أدب الرعب والعام

طيَّ النسيان – الجزء الثاني

بقلم : وفاء سليمان – الجزائر

كان قلبي من حر فراقه قد تصدع ، شوقي إليه كان يجلد ذاتي
كان قلبي من حر فراقه قد تصدع ، شوقي إليه كان يجلد ذاتي

 
” أين إلهام من كل ما يحدث ؟ “.

سؤال كثيراً ما حيرني ، أيعقل ألا تشعر بأي تغيير في حياة زوجها و إن كانت بعيدة عنه ؟ بدت لي في لقائي القصير معها أبعد ما تكون عن السذاجة ، بل ذكية و لماحة و فطنة ، و هذا إن دل على شيء فهو بالتأكيد أنها تخطط لأمر ما ، فالمرأة مهما زهدت في رجلها يظل كبرياؤها فوق كل اعتبار .

سألت عادل ونحن نتمشى ليلاً على شاطئ البحر، كان الجو بارداً لكني أحببت شاعرية المكان ، رائحة البحر ونسيمه الرطب العليل .
أجابني و قد أشار لي بالجلوس جانبه على الرمال :

– إلهام ليست مغفلة ، هي تعرف تماماً أن في حياتي غيرها ، حبيبة كانت أو حتى عشيقة ، لكن ليس زوجة .
– ستعرف قريباً أن المشفى لم يعد ملكك و ستفتح عليك النار، أتعلم ؟ لو سجلته باسم كريم لكان أفضل .

– كلا .. أريده أن يبقى ملكي حتى مماتي ، و وقتها سيصبح له بصفة طبيعية .
رفعت رأسي و سألته مرتابة :
– لماذا ؟ ألا تنوي إنجاب أطفال غيره ؟ .

مد ذراعه و طوقها حول عنقي و ضمني إليه قائلاً بتلك الابتسامة العذبة :
– بلى .. لكنهم لن يحتاجوا إليه ، سأبعدهم عن عالم الطب ما استطعت ، يكفينا أطباء في العائلة .

– ألم يحن الوقت يا عادل؟  أتشوق لحمل أحدهم بين ذراعي .
– اصبري قليلاً فقط يا حبيبتي ، ثقي بي ، و الآن لنعد إلى الشاليه ، لقد تجمدت من البرد .
 
أكان يجب أن نزور البحر في ذلك الوقت تحديداً من السنة ؟ ، سحقاً لي ، لو فكرت قليلاً و رفضت الذهاب وآثرت الجلوس في البيت معه لكان الآن معي ، بجواري ، رفقة طفل يملأ تفاصيل حياتنا ، في شقتنا تلك ، التي لا قوة لي على العيش فيها من دونه .

كان الفصل شتاء ، الساعة الحادية عشر ليلاً ، الشاطئ خال والشاليهات شبه مهجورة إلا من حارسين يقبعان داخل كوخ صغير على طرفها ، تمشيت مع عادل إلى أن وصلنا إلى الباب ، أثناء فتحه له لمحت ضوءاً يلمع من خلال زجاج نافذة غرفتنا في الطابق الثاني ثم يختفي ، شعرت بخوف كبير يتسرب إلى داخلي ، فأخبرت عادل و لكنه رد :
– ربما هو انعكاس لمصباح الحارس ، هيا تعالي لندخل .
وثقت برأيه و تبعته و يا ليتني لم أفعل !.
 
الفصل الثالث :
 
الساعة السادسة صباحاً ، وأمام غرفة العناية المركزة افترشت الأرض بحال يُرثى لها ، كنت أقرب للأموات مني للأحياء ، أتقلب على جمر الانتظار بدموع حارقة أغرقت وجهي و كفي وملابسي المخضبة بالدماء ، بآهات صامتة انحبست داخل جوفي لتلاشي قدرتي على الصياح أو النطق بأي كلمة ، و بقلب ممزق يكاد ينقلع من مكانه خوفاً و وجلاً .

غير ببعيد عني كان المحامي أيمن يذرع المكان جيئة و ذهاباً متوتراً قلقاً يمسح عرقاً ينضح من جبينه و يلقي نظرات خاطفة من حين لآخر إلى الشخصين اللذين كانا جالسين على كراسي الانتظار أمامي ، حرارة نظرات إلهام و كريم التي كانت تخترقني أحرقتني ، و مع ذلك تجاهلتها .
 
الصمت كان سيد الموقف فلم يكن الوقت مناسباً لأي توضيح أو جدال ، رحت أستعيد وأنا أراقب بوابة غرفة العناية تفاصيل الأحداث الفظيعة التي عايشتها قبل ساعات ، كانت كالكابوس الذي لم أستفق منه لحد تلك اللحظة ، رعبه جمد الدم في عروقي وأحال يوماً كنت أخاله سيبقى من الذكريات الجميلة إلى ذكرى سوداء مريرة ستلاحقني ما حييت ..
 
****
 
إحساس غريب راودني وأنا ألج الشاليه مع عادل ، انقبض صدري ، تحفزت حواسي وأنا أجيل بصري على مساحة الطابق الأول ، كان تماماً كما تركته غير أن هواءه كان ثقيلاً على نحو غريب لم آلفه من قبل ، كان عادل يتحقق من التدفئة المركزية دون أن يبدو عليه أي أثر لانزعاج ، عزوت اضطرابي ذاك لوساوس لا معنى له .
– سأحضر شيئاً دافئاً لنشربه .
– حسناً ، سأصعد إلى الغرفة لأبدل ثيابي و أعود .

صعد الدرج حين هممت بالبحث عن أكياس الشاي بخزائن المطبخ ، دقيقة فاثنتان فثلاث وتهزني صرخة حادة اخترقت طبلة أذني وأسرت الرعشة في جسدي و مع ذلك ميزتها ، كانت له ، طفت بذهني أكثر السيناريوهات سوءاً و ما عززها شعوري المسبق بالعدائية .

انطلقت راكضة كالسهم ناحية الدرج كرد فعل سريع ، مما جعلني أنسى أن أتسلح بشيء يحميني، وهناك في منتصفه اصطدمت به ، بجسمه الضخم، والتقت عيناي بعينيه اللتين كانتا الوحيدتين البارزتين مع حاجبيه العريضين من وجهه الملثم ، و في لحظتها هوى بقضيب حديدي على رأسي ، و مع ارتفاع الأدرينالين في دمي قفزت قفزة للخلف كي أتفاداه فانزلقت على الدرجات الخشبية وسقطت أسفل السلم .

كل ما أتذكره من تلك اللحظات البشعة صور ضبابية له وهو يركض مسرعاً ناحية الباب، و صدى صوتي المتحشرج وأنا أنادي باسم عادل .
 
****
 
التاسعة صباحاً ، طلبني المحقق ليأخذ أقوالي ، لم أشأ أن أتحرك من مكاني قرب العناية المركزة ، لكنه ألح أنه لن يأخذ مني إلا بضع دقائق أختصر فيها الحادثة لضرورات التحقيق و دون أن أتحمل عناء التحرك من مكاني ، سأل المحقق :
– أولاً ، هلاً ، أخبرتني بماهية علاقتك بالضحية ؟.
كانت إلهام وكريم يستمعان للحديث ، توترت و حانت مني التفاتة للمحامي ، فأجاب بدلاً عني:

– السيدة زهرة .. زوجة الدكتور عادل .
بهت كلاهما مصدومين ، لاحظت شحوب إلهام و اضطراب كريم ، و مع هذا ظلا صامتين و لم ينطقا.
رويت للمحقق ما حدث حتى سقوطي عن الدرج وإغمائي ، فسأل :
– و بعدها ماذا حصل ؟ .

– بعد فترة استفقت ، ألقيت نظرة على ساعة الحائط فوجدتها الواحدة و أربعين دقيقة ليلاً ، شعرت بآلام شديدة تفتك بجسمي وعظامي ،  وسرعان ما استرجعت بذاكرتي ما حدث ، لم أستطع التحرك و مع ذلك قاومت بكل ما أوتيت من قوة لأزحف زحفاً على الدرج وأصل لعادل .
 
أجهشت بالبكاء وأنا أهم بتكرار ما رأيته للمحقق ، مدني السيد أيمن بمنديل و هدأني قائلاً :
– يمكنهم الاستماع لأقوالك لاحقاً ، وضعك صعب يلزمك العلاج فوراً .
هززت رأسي رافضة بتصميم :

– ليس قبل أن أطمئن على عادل .
– أكملي يا سيدتي ، فكل تفصيل مهم .
– وجدته ملقى على بطنه جانب خزانة الملابس وسط بركة من الدماء ، حبوت نحوه و كل خلية في جسمي تدعو الله أن لا يكون قد لفظ أنفاسه ، وضعته في حضني و رحت أتفحص نبضه ، كان خفيفاً و مع ذلك اعتبرته إشارة لوجود الحياة فيه ، بحثت عن مصدر الدم فلاحظت شرخاً عريضاً ينزف بمؤخرة رأسه ، قررت الاتصال بالإسعاف فتحسست جيوبه بحثاً عن هاتفه ، رأيت أن آخر اتصال كان من السيد أيمن ، فعاودت الاتصال به .
أومأ المحامي موافقاً :

– أخبرتها أن تتصل بإسعاف هذا المشفى ، المسافة بينه و بين الشاليهات ليست كبيرة ، لم أشأ المجازفة بإرساله لمكان آخر ، ثم اتصلت بكم على الفور .
– فهمت ، أخبريني هل تظنين أنه كان مستهدفاً أم أنه حادث سرقة عادي ؟.
– لا فكرة لدي .
– هل تشكين بأحد ما ؟.
تحركت نظراتي تلقائياً نحوها ، جمود ملامحها وخلوها من أي علامات الحزن أو تأثر جعلني أشك بها ، كنت سأنطق لكن السيد أيمن أدرك ما اعتزمه فأشار لي برأسه أن لا تفعلي .
– لا ..
– سنتحدث ثانيةً قريباً ، حمداً لله على سلامتك .

غادر المحقق رفقة أتباعه و لدى اختفاءهم قال السيد أيمن :
– لا تتعجلي ، لا دليل لديك ، محتمل أن تكون بريئة .
لم أرد عليه ، فعقلي و قلبي وكل جوارحي كانت مع عادل ، ثلاث ساعات ونصف و لا أحد يخبرنا شيئاً ، تقدم فجأة كريم نحوي ، كان يرمقني بنظرات تحمل ألف اتهام و قال :
– ليس وقتاً مناسباً للمشاكل ، أمي لا تطيق النظر إليك ، فارحلي .
وقفت و واجهته بصرامة :

– لا .. لن أتزحزح مطلقاً من هنا .
و كأن صخرة وقعت فوق رجلي اليسرى وكسرتها، ألم شديد سرى بها لدى وقوفي بتلك القوة و ارتكازي عليها ، أطلقت صيحة مدوية ثم سقطت أرضاً أتلوى وجعاً ، جزع كريم وتراجع للخلف فيما اندفع السيد أيمن مسرعاً ليستدعي الأطباء ، حينها تقدمت إلهام نحوي بثبات و في غمرة ما أمر به قالت و كأنها تنفث سماً :

– لعبت لعبة وكسبتها ، لكني لن أسامحك أبداً .
 
****

تضرر في الدماغ إثر نزيف حاد ، و غيبوبة ، الله أعلم متى يفيق منها !.
تلك كانت حال عادل ، الرجل الذي عهدته دائماً قوياً ، شامخاً ، واثقاً ، فيا لمفارقات هذه الحياة ! .

أما أنا فقضيت أياماً طوالاً طريحة الفراش داخل المشفى ، أياماً تجرعت فيها من كأس العذاب والألم حد التخمة ، رجلي المكسورة و الرضوض المتفرقة في أنحاء جسمي كانت آخر ما يعنيني ، فبعد مصيبتي في عادل والتي لا تعادلها مصيبة اكتويت بنيران أخرى ، نيران الأقاويل والإشاعات والافتراءات .

انصدمت في الكثيرين ممن أبدوا لي سابقاً آيات التقدير والاحترام ، وأصبحوا بعدها يلوكون سمعتي وشرفي مثل مضغة في أفواههم ، فأصبحت بنظرهم الانتهازية والعشيقة والعاهرة التي رافقت المدير لقضاء ليلة حمراء على البحر فانتهت بكارثة.

و مع هذا لا تخلو الحياة من أناس يظهر معدنهم الأصيل في وقت الشدائد ، تلقيت الدعم والاهتمام من حميدة ، يوسف ، أحمد ، بعض عمال البوفيه ، و حتى سلمى زارتني و تعاطفت معي دون أن يطلب أي منهم أي تفسير أو تبرير .

كنت أتساءل عمن يغذي كل تلك الأقاويل و الإشاعات و يضخمها يوماً عن يوم دون أن يترك لها المجال لتهدأ ؟ وجاءني الجواب من حميدة التي قالتها بكل مرارة :

– إنها سامية ، و من غيرها ؟.
– لكن لماذا ؟  ما غايتها ؟
ردت بكل بساطة :
– إرضاء زوجة المدير، فهي من أوصى بتوظيفها منذ سنوات ، يُقال أن وظيفتها الأصلية هي التجسس لصالحها.

كل ما سمعته إلى جانب معرفتي من السيد أيمن أن إلهام طلبت جميع الملفات الإدارية والمالية لتضع يدها على الإدارة في غياب عادل ، حتم علي أن أقف من جديد و أرتدي ثوباً ما رجوت أن أرتديه قط .
****

عندما دلفت إلى مكتب عادل كان جميع من طلبت مقابلته ينتظر ، المحامي أيمن ، إلهام و كريم ، رؤساء الأقسام ، موظفو الإدارة و بضع ممرضات تتقدمهم سامية .

كانت إلهام تجلس على مكتب عادل ، مكان خاطر و غامر بالكثير ليبعدها عنه ، عضضت شفتي غيضاً و مع ذلك تماسكت و مشيت ببطء مرتكزة على عكاز و جلست أمامها قبالة كريم مباشرة، تطلعت لي بفوقية من فوقي وحتى أخمص قدمي ثم قالت ساخرة :

– تلبسين طقماً من أرقى الماركات ، جميل ، لكني لا أظنه يصلح لتنظيف المكان ، هذا ما جئت من أجله ، صحيح ؟.
سرت بضع كلمات وهمهمات وسط الجميع ، تجاهلتها و أجبت إلهام باسمة :
– كلا .. بل أتيت لإدارته .
حل الصمت فجأة ، أشرت للسيد أيمن فتقدم بملف وضعه على المكتب قائلاً :
– أقرئي هذا .

لم تمض دقائق إلا و إلهام واقفة تضرب بقبضتيها سطح المكتب و تهدد :
– هذا مجرد هراء ! كذب .. تزوير .
تلقف كريم الملف قرأه بسرعة ثم رمى به من يده  و لم يعلّق .
تحدثت بصوت عال :

– بصفتي زوجة شرعية و قانونية للسيد عادل ، و بصفتي المالكة الشرعية والوحيدة لهذا المستشفى قانونياً و بعقود سليمة مائة بالمائة فأنا أحق شخص بإدارتها والتصرف فيها كما أشاء ، و كل من يعترض يحق له الطعن في صحتها ، مع أني لا أنصح بذلك لأنه هدر بلا طائل للجهد و الوقت .
 
وجهت كلامي الأخير لإلهام و تابعت :
– الطقم الآن أصبح يتناسب مع المنصب ، أليس كذلك ؟.
أخذت حقيبتها و غادرت بملامح تتوعد انتقاماً ، و لحق بها كريم متجهماً صامتاً على نحو مريب .

مكتب عادل كان خطاً أحمر أقسمت أن لا أجلس عليه مطلقاً ، هو و أبنه أحق مني به ، و ما خططت لفعل ما فعلت إلا حفاظاً على سنوات التعب والشقاء التي بذلها في سبيل النهوض بمشفاه وارتقاءه ، لذا بقيت مكاني و حددت للجميع موعداً آخر لمناقشة أمور الإدارة و صرفتهم عدا أحمد و يوسف و سامية .

بوجه يقطر خجلاً ، تكاد تعانق عيناها الأرض وقفت أمامي وسألت بصوت مرتجف :
– هل سأُطرد؟.
أجبتها بحدة :
– ما رأيك أنتِ ؟ نهشتي عرضي ولطختي شرفي و تقولتي عني أقاويل ما أنزل الله بها من سلطان ، فهل هناك أي مجال للصفح ؟.

– أرجوك يا سيدة زهرة ، سامحيني ، كنت مرغمة ، والدتي مريضة و مرتب التقاعد لوالدي لا يغطي تكاليف معيشتنا وعلاجها ، أعف عني أرجوك ، أقسم أني لن أعيدها .
سقط قناع القسوة عن وجهي ، و رق قلبي لها و لوضعها البائس ، و كيف لا و كنت و هي في سلة واحدة ؟.

– سأسامحك من أجل والدتك ، لكنها ستكون أول و آخر فرصة لك يا سامية ، لذا توخي الحذر و كفي عن الناس لسانك ! .
– حاضر ..

همت بالمغادرة فاستوقفتها :
– أذيعي ما سمعته هنا على الجميع ، استغلي مواهبك العظيمة في شيء مفيد على الأقل !.
أشهر عديدة قضيتها زميلة لهما في نفس المكتب، و رغم تناقضهما و اختلاف طبعيهما بين هدوء أحمد و صخب يوسف فإنني رأيت فيهما خاصة مع موقفهما الإيجابي معي أنهما أهلاً للثقة ، كنت أحتاج سنداً و أشخاص أثق بهم معي فقلت :

– شهادة إدارة الأعمال التي تحملها يا يوسف ستجعل منك ساعدي الأيمن في الإدارة ، فأنا كما تعلم لا أفقه بها شيئاً ، هل أنت موافق ؟ .
– بالتأكيد .

بشيء من الذنب قلت لأحمد الذي استشفيت حزناً كبيراً يفيض من عينيه :

– سمعت عن التطور السريع للطب في ألمانيا وأود مراسلة أكبر المستشفيات و أمهر الأطباء فيها ، أنا أثق بك وأحتاج تمكنك من اللغة لمساعدتي على ذلك ، ما رأيك؟ ..
– سأعمل على تحضير قائمة بالعناوين وأرقام الهواتف بأسرع ما يمكن .
شكرتهما بحرارة و كلي تصميم أن يُشفى عادل و بأي ثمن كان .
 
اتخذت من المشفى في تلك الفترة مقاماً لي حتى أكون بقربه دائماً ، حجزت غرفة بمحاذاة غرفته ، جعلت أكبر دكاترة المخ والأعصاب يتابع حالته باستمرار وعيّنت عدة ممرضات ليتناوبن على مجالسته صباح مساء دون انقطاع ، خلال انشغالي كان عقلي دائماً معه ، و عندما أتفرغ لا تفصلني عنه سوى غمضة النوم
……
 
كنت أراه في لحظات ضعفه بكل تلك الأجهزة التي تحيط به من كل حدب و صوب ، نائم في سبات عميق ، غير قادر على الاستجابة لأي محفز كان ، فتتهاطل عبراتي اليائسة لعجزي عن فعل أي شيء كان ، فكل من راسلتهم و أرسلت إليهم بتقارير حالته أجمعوا على أنه لا علاج لحالته ، أنه تحت رحمة الله ، فأدعوه وحده متضرعة أن يمن عليه بالشفاء .

كنت أعلم أنه في عالم آخر تماماً ، و مع ذلك أمسك يده لأخضبها بدموعي و أقبلها و أرجوه أن يعود ، لأنني افتقدته واشتقت له ، و ليزيح عن كتفي الحمل الكبير الذي ولّده غيابه ، أن يعود لابنه وعمله و للحياة التي توقفت و ما عاد لها أي طعم من دونه .
 
الفصل الرابع :
 
مرت أشهر عديدة و لم تسفر نتيجة التحقيقات عن أي شيء ، لم يُسرق شيء من الشاليه كما لم يكُتشف أي كسر أو خلع في نوافذه وأبوابه ، و كأن المعتدي كان شبحاً اخترق الجدران ثم لاذ بالفرار!.
 
عملت خلالها ليل نهار لأعرف كل صغيرة وكبيرة بالمستشفى ، وباقتراح من يوسف أصدرت بضع قرارات بتغييرات في أقسامه و سياسة تسييره ، كما خصصت لنفسي راتباً شهرياً اعتاش منه كأي موظف آخر، و أمرت بتوسيع قسم العلاج المجاني ليسع أكبر عدد من الحالات ، أما عن صافي الأرباح فكنت أضع ثلاثة أرباعها في حساب عادل و الباقي في حساب كريم الذي تحصلت على رقمه من إدارة الشؤون المالية .

– كان يجب أن يكون لقاؤنا هذا قبل عدة أشهر .
قلتها و أنا أصافحه وأدعوه للجلوس .
– دراستي بأمريكا شغلتني ، فشهادتي هي حلم والدي .
اغرورقت عيناه بالدموع فسكت عن الحديث ، قلت له :

– في عينيك حزن كبير وتساؤلات عديدة ، سل ما شئت و أعدك أن أصدقك الجواب .
– أعلم أن زواج والداي منهار منذ سنوات ، لكن سير الأمور بينكما بتلك السرعة يثير الشكوك ، أمي تقول أنكِ استغليت يأس والدي ومصيبته في و حصلت على ما تريدين بأحط الأساليب وأقذرها .

ندت عني ابتسامة مرة :
– وأنت ماذا تقول ؟.
– والدي كان رجلاً متزناً و عاقلاً وليس غراً ليقع في شراك أي امرأة بتلك السهولة ، والمضحك أن تلك المرأة الانتهازية هي نفسها من تضع في حسابي شهرياً مبلغاً يفوق ما أحتاجه بأضعاف ، فهلا فسرت لي الأمر؟.

أعجبني ذكاؤه ، كان فعلاً سر أبيه بطباعه البعيدة عن التسرع والاستهتار، قصصت له كل الحكاية و لم أغفل عنه شيئاً ، و ختمت قائلة :

– وسيبقى هذا المستشفى ملك عادل و حقك من بعده ، فلا تظن أن في قلبي مقدار ذرة من طمع في أي شبر فيه ، كل ما يهمني هو عادل ، عادل و فقط .
تنهد و كأنه ينفس عن مشاعر سلبية مكبوتة :
– لا أملك إلا أن أصدقك ، ولولا أمي ….
– أتفهمك بالطبع .. لا تقلق ..
اعتدل واقفاً وقال بنفس ابتسامة والده الهادئة قبل أن يغادر :
– لا أرى إلا أن أبي أحسن الاختيار ، ويسرني أنه كان سعيداً معك ، فانتبهي له جيداً يا سيدة زهرة ، واتصلي بي متى احتجتني .

– شكرته ، وقبل أن يختفي تذكرت شيئاً فناديته :
– كريم !.
التفت فسألته :

– اعذرني .. لكن هدوء والدتك مريب و لا يريحني ، هل تخطط لأمر ما ؟.
– صدقيني .. أنت لا تعرفينها يا سيدة زهرة ..فلا تطلقي أحكاماً مسبقة .. إلى اللقاء .
قالها بثقة وثبات .. مما جعلني أخجل من نفسي .. فعلاً .. أنا لم أعرف عنها أكثر مما قاله عادل ، لم أشكك في صدقه ، لكنه قص روايته وفق رؤيته هو .. فماذا عنها ؟ ..
**
 
راحة كبيرة غمرتني وأنا أزيح هم كريم عن كاهلي ، بقيت مشكلة أحمد ، كنت أراه دائماً كئيباً منطوياً على ذاته كأنه يحمل مصائب الدنيا على عاتقه ،
كان يبعث في داخلي طاقة سلبية و شعوراً بذنب ما اقترفته ، سألت يوسف فأجاب :
– إنه عاشق .
– يوسف .. عليه أن يفهم أنني متزوجة !.
– أحبك قبل أن يعرف فلا تلوميه .
– و لم يجد غيري ؟.
– إنه القلب و ما يهوى !.
غمغمت بألم :

– صحيح .. إنه القلب و ما يهوى ، و كما كانت تقول أمي ” من كان بيته من زجاج فلا يقذف الناس بحجارته “.
 
****
 
كانت الشمس ترسل آخر أشعتها حين أتتني الممرضة راكضة و اقتحمت المكتب دون إذن و هي تصيح لاهثة :

– تحرك .. تحرك يا سيدة زهرة .. أقسم أنه تحرك .
– أبلغي الدكتور خالد حالاً !.
– أبلغته قبل لحظات .
كدت أطير وأنا أنطلق بأقصى ما يمكن رغم ألم رجلي التي لم تُشف تماماً ، قاومته و تابعت طريقي إليه وأنا في قمة السعادة .
كانت أجساد الدكتور والممرضات تحجبه عني، تجاوزتها لأجدني أمامه مباشرة ، كان جالساً يسأل الدكتور خالد :

– منذ متى ؟ .
أجابه متوتراً :
– أكثر من عشرة أشهر يا دكتور عادل .
مرر يده على شعره ليتحسس مؤخرة رأسه ثم رفعه و طرح سؤالاً نزل علي كالصاعقة :
– أين زوجتي إلهام و أبني كريم ؟.
كنت أرتعش .. عيناي تدمعان .. و نبضات قلبي تتسارع حين نطقت :
– عادل .

حدق في قليلاً ، ثم رفع حاجبيه متسائلاً :
– من أنت ؟.
 
****

داخل غرفة الأشعة جلسنا ، كريم ، إلهام و أنا ، كنا نستمع للدكتور خالد و هو يشير لصورة الأشعة المقطعية التي صورها لدماغ عادل و يشرح :
 
– التضرر جاء هنا ، في هذه المنطقة ، وحسب ما أرى فإنه يعاني من فقدان ذاكرة مؤقت ، أو بالأصح فقدان ذاكرة رجعي ، فآخر ذكرى له حسب ما قال كانت قبل ثمانية سنوات يوم كان سيسافر لمؤتمر طبي في فرنسا .
 
– صحيح ، يومها أُلغي السفر بسبب إغمائه المفاجئ في غرفة العمليات ، كان هبوطاً حاداً في ضغط الدم .
قالتها إلهام فأومأ الدكتور لها و تابع :

– أي أن ذكريات السنوات الأخيرة فُقدت مع تلف بعض الخلايا على مستوى الذاكرة .
سألته مرتعبة مما أخشى :
– تلف ؟ .. هل تقصد أنه لن يستعيدها ؟ .
– للأسف يا سيدتي ، لو فقدها نتيجة صدمة عصبية مثلاً لكان هناك أمل كبير، لكن و بهذا الوضع فإنه …

– … علمياً يكاد يكون مستحيلاً .
نطق بها كريم والتفت لي قائلاً :
– علينا أن نتحدث ..
 
****

من كان السبب ؟ لا أعلم !  من كان علي أن ألوم؟ لا أعلم !  أهو اللص الذي ضرب عادل أم صديقه الحارس الذي كان ينسخ مفاتيح الشاليهات ليساعده على سرقاته مقابل نسبة منها ؟ و لسوء حظنا وحظه تواجدنا دون علمه في تلك الليلة ! أم علي أن ألوم الأقدار؟ و ما هي إلا من تدبير رب العالمين.

لا أحد .. لا أحد أنفس فيه غضبي وألمي وحزني و قهري لأني أصبحت غريبة ، لا شيء بنظر عادل ولا حتى مجرد ذكرى ، باختصار صرت أنا زهرة نسياً منسياً .
****

– لا أتذكرها أبداً ! .
– متأكد يا أبي؟ .
– كريم !  إن كنت لا أتذكر كيف أصبح طفلي رجلاً هل سأتذكرها هي ؟.
كنت أحبس دموعي قدر استطاعتي و أراقب ما يحدث بصمت .
– إنها زهرة .. زوجتك يا أبي ..
– ماذا ؟.

صاح بها والتفت إلى إلهام مبرراً :
– إلهام .. أنا لا أعرف عم يتحدث ! .
ردت بهدوء :

– كنا على أبواب الطلاق يا عادل.
انفعل أكثر :
– أنا لا أفهم شيئاً ! .. كريم ؟.
– أهدأ يا أبي و لا تضغط على ذاكرتك ، سأترككما بمفردكما ، أمي هيا بنا .
وقفت لتغادر قائلة :
– قضية الطلاق أُجلت بسبب ظروفك الصحية ، سنتحدث لاحقاً.
التفت لي محتاراً و سألني :

– كيف تعارفنا يا … ماذا كان اسمك ؟.
طلب إلي كريم أن أحدث عادل بكل شيء و أضعه في صورة كل ما مر بنا ، فلا فائدة من طمس حقائق سيعرفها عاجلاً أم آجلاً ، و هكذا فعلت ، غير أن أعصابي المنهارة لم تعد تحتمل فرحت أذرف الدموع غصباً عني..
أمسك رأسه بكلتا يديه و صاح :

– لا أتذكر شيئاً أبداً .. أنا آسف .. آسف ..
– وما العمل الآن ؟.
– لا أعرف .. لا فكرة لدي .. اتركيني لوحدي لو سمحت ..

غادرته إلى الكافيتيريا ، طلبت كوب قهوة ثم خرجت إلى الحديقة ، و وقفت أراقب الطبيعة بسمائها و قمرها و نجومها وشجرها و حتى حجرها ، حسدتهم ، تمنيت لو كنت مثلهم جماداً خاوياً من المشاعر .

– هل أنتِ بخير؟ .
سأل أحمد قبل أن يقف على مقربة مني .
– ماذا تفعل هنا ؟ انتهى وقت الدوام منذ فترة طويلة.
– جئت لأطمئن عليكِ.
كنت حانقة ، لذلك أجبته بعصبية :
– أنا بخير ، يمكنك المغادرة الآن .

تجاهل حدتي :
– ملامحكِ متعبة ، هل أنتِ مريضة ؟.
وقع الكوب من يدي ، انحنيت لآخذه فأخذت الدنيا تلف من حولي ، ثم أُغمي علي.
****

كان هبوطا حاداً في ضغط الدم ، قلة التغذية والنوم و كل الضغوطات التي كنت أمر بها من أوصلتني إلى تلك المرحلة .
اعتزلت بغرفتي ، ما كنت أريد رؤية أي شخص كان ، و لا حتى عادل نفسه ، كان علي أن أرتب أفكاري وأستوعب الصدمة التي حطمتني ، لكنها فاجأتني بوقوفها أمام سريري تطلب الإذن بالجلوس ..

– تفضلي .
– لم تسنح الفرصة لأي حوار بيننا من قبل .
– لا أظنك من هواته ، تفضلين طرقاً أخرى حسب ما أعلم .
كنت هجومية في ردي و مع ذلك ابتسمت ، و كانت ابتسامتها بالفعل جميلة رغم حزنها ، ثم قالت فجأة :

– تزوجته مرغمة ، كنت أحب شخصاً آخر.
شدت انتباهي بجملتها تلك ، فأردفت تحكي :
– كان اسمه جوردان ، شاب أفروأمريكي ، مسيحي الديانة ، تعرفت عليه في عيد ميلاد أحد الأصدقاء المشتركين ، في سنتي الأخيرة بالثانوية .
تنهدت بعمق ثم قالت :

– لا أصدق أنني أفتح صفحات قديمة طويتها منذ زمن ، وأمامكِ أنتِ ! .
– و ماذا حدث ؟.
– ماذا برأيك ؟ اختلاف اللون والدين والبلد والعادات والأعراف لم تشفع له أمام حسن سريرته وأخلاقه و نبوغه العلمي ، عرف والدي بعلاقتنا بعد سنتين و كاد يموت بجلطة في القلب لولا ألطاف الله ، فاستسلمت في النهاية و تخليت عنه.
– بتلك البساطة ! .

– حاولت الانتحار مرة ففشلت ، ولم أعد الكرة ثانية ، لكن بالمقابل تحجرت كل ذرة أملكها من أحاسيس وعواطف ، زواجي بعادل كان بتخطيط من العائلة ، وافقت من أجل والدي ، هو أو غيره الأمران سيان ، ولسنوات طويلة عشتها زوجة له و بعيداً عن واجباته الزوجية لم يبادرني بأي لمسة أو حتى كلمة تنسيني خسارتي الأولى ، تعيد إحياء مشاعري وتوقظ الأنثى النائمة في داخلي ، حتى إذا ما بلغت سن اليأس و زهدت في كل شيء أفاق ! لا أنكر أني رفضته ، أبعدته انتقاماً منه و من نفسي و من سنوات عمرنا الضائعة .

بهتت للحظة ثم نظرت لي :
– ثم تعرف إليكِ ، خلت بدايةً أن اهتمامه بكِ ناتج عن عرفان لإنقاذك حياة ابننا ، لكن ومع الوقت تيقنت أن ما بينكما أكبر عندما سمعته يحادثك بالهاتف أكثر من مرة ، لكني توقعت كل شيء إلا أن يتزوجك .

– أحببته بصدق .
– طرح قضية الطلاق ، لم أعترض شرط أن يتم في أمريكا ، ثم وقع الحادث .
أتعلمين؟  لم أتألم لدى زواجه بكِ مثلما فعلت بمعرفتي أنه ملّككِ المشفى.
– إذن كان عادل محقاً في مخاوفه ؟.

لمحت لمعان الدموع في عينيها وهي تجيب :
– يا لضيق أفقكما ! تألمت لأني أدركت أنه ما وثق بي أبداً ، شاركته عمراً و شكك بي في حين وثق بك أنت ، غريبة اقتحمت حياته فجأة ! .
قامت واستعدت للرحيل قائلة :
– الخيار بيده الآن ، إما أنا و إما أنتِ .
– ماذا تعنين ؟ .
ابتسمت :

– عادل يحتاجني ، سأقدم له و لنفسي فرصة ثانية.
 
الفصل الخامس :
 
و اختار إلهام في نهاية الأمر ، فهي عشرة عمره و أم ابنه ،  أما أنا فقال : أني عنه بعيدة ، لا يعرفني و لا يذكرني ، و لا يشعر بأي شيء نحوي ، تأسف ، اعتذر ثم رحل ،  رحل بعد أن ترك أمر المشفى رهناً لحكم مبادئي و ضميري ، كما وعدني بحصولي على ورقة طلاقي قريباً.
 
يومها فتحت باب الشقة فوجدته أمامي ، زيارة توقعتها وانتظرتها لأيام بعد أن خرج من المشفى واستقر بمنزله هو وإلهام ، أفسحت له الطريق ليدخل ثم تبعته حتى غرفة الجلوس ، جال ببصره فيها ثم واجه نافذة الزجاجية وأطل منها قائلاً :
– شقة جميلة .. و إطلالتها مميزة .
– اخترناها معاً و أثثناها قطعة بقطعة ، ظننتها منزل العمر.
أجبته بلهجة جافة تعكس ما يختلجني من غضب وحنق، تنحنح ثم قال :
 
– الأمر ليس بيدي ، إنه يفوق قدرتي على التحمل ، أنتِ غريبة عني ، أنا لا أعرف سوى زوجة واحدة هي إلهام ، ما تتحدثون عنه لم يحدث قط بالنسبة لي ، قدّري موقفي أرجوكِ.
– وأنا من سيقدر ما أمر به ؟ .

– كوني أوليتك كل تلك الثقة فذلك يعني أني أحببتك ، فحتى إلهام لم أكن لأثق بها و أستأمنها على أعز ما أملك ، أعرف ما تمرين به ، أستطيع أن أعتبرك زوجتي و نعيش سوياً ، لكنك ستكرهينني وتكرهين نفسك ، فعادل الذي تعرفين جاء بعدي أنا والآن لا أعرف إن كان سيعود أم لا ، الظروف من حكمت و لا ذنب لي في ذلك.
 
بقيت أنصت إليه يتحدث كابحة عبراتي ما استطعت ، لا أريد أن أنهار أمامه و أكره نفسي بعدها ، خاصةً بعد أن أغمد سكينه الأخير في قلبي :
 
– أنتِ جميلة وصغيرة ، صدقيني ستجدين من هو أفضل مني .
– آه .. و ثرية أيضاً .. لا تنسى ذلك .
ذلك كان انتقامي ، و ذلك كان ثأري لكرامتي الجريحة .
قال لي بهدوء وهو يتجه ناحية الباب ليفتحه وكان قد فهم مرماي :
 
– ذلك أمر سأتركه لحكم ضميرك ، سامحيني يوماً لو استطعت ، الوداع يا زهرة .
تلاشت صورته و لكن صدى جملته بقي يتردد في أذني..” الوداع يا زهرة” .
 
بعد أيام قضيتها مغيبة عن الحياة وشبه مخدرة، أحاول فيها تقبل أن ما أعيشه أمر واقع لا أضغاث أحلام رافقت السيد أيمن للتوقيع على أوراق التنازل عن المشفى ، ثم عدت و لآخر مرة إلى المكان الذي ابتدأت فيه حكايتي وانتهت لألملم جميع حاجياتي .
 
كان قلبي ينفطر ألماً و أنا أستعد لفراق عالم بأكمله ، عالم عشت تفاصيله و قصصه وعاشرت شخوصه بجيدهم و سيئهم ردحاً ليس هيناً من الزمن .

وكلت محاميا لمتابعة قضية طلاقي و في ظرف أيام قلائل و دون أي تخطيط مسبق  هروباً و فراراً بعقلي من الجنون من مدينة أشم فيها أنفاسه و أرى فيها وجهه أينما تواجدت ، وجدت نفسي على متن حافلة سفر لتقلني إلى أبعد نقطة في البلاد .
****

و ها هو عام كامل قد مر ، كان بأيامه التي طالت هو عمر فراقنا ، كدت بدايته أن أموت لبعده ، خلت أن الحياة ستتوقف عنده و لن أستطيع إكمالها من دونه ، كان قلبي من حر فراقه قد تصدع ، شوقي إليه كان يجلد ذاتي ، يمزق روحي ، يدمع عيناي فأفتح هاتفي على صورته لأمعن النظر بتقاسيمه علها تخفف عني حدة أشواقي ، فما يزيدني ذاك إلا نحيباً حد الانهيار .
 
تعذبت بعدها كثيراً كي أوطن فيها نفسي على التعايش مع ذكراه لا نسيانه ، فنسيان حب تفتح قلبي عليه مُحال ، سافرت ، ابتعدت ، حاولت أن أعود نفسي على غيابه ، أن أفر من غرامي و أيامي و ذكرياتي و أحلامي معه ، أن أهرب من علاقة استنزفت جل عواطفي و طاقتي، خسرت لأجلها الكثير و تنازلت فيها عن الأكثر حتى تصمد ، ثم ما لبثت أن انهارت فوق رأسي .
 
و مع هذا و رغم كل ما حدث  فإني ما ندمت على عشق ذلك الرجل الذي ورغم رحيله… فإنه ضرب جذوره بأعماقي، استوطن خلايا جسدي فأصبح مني جزءاً  لن يُفصل مهما تكالبت الظروف وتوالت السنين والأيام .
****
خاتمة :
 
بعد مرور عدة أشهر…
 
كانت ظهيرة يوم شتوي بارد عندما جلست في صالتها الصغيرة على أريكتها جانب المدفأة ، تلتحف بشال صوفي و ترتشف بيد من كوب قهوة دافئ ، و تبحث بالأخرى عن هاتفها عن أحدث طرق تدريس اللغات وأكثرها نجاعة و فاعلية ، فكونها أستاذة أدب إنجليزي بمدرسة خاصة يلزمها مواكبة كل جديد .

في نفس الوقت كانت تتابع مسلسلها المفضل ، هو نفسه الذي ابتدأت حكايتها بعده و انتهت و هو لم يبلغ منتصفه حتى ، سخريتها كانت كبيرة حين قرأت ذات مرة أن المخرج يعتزم تصوير ثلاثة مواسم جديدة ، أي تضييع ! ثلاث سنوات أخرى في هراء لا يمت للواقع بصلة ، و مع ذلك كانت تتابعه ، فتلك الشخصيات و حكاياها التي تنوعت بين الحب والكراهية، بين الخير والشر، وبين التسامح والانتقام تجعلها تتفاعل معها رغم مبالغتها.

سمعت صوت دقات خفيفة على الباب ، بالعادة لا أحد يأتيها سوى أم حسام في عطلة نهاية الأسبوع ، “أيكون هو؟ “، هكذا منّت نفسها و هي تحكم لف الشال حولها ، أسرعت وفتحت الباب دون أن تسأل عن هوية الطارق كما اعتادت أن تفعل .
ألفته بوجهه الحيّي واقفا أمامها  ، هو آخر من توقعت .
– أحمد ؟  لكن ، كيف عرفت عنوان بيتي ؟.
بابتسامة مرتبكة و خجولة أجاب بعفويته المعتادة :
– أم حسام دلتني .
سألت بسخرية مغلفة بالمرارة :
– حقاً ؟ و ماذا تريد ؟.
– فرصة ثانية .
– ألا تنسى؟ أنا امرأة مطلقة الآن ، أبحث عن أخرى تناسبك .
رد معانداً :

– لا يهمني ، يكفي أنني أعشقك يا زهرة ، ألا تشعرين بي ؟.
أجابته بحدة :
– كفاك أنانية ، ماذا عني أنا ، ألا تهم لمشاعري ؟.
اضطرب و ارتبك  و لم يعرف بما يجيب .
قالت معتذرة :

– أنا آسفة ، لكنك لا تعلم تفاصيل ما مررت به .
– بل أعلم ، حميدة أخبرتني بكل شيء.
ضحكت كما لم تفعل منذ مدة طويلة :
– حميدة ستخلف مكان سامية قريباً ، أخبرني يا أحمد ، هل رتبت الحياة كل ما حدث لتكون أنت قدري ؟.
– هذا يعتمد على قرارك أنتِ .

كان لا جدوى من التهرب فأذعنت قائلة :
– انتظرني في نهاية الشارع ، سأرتدي ثيابي وألحق بك ، سنتحدث في مكان ما ، لكني لا أعدك بشيء .

لمس لطفاً و ليناً في لهجتها فدق قلبه طرباً و هتف مغادراً :
– سأنتظرك يا زهرة ، سأنتظرك كما فعلت دوماً .

أغلقت الباب ، خطت نحو أقرب كرسي ، جلست ثم أطلقت العنان لدموعها ، بكت طويلاً حتى هدأت نفسها و أفرغت هموم قلبها ، ثم قامت مقررة أخيراً أن تتقبل قدرها كما فرضته الحياة عليها ، كفاها أحلاماً و لتعايش الواقع كما هو ، أمسكت هاتفها و تمعنت للمرة الأخيرة في صورته ثم مسحتها من ذاكرته بكبسة زر، ليس الأمر مماثلاً بالنسبة لذاكرتها هي و مع ذلك ستحاول ، قناعة ترسخت لديها في تلك اللحظات أن أحمد هو محطتها الأخيرة ، أما عادل ، فهي تدرك يقيناً في أعماقها أن حكايتها معه انتهت ، و ستظل دوما بالنسبة له ذاكرة مفقودة ، و ماضيا طواه النسيان.
 
النهاية ……
 

تاريخ النشر : 2021-01-09

وفاء سليمان

الجزائر

مقالات ذات صلة

65 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى