أدب الرعب والعام

الغريب – قصة قصيرة – (فانتازي-رعب)

بقلم : محفوظ نور

أكمل الشيخ تقديم احترامه للموتى و قبل كل شاهد من الشواهد الخمسة
أكمل الشيخ تقديم احترامه للموتى و قبل كل شاهد من الشواهد الخمسة

تمايلت الشجرة باشتداد الريح و سأل الشيخ الغريب

” من أنت؟ “

التفت الغريب من شخوصه في الأفق الأحمر ، لكن الظلمة غطته كدثارة من الغسق و لم تفسح إلا عن حدود جسد مقرفص بين الفروع , و بصوت نافس حفيف الأوراق الكثيف في حروشته سأل

” كم روحا دفنتها تحت هذه الشجرة؟ “

لم ينتظر طويلا حتى تلقى إجابته من العجوز

” خمسة “

رد الغريب متعجبا

” فقط؟ “

ثم أدلى بيده النحيفة و الطويلة من عباءته و أخذ يطرق أصابعه السوداء على جذع الشجرة متمتما بما لا يفهم , ليحني رقبته فجأة نحو العجوز الذي تحته كطير جارح يتفقد وجبته القادمة و التي تحدد مصيرها مسبقا , و قال له في مكر لم يتكلف إخفاءه

” إذن لماذا أسمع عشرا من بني جنسك تحت هذه العتيقة؟ “

عبس الشيخ مقطب حاجبيه ، و حد النظر في ظلمة الوجه الذي قابله و الذي لم يرضخ لنور الشفق وقال

” لأنهن زوجاتي , و قد كنت ادفن مع كل واحدة منهن جزء مني “

تراجع الغريب في خيبة و هو يزفر , و كأنه يشتكي لجمهور لا يرى من ثقل ظل هذا الخرف , لينتقل بعدها على مضض إلى سؤاله الثاني

” إذن ماذا تحمل في يمناك تلك “

و أشار بيده جلها و كأنه يستعد لخطف العجوز في أي لحظة , هي مدة ذراع فقط , لكن العجوز لم يرمش حتى و بقت على وجهه ملامح سذاجة الخرف و طول الأمد , فرفع يده قليلا بما تحمل من ثقل و قال

” مجرد هدايا للموتى “

برزت أسنان الغريب في وجهه الدامس و أسمع الشيخ اسطكاكها في ابتسامة لا تكبح ، و قال

” أيها الوغد , لا تظنن أنه يمكنك الكذب أو التحايل علي “

و أشار رافعا يده في كسل متمما كلامه

” لست أشعر سوى بالدم و الصقيع يكتنز في ذلك الكيس “

ثم تقدم نحو العجوز أكثر و قال في شغف

” ما الذي أتيت به للموتى كي يقتاتوا عليه ؟ “

و أتبع في لهف و هو يتقافز في مكانه

” أرني أرني , أرني ما بداخله “

استسلم العجوز لإلحاحه و رفع الكيس كاشفا ما بداخله , لم يرى الغريب سوى حفنة من أزهار الربيع و بعض أرغفة الخبز , و هم أن يتفحص محتوى الكيس بأكثر من عينيه , لكن الشيخ سلبه ذلك و قال له بعد أن تأبط الكيس

” هي للموتي “

أرجع الغريب يده المعلقة في الهواء البارد و رد في هدوء جاد

” و ما الذي يجعلك تعتقد أنني لست منهم “

تبسم الشيخ و كأنه سمع نكتة قديمة و قال

” الموتى لا يتكلمون “

تقدم بعدها الشيخ باتجاه القبور المتراصة تحت ظل الشجرة الفارع من دون أن يفلت من أنظار الغريب ، و قام الأخير بتتبعه من على الشجرة لكنه توقف عند حدود الظلمة و ربض عندها و كأنه لا يستطيع التنفس خارجها ، مشاهدا من مكانه العجوز و هو يهم ببدأ طقوسه ، فتح الشيخ الكيس مجددا ولكن قبل أن يدخل يده فيه سأل الغريب الساكن بين ضلوع الشجرة

” لماذا لا تنزل و تقدم احترامك للموتى معي ؟ “

حكم الصمت العالم فجأة بروحه الثقيلة ، مرت مدة لم يكسره فيها سوى نسمة باردة شجعت حفيف الأوراق , ليكمل العجوز بعد أن مل الإنتظار

” لا عليك “

و من دون معقبات نطق الغريب

” إنتظرني حتى تحل ساعتي “

و صمت قليل ، ثم أكمل

” حتى يحل الظلام “

لم يبدو أي تأثر على الشيخ ، فقط هز رأسه بالإيجاب وهو شارد البصر مكباب متأمل في قبور عزيزاته الراحلات ، و لم يأبه حتى للريح الباردة و هي تضرب أطراف عباءته الثقيلة ، و التي أخفت تحتها ملامح جسده ، و من ثم فإن الغروب كاد يتم و لم تتمثل الشمس سوى في إنعكاسها الضحل على وجه السماء و بدأ الظلام يدب ليحل محلها , تماما كما بدأت القوة تدب في جسد الغريب كلما ضعفت قبضة النور على هذا العالم و استولت عليه العتمة .

تعجب الغريب من بلادة هذا العجوز و خرفه ، فحتى المجنون من بني جنسه يعرف نهايته حين يراها ، هو لا يتجاهله ، هو يدرك ما يحدث ، لكن ربما هو لا يأبه ، أو شيء آخر ، هل هو يريد هذه النهاية، اختلفت الأسباب في نظر الغريب و الجوع واحد .

حلت الساعة الموعودة و نزل الغريب من معقله ، إلتفت الشيخ نحوه بعينيه فقط ثم أعادهما إلى مستقرهما الأول ، تقدم الغريب وهو يمشي بانسياب و روية بين الأعشاب الطويلة ، مصدرا أقل صوت يسمع ، حتى وقف أمام العجوز و الذي لم يتعدى مرفقه رغم انحنائه نحوه ، و شخر في وجهه ضاحكا و قال

” هل أنت مستعد لتصبح واحدا منهم ؟”

لكن الشيخ لم يستجب ، فأمال الغريب رأسه ليلحظ نظرات الغضب الهادئ على وجهه و عينيه المثبتتان في الأرض ، حول الغريب بصره إلى موضع نظره ليجد أحد اقدامه و قد وطأت على قبر من القبور ، التفت الغريب ليضحك في وجهه ، لكن ما قابله لم يكن الشيخ بل يده المرفوعة في قبضة نحوه ، و قد اكتست قفازا أسود افتقدته مسبقا ، تجمد الغريب لوهلة لتستقر الحقيقة في كيانه ، و في نبضة قلب أظهر براثنه رافعا إياها ليجهز على الهرم في عجل ، لكن قبل أن تشتد عضلاته ليهوي مخلبه على العجوز، أرخى الشيخ قبضته و فتحها ، لتفرج عن نور مدوا اجتث الظلام من جوفه ، تراجع الغريب و هو يزأر ، لكن قدماه لم تتحملانه لمدة طويلة وركع جاثيا رغما عنه ، غير أنه لم يتوقف عن الصراخ و الحسيس من الألم ، و بدأ بالتلويح من دون هدف كمن يحاول ردع سرب من الدبابير هباء ، ممزقا الأرض بصخورها و مقطعا فروع الشجرة السميكة فوقه كأنها لا شيء أمامه ، حتى بدأت غشاوة النور تضعف و تنحسر ، لكن بصره كان ضعيفا و مشوش ، و أول مارآه هو شبح الشيخ العجوز يخرج شيء من الكيس ببطء ، و أول ما سمعه هو صوت احتكاك عقد من المعدن ببعضها البعض في ملل ، و أول ما فكر فيه هو جميع تلك القصص التي سمعها عن هاؤلاء ، و وجد نفسه كأي مخلوق محاصرا و قد سلب أنيابه و مخالبه ، و قد دنت منه نهايته ، يسأل في صوت مبحوح ضعيف

” من أنت “

تجمد في مكانه حين سمع الشيخ و هو يهمس في أذنه اليسرى

” ششش … الموتى لا يتكلمون “

ليشعر بالمعدن البارد و هو يغرس في لحم عنقه ، و تلفه بعدها سلسلة شائكة اشتدت قبضتها وضاقت كلما سلبت منه قوته و وهن جسده ليزداد الألم و يتضخم مع كل نبض ، و لوهلة حسد البشر لإمتلاكهم قلبا و نهاية سريعة ، لم يستطع حتى الصراخ ، و كل ما خرج من و جهه الشاحب المتألم و فمه المفتوح في صرخة صامتة ، هو أنين خافت و لعنات لن يسمعها متلقيها .

و بعد مدة طويلة من الأنين و اللهاث مات الغريب ، جلس الشيخ و هو يمسك بنهاية السلسلة التي اكتست بالصقيع ، ناظرا إلى الجثة المجوفة أمامه ، متذكرا أول درس تعلمه ، ” يا غلام … كل شيء يلف نفسه بالظلام هو بشع لا محال ” ، و سأل نفسه في صمت و عيناه تتأملان ساكن الشجرة بفضول ، عن من يهمس في ظلمة قلبه ، هل هو مسخ كالذي أمامه أم أبشع .

أكمل الشيخ تقديم احترامه للموتى و قبل كل شاهد من الشواهد الخمسة ، شواهد زوجاته الحاملات و أطفاله الذين لم ينعم بهم يوما ، و هم عائدا و هو يحمل جثة الغريب الثقيلة على حماره ، وفي منتصف الطريق المظلم و البارد تبسم في مكر ، و لمعت في عينه جمرة الشباب ، و ردد على رفيقه الوحيد في تلك الليلة و هو يضحك من قلبه

” من أنت ؟ “

لكن الحمار لم يفهم النكتة ، كالمعتاد….

* * *
ملاحظة : “الغريب” هي نتاج عن مسابقة بيني و بين صديقي ، و كان التحدي هو كتابة قصة قصيرة في موضوع حر ، كنوع من التمرين ، و زدت على نفسي أن وضعت حدا لعدد الكلمات و هو ألف غير أني تعديته بـ200، الأمر حقا صعب ،خاصة إذا كان يتعلق بقصة فانتازي ، وانا محب للرعب و الفانتازي ، و قد أردت في هذه القصة أن أزاوج بينهما سعيا مني لتحسين تجربتي مع النوعين ، و شيء آخر ،لم أكن قد فكرت و تعمقت كثيرا في هذه القصة و عالمها ، على غرار قصص الفانتازي التي تحتاج دراسة كثيرة لعالمها و قواعد سحرها ، فقد سارعت على الكتابة مباشرة ، لذلك قد تجدون الكثير من الأشياء المبهمة و غير المفسرة ، لكن إن أعجبتكم القصة و تودون الغوص معي في هذا العالم أكثر ، فأسمعوني رأيكم .

 
مع تحيات محفوظ. 

تاريخ النشر : 2021-07-14

مقالات ذات صلة

15 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى