل ولا أشرب إلا ما يبقيني حياً، ونمت على سريري القديم، فعدت بذاكرتي إلى زمن كنت أفرح فيه بهدايا السيدة ع.

إني أرثو لها، كيف تركها حب صادق ومشاعر صافية، دون أن تدرك أنه موجود أصلاً. وفكرت في أن أقتلها فعلاً وليس خيالاً، حتى أحطم صنم جاهليتي، لكني لم أقو، وظللت أرثو لها كل ليلة، وأحارب نكايات أحلامي المحطمة. وحلمت بها وكانت في الحلم طيفاً يرتدي أثقالاً من الملابس، وكانت تشع نوراً وتحمل فوق رأسها تاجاً قرمزي اللون، وكان الحلم يتكرر وإذ يفعل استيقظت وسكنت، ثم أرثو للسيدة ع وأعود للنوم .

تمت.

ملاحظة:

بعد الصلاة على النبي والتوكل على الله، قررت أن أنشئ مدونة أضع بها أفكاري وأوثق بها كلماتي. هذا الرابط لمن يهمه الأمر ..

مدونة براء الشافعي

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

26 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
26
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك