أدب الرعب والعام

سفاح الدمى المرعبة

أفاقت الفتاة و هي تحس بألم مريع في كل أنحاء جسدها ، تشعر برعب كبير و أطرافها ترتجف هلعا . مقيدة بإحكام على كرسي و فمها مكمم بشريط ، المكان مظلم جدا و خبيث الرائحة ، هناك شخص أمامها لا يظهر بوضوح بسبب الإضاءة الخافتة . و فجأة بدأ يعزف لحنا مرعبا اقشعر منه جسمها و انتصبت بعض الشعيرات في مؤخرة رأسها .

بدأت تعتاد الإضاءة نوعا ما ، هذا الشخص المجهول لا شك أنه من اختطفها من مدرستها . إنه يجلس على بيانو و يعطيها بظهره . انتهى العزف و استدار نحوها و بدأ يقترب ببطء شديد نحوها كأنه يستمتع بإرعابها . إنها تراه الآن بوضوح ، عجوزا بشعة ، مجعدة البشرة بشدة كأنها تعاني مرضا جلديا ما . وجه غريب و مخيف ، بل هو أكثر وجه مفزع رأته تلك المسكينة في حياتها القصيرة التي لم تتجاوز السبعة عشر عاما .

لمع نصل سكين الذي تحمله تلك المجنونة ، كان طويلا حادا لو شئنا الدقة ، وكافيا لتقطيع بقرة . كانت تسير نحوها الهوينى و هي تبتسم بطريقة لا تصدر إلا من مختل . جمدت الدماء في عروقها و بدأ صدرها يعلو و يهبط بشدة . حاولت التحرك أو الصراخ دون جدوى ، ثم صوت طعن و تقطيع و دماء يرافقها صراخ أليم مكتوم و انتهى كل شيء .

**

واقفا في مسرح الجريمة أغلق أنفي و أمامي جثة مسجاة على الأرض قتلت صاحبتها بوحشية و شوهت تماما ، و لم يبق إلا وجهها سليما ، تفحصت المكان بدقة و أنا أقول في نفسي :

ــ هذه الجريمة غير عادية .

و هنا قال مساعدي :

ــ الضحية تلميذة عمرها سبعة عشر سنة . اختفت بعد خروجها من المدرسة مباشرة . وترك لنا القاتل هذا ..

و أشار إلى علبة كرتونية صغيرة بها دمية مشوهة .

إقرأ أيضا : لعنة الساحرة

شعرت بغثيان مرفوقا بالهلع و أنا أعاين كل هذا الخبل ، لم يكن بيدي حيلة إلا إصدار بعض التوجيهات له و الانصراف مسرعا .

شعرت بحزن شديد على تلك الشابة الصغيرة ، فرغم اعتيادي على الجرائم و منظر الجثث لكن هذا الشيء لم يمر بي من قبل و كان فوق احتمالي . من هو المجرم الذي بإمكانه تشويه جسد الى هذه الدرجة ؟! .عدت إلى البيت معكر المزاج و غير قادر على الأكل أو المزاح رغم محاولات ابنة أختي في إضحاكي أو الترويح عني . لكني لم أقدر على مجاراتها و لو مجاملة لها ، و ارتميت في فراشي . و أنا أتمنى أن يكون كل ما حدث اليوم كابوسا مقلقا سرعان ما سينتهي .

**

في الصباح الموالي كانت الحركة في مركز الشرطة على قدم و ساق ، الجميع يعملون بجدية كخلية نحل و هذا بسبب ما حصل ليلة أمس . عقد اجتماع للضباط من أجل التباحث في القضية و التحقيق فيها ، و قد كانت معظم الأراء ساذجة و سطحية .

تخلل الإجتماع إلقاء بعض النكت و المزاح رغم جدية الموقف و خطورته . و هذا طبيعي بالنسبة إلى رجال اعتادوا على تشغيل بطونهم و ألسنتهم أكثر من أدمغتهم ، و لا يهمهم إلا ما يحصلون عليه من رشوة و عمولات و هدايا غير شرعية .

ظهر لي أن المجتمعين شبه متفقين على أنها جريمة شرف و لا يعدو القاتل عن أب أو أخ منتقم كل هذا السيرك وسط صمت مطبق مني ، فلم أرد أن أدلي بدلوي في مستنقعهم الملوث . و هنا نطق أحد رجال الشرطة المسنين و الذي يتمتع ببطن ضخمة يحسد عليها ــ و عقل عصفور ــ ، قال موجها كلامه لرئيس المركز :

ــ سيدي ، لدي خبرة تفوق ثلاثين سنة في المجال و أقول لكم إنها جريمة شرف ، و أقترح استدعاء والد الضحية و مواجهته ، وإن اقتضى الأمر فبعض الضربات الخفيفة و سيعترف و تحل القضية في دقائق .

كدت أصرخ و ألطمه في وجهه من فكرته الغبية لكني تراجعت بعد أن سرت همهات مستحسنة للفكرة وسط الحضور .

تعرض بعدها الأب المكلوم لضرب و تعذيب شديدين كادا يوديان بحياته لكنه كان ثابتا كالطود و لم يقل شيئا . وفي وسط حفلة التعذيب تلك طلب مني المشاركة فرفضت بشدة ، وعندها تمت إحالتي إلى الرئيس ربما لتأديبي حسب البروتوكول المعمول به .

إقرأ أيضا : قلم الساحرات

في مكتب الرئيس كنت أقف بثبات أمامه ، لكنه و بعنجهية البشوات قال دون أن يرفع رأسه إلي :

ــ سيد (….) سمعت أنك عصيت أمرا مباشر من الضابط المسؤول عنك هل تعرف العواقب؟ .

قلت ببرود مقصود :

ــ أعرف أن تعذيب شخص فقد ابنته منذ ساعات خطأ .

ــ لم تكمل سنتك الأولى كمحقق و ها أنت بدأت في التذاكي .

ــ سيدي .. ليس الأب من نريد ، المجرم المنشود في هذه الجريمة شخصا ذكي جدا و مريض نفسيا و للدقة قاتل متسلسل .

_ ولماذا فعل هذا إن كان ذكيا كما تدعي؟ .

ــ هدفه إيصال رسالة ما عن طريق قتل عدد معين بطريقة مميزة و نمط واحد . إنه يتغدى على الخوف الذي يزرعه في المجتمع و يشعر بالمتعة من حالة الذعر العامة .

ــ و ماذا تقترح سيد شيرلوك هولمز ؟ .

ــ أول خطوة عدم تغطية الجرائم إعلاميا و التحفظ على الجثث التي ستصل لتفادي نشر حالة الذعر التي يطمح إليها .

ــ لدينا جريمة واحدة وجثة واحدة .

ــ ستصل أخرى حتما .

ــ أظن أنك تبالغ بسبب مشاهدتك الكثير من الأفلام ، يا بني لا تغتر بنفسك ، فلولا أن والدك صديق عزيز ما كنت هنا و الآن انصرف .

ــ سيدي ، أرجوك يجب اتخاذ الإجراءات و إلا ستكون كارثة .

ــ كلمة أخرى و ستعاقب ، غادر .

غادرت المكتب و أنا ألعن غباء هذا الأبله ، فلن يطول الأمر كثيرا حتى يدرك صحة ما قلت .

**

قررت عدم مناقضة هؤلاء الكهول ــ زملائي ــ كثيرا و مواصلة التحقيق بنفسي . و أول خطوة قمت بها هي تمشيط المدينة بحثا عن دمية مشابهة لتلك التي وجدناها بمسرح الجريمة ، لكن دون نتيجة . فكل المتاجر أكدت أن ذلك النوع قديم و توقف تصنيعه . إذن فهذا الطريق مسدود و ليس أمامي حل إلا انتظار الجثة الثانية التي قد يرتكب فيها السفاح المجنون خطأ ما .

و لم تطل المدة كثيرا ، فما هو إلا أسبوع حتى ظهرت جثة ثانية . شابة في الـسادسة عشر من العمر ، اختفت بعد نهاية دوام المدرسة كالعادة . لن أطيل الوصف ، سياج أمني ، أضواء ، كاميرات ، منظر بشع ، جثة مشوهة و الدماء تغطي كل شيء . ومثل المرة الأولى البصمات لا تتطابق مع أي شخص في البلاد . لا دليل و لا أي خطأ صغير . هذا السفاح يتقن عمله تماما ، فلم نجد إلا جهازا صغيرا غريبا في جيب الضحية لم أعرف ماهيته ، فوضعته في جيبي بإهمال .

بينما أنا متواجد بمسرح الجريمة أقوم بعملي كان عشرات الفضوليين يحومون حولنا . اقتربت مني عجوز غريبة الشكل و قالت بصوت هامس لكن خشن :

ــ ألم تمسكوا هذا القاتل بعد يا بني؟ .

ــ ليس بعد ، لكننا نبذل كل جهدنا .

ــ باركك الله يا بني .

ثم انسلت وسط الجمع بسلاسة و اختفت ، لم تكن بطيئة الحركة كعادة كبار السن . لا بد أنها تمارس رياضة ما ، وضحكت في سري و أنا اتحسس تلك الكرش الصغيرة التي نمت لي مؤخرا .

بعد دقيقة من الاستغراق في أفكاري ضربت كفا بكف و أنا أزمجر بغضب :

ــ كان يجب ان أحجزها ، فكيف لها أن تجزم بأن القاتل شخص واحد ؟ ، كان يجب .. ترى من تكون ؟ . لن يطول الأمر قبل أن أكتشف و أصدم بحقيقتها .

و هنا التقيت وجها بوجه برئيسي ، فنظر لي نظرة من طراز :

ــ لقد كنت على حق أيها المتذاكي .

فرددت عليه بأخرى من طراز :

ــ لم تر شيئا بعد أيها الأحمق .

لم يطل الأمر و أصدر أمرا بتعييني كمحقق رئيسي في هذه القضية ، وأعطاني كامل الصلاحيات . على الأقل لم يكن غبيا إلى تلك الدرجة التي تصورتها .

إقرأ أيضا :عهد الدماء

**

وجه تلك العجوز كان يطاردني و أصبح هاجسا ، لقد كان مألوفا لي ولست من الذين ينسون الوجوه بسرعة . أين رأيته من قبل ؟ ، آه تذكرت .

أسرعت إلى البيت للتأكد . هناك لدي غرفة مكتب مجهزة بأرشيف يحوي معلومات و صور أغلب المجرمين في البلاد و العالم . بحثت وقتا طويلا قبل أن أعثر على صورتها . إسمها ماري فرنانديز كانت تمارس ألعاب الخفة (ساحرة) وارتكبت في بيتها جريمة قتل ضد مراهقة بعد أن استدرجتها . بعدها ضبطت و سجنت مدى الحياة و ماتت بالسجن .

ماذا؟ ، انتصبت بعض الشعيرات في رأسي . هل ما ظهر لي كان شبحها ؟ .هذه القضية أعقد مما ظننت .

فتحت ابنة أختي باب غرفتي بصخب و جرت نحوي و على وجهها ابتسامة مشرقة رفعت معنوياتي بعض الشيء و أنستني هواجسي . فتاة مزعجة لكني أشفق وأعطف عليها بسبب أنها يتيمة الأبوين وتعيش معي .

قلت لها :

ــ ما رأيك أن نتناول الطعام في مطعم من اختيارك .

هللت للفكرة بصخب كعادتها و انطلقنا مباشرة .

وبينما نحن نتناول طعامنا في جو هادئ ضايقني الجهاز الذي عثرت عليه بالجثة وكنت أضعه في جيبي . فأخرجته ووضعته على الطاولة و هنا صرخت ابنة أختي بعد ان رأته :

ــ هل هذا هدية لي يا خالي العزيز ؟

ــ في الحقيقة لا إنه دليل .

فقالت متحسرة :

ــ أنا في حاجة إلى جهاز حديث مثله لتسجيل الدروس صوتيا
قلت بفرح :

ــ هل تقصدين أنه جهاز يسجل الأصوات .
ــ نعم ، ظننتك ذكيا .

احمرت أذناي قليلا من الخجل و قلت :

ــ هل تريني طريقة تشغليه ؟ .

**

بعد تفريغ الجهاز الغريب من ملفاته الصوتية خاب أملي . فبعدما كنت أظن أني سأعثر على رسالة استغاثة أو معلومات ما ، لم يكن هناك إلا بعض التسجيلات الصوتية للدروس ، ثم صوت لحن مرعب و صرخات مكتومة بعده و أصوات طعن لا بد أن الضحية الثانية سجلت آخر لحظاتها . لا أدري كيف يفيدني هذا اللحن لكنه الخيط الوحيد لإيقاف ذلك المجنون .

اتصلت بأحد أصدقائي الذي يعمل بالإذاعة و طلبت منه تشغيل تلك الموسيقى ، و أن يسأل الجمهور إذا ما كان هناك أحد سمعها من قبل و أين .

إقرأ أيضا : و رقصت على رفات الماضي

بعد عدة أيام من عرضه دون نتيجة اتصلت إحداهن و قالت أنها سمعته في حفلة أقامتها مدرستها . بسرعة البرق توجهت إلى تلك المدرسة و حصلت على نسخة من شريط الحفلة ، لقد كنت أشعر بالإثارة و أنا أشغله . بدا لي حفلا عاديا تخلله عروض متنوعة . و فجأة أظلمت القاعة و تم تشغيل ذلك اللحن المخيف و ظهرت عجوزا تسير ببطء على المسرح مبتسمة . ياه كدت أفقد الوعي .. إنها .. إنها هي ، ماري فرنانديز القاتلة و العجوز التي ظهرت في مسرح الجريمة ، و التي من المفترض أنها ميتة الآن . كيف حدث هذا ؟ .

**

قدمت الساحرة عرضا رهيبا أبهر الطلاب ثم نادت على إحداهن للمشاركة او مساعدتها . كانت الفتاة سعيدة و الساحرة تلاطفها ثم اقتربت منها أثناء العرض و همست شيئا في أذنها ، هنا وجمت و تغير لونها . لقد كانت الفتاة هي نفسها الضحية الأولى في جرائم السفاح . هل الساحرة التي من المفترض أنها ميتة هي نفسها السفاح ؟ . لن أقدر على الوصول إلى حل لهذه القضية أبدا .

طلبت بعدها نسخة من الحفلة الأخرى التي جرت بمدرسة الضحية الثانية و قد حدث نفس الشيء . لحن مرعب ، عرض سحري مبهر ، صعود فتاة إلى المسرح للمساعدة ، تهمس الساحرة في أذنها شيئا ما ثم بعد يومين تختطف الفتاة و تقتل ببشاعة .

في الأمر خدعة لكن كيف؟ ، كيف تخطفهم في مكان عام أمام الناس دون أي مشكل ؟ . لم أجد حلا غير أني قمت بتعميم صور الساحرة على جميع أقسام الشرطة .

بعد التحقيق تبين أن هناك حفلا أقيم بمدرسة أخرى من يومين ، أسرعت إلى هناك و شاهدت الشريط ، ثم سألت عن الفتاة التي شاركت في العرض فاخبروني أنها في قاعة الدرس . شعرت بسعادة كبيرة ، أخيرا ستنجو إحداهن .

طلبت استدعاءها لأمر مهم ، و جُل ما أخبرتها به أن تكون حذرة اليوم . و أعطيتها بطاقتي للإتصال بي في حال شعرت أنها مراقبة أو أحست بأي خطر . كانت مذعورة و لم تفهم شيئا ، لكني طمانتها أن كل شيء بخير .

شعرت براحة نفسية مباغتة كوني أنقذت المسكينة من
مصير مخيف ، رمقتها و هي تنصرف من أمامي ممتلئة حيوية و شبابا . من المفترض أنها ستخطف و تقتل اليوم إن كان القاتل دقيقا كعادته . سرت في جسدي رعشة و أنا أتخيلها جثة هامدة ، ثم قلت لنفسي :

ــ لا .. انتهى الأمر .

إقرأ أيضا : ابن الشجرة

**

فرضت رقابة على الفتاة و أمرت بتشكيل طوق أمني حول المدرسة من شرطة باللباس المدني . لن تفلت مني أيها السفاح اليوم .

بعد انتهاء الدوام كنا نسيطر على الوضع ، راقبنا المنطقة جيدا . و كنت أشرف بنفسي على مراقبة الفتاة ، كادت تصل إلى بيتها وأنا أسير قريبا منها . كانت تمشي مسرعة و تلتفت كل حين كأنها تضايقت مني ، أسرعت قليلا لألحق بها ، ثم قلت :

ــ لماذا تسرعين هكذا هل نسيت أننا تحدثنا منذ قليل بمدرستك منذ قليل؟ .

ــ عفوا يا سيد ، لم أرك من قبل ، لا بد أنك خلطت بيني و بين شقيقتي التوأم ، هذا يحدث دائما .

ــ ماذا ؟ .. ألست من شارك في العرض السحري منذ يومين ؟ .

ــ لا ، شقيقتي فعلت .

كأن صاعقة وقعت على رأسي . اتصلت بمساعدي الذي كان يرابط أمام المدرسة ، قال أن الامور سارت بخير . لا شيء يدل على حدوث عملية خطف . و بعدها جاء النبأ الصادم عن اختفاء تلك الفتاة بعد نهاية الدوام المدرسي .

رغم أني فرضت رقابة شديدة على كل المركبات التي سارت في محيط المدرسة اليوم ، و وزعت صور الساحرة على كل الدوريات . إلا أنها نجحت في خطف الفتاة أمامنا والخروج من الطوق الأمني المكثف .

لم تبق حفلة أخرى و الضحية القادمة قد تكون أي شخص . لقد انتهى الأمر و انتصرت السفاحة .

**

كنت في دوامة كبيرة من اليأس و الحزن بسبب عجزي عن العثور على أي خيط . و هنا جاءتني فكرة بدت في أول وهلة غبية . ذهبت إلى المحقق الذي كان مسؤولا عن قضية ماري فيرنانديز المرأة اللغز ، كان متقدما في السن و طيبا . رحب بي في بيته و استغرب أن أسأله عن قضية مضى عليها عشرون سنة ، ماتت صاحبتها منذ زمن طويل .

صارحته بكل شيء فدهش ، وأكد لي أنه حضر بنفسه لحظة دفن جثة ماري فرنانديز و قال أن في الأمر خدعة دون شك .

طلبت منه ان يلخص لي قضيتها ، فقال :

ــ كانت امرأة غريبة الأطوار ، و ساحرة عبقرية ، كل همها كان رعاية ابنها الوحيد كريستوفر ، و هو شاب منعزل يعاني من التنمر بسبب مرض جلدي يجعله يبدو عجوزا .

ــ ثم ماذا؟ .

ــ كان ابنها هو مصدر سعادتها ، وقد قامت بتعليمه كل فنون السحر و التنويم المغناطيسي التي تتقنها ببراعة ..

قاطعته :

ــ هل قلت أنها تجيد التنويم المغناطيسي؟ ، لهذا تمكنت من اختطافهن . لقد كانوا منومين! ، ثم ماذ حدث ؟ .

ارتشف قليلا من كوب القهوة أمامه و قال :

ــ كان كريستوفر وحيدا دون أي أصدقاء ، و ذات يوم التحقت بالمدرسة فتاة جديدة طيبة القلب . تصادقت معه و حاولت إخراجه من عزلته ، ربما كانت تشفق عليه ، لكنه فهم هذا خطا . ظن أنها تهيم به حبا ، و صارحها في رسالة بحبه . و هنا بدأت حفلة التنمر إذ مرت الرسالة على كل زملائه في القسم ، فأشبعوه سخرية و استهزاءًا و ضربوه و مزقوا ثيابه و هم يتضاحكون . اصيب بانهيار حاد و رفض العودة إلى الدراسة .

إقرأ أيضا : ليلتان و ليلى

_ كل هذا جميل ، لكن كيف حدثت الجريمة؟ .

ــ بطريقة ما استدرجت أمه الفتاة إلى بيتهم . وقامت بقتلها ببشاعة حسب اعترافها و ماتت في السجن .

ــ هل أنت متأكد أن الأم هي من قتلت ؟ .

ــ بصراحة لا أحد يعلم .

ــ ماذا حدث لكريستوفر بعدها ؟

ــ لا أعلم . تبخر ، اختفى .

بعد كل هذا عدنا إلى نقطة الصفر ، سألته عن بيت الساحرة فدلني عليه و قال :

ــ لا أرجح أنك ستجد شيئا هناك ، فالبيت مهجور . كما أن الشمس على وشك المغيب .

ــ لا يهم .

قلت له هذا وأعطيته نسخة من ملف القضية . ثم انصرفت شاكرا تعاونه و تركت له بطاقتي في حالة اكتشف شيئا .

**

قررت أني سانفذ عملية البحث وحدي دون جلبة ، فالسفاحة حذرة جدا و ذكية و رجالي اغبياء بعض الشيء . و سيعيقونني كثيرا في حالة استعنت بهم .

من بعيد ظهر ذلك البيت القديم وسط اللاشيء . لم أكن أعرف عما أبحث تحديدا ، لكن حافز ما جرني إلى الدخول إليه .

في الداخل كان البيت خاليا إلا من أثاث قليل متهالك . الغبار يغطي كل شيء ورائحة العطن كذلك ، لا أثر للحياة ، الهدوء يسيطر على الأجواء . شعرت ببعض الرعب و أنا أستحضر أن ساحرة مجنونة ارتكبت جريمة قتل في هذا المكان و فجأة .. ترررن ، لقد رن هاتفي بصوت قوي يُسمع الموتى .

نسيت إطفاءه ، سمعت جلبة أو صوت عند الرنين ، أطفأته بسرعة ، هل هي هنا ؟ .

بدأت بتتبع مصدر ذلك الصوت ، إنه قادم من وراء جدار ما في أحد الزوايا . ضربت الجدار بقبضة يدي ، كان مجرد قطعة خشب تخفي ممرا سريا الى قبو ما . لم أكن أعلم أنه يوجد قبو أصلا . أرجو ألا يكون ما أظنه حدث قد حدث .

حملت المسدس و نزلت الأدراج الى أسفل مسرعا . للأسف وصلت متأخرا ، لقد كان المنظر مقززا ، الدماء تسيل شلالا من الفتاة التي خطفت اليوم . يبدو أنها قتلت قبل ثوان فقط . صحت بأعلى صوتي :

ــ اللعنة ، لقد فرت القاتلة مجددا ! .

الضحية ذبحت للتو ، و اضطرت القاتلة إلى التخلص منها دون تنفيذ أي من فنونها المعروفة في القتل . أمام الجثة الساخنة كانت هناك تلك الدمية المشوهة ، لقد أصبح الامر إعتياديا و مملا . لكن ما تلك الورقة الموضوعة أمام الدمية؟ . إنها رسالة موجهة لي من السفاحة كتبت فيها : ” لم ينته الأمر بعد ” . ماذا تقصد هذه المعتوهة ؟ .

إقرأ أيضا : جسد بلا روح

**

اتصلت بالإسعاف و الشرطة من أجل القيام بالاجراءات ، و أعدت مهاتفة ذلك الأرعن الذي تسبب في عرقلة خطتي . لقد كان المتصل هو نفسه المحقق العجوز في قضية الساحرة .

لم يمهلني حتى ثانية و قال بحماس :

ــ وجدتها .. وجدتها ، هل رأيت صورة كريستوفر مع أمه ؟ . ألم تجد شيئا غريبا فيها؟ .

قلت بضيق :

ــ لا

فرد بحماس أكبر :

ــ كريستوفر لديه تشوه في يديه ، و عدد أصابع كل يد هو ستة و أمه لديها خمسة أصابع .

ــ ثم ماذا ؟ .

قال المحقق :

ــ لقد تابعت فيديو الساحرة التي أدت العرض و صدمت لما رأيت ، لديها ستة أصابع ! .

صحت بانتصار :

ــ إذن الساحرة هو كريستوفر متنكر بشكل أمه الميتة ! .

يا له من سفاح مجنون و يا لها من فكرة ! . الآن فقط أدركت كيف لم نقبض عليه ، لقد كان يختطف بهيئته الأصلية بينما نحن كالأغبياء نبحث عن العجوز التي تظهر في الفيديو .

اتصلت بجميع الوحدات و قمت بتعميم صور كريستوفر على الكل ، و أصدرت أوامر مشددة بإلقاء القبض عليه أو قتله فهو شخص خطير جدا .

**

ثم تذكرت شيء ما ، و كان الزمن قد توقف ، والأرض دارت حولي . تلك الورقة التي تركها تقول ” لم ينتهِ الأمر بعد ” .

انطلقت بالسيارة كالمجنون إلى البيت ، و أنا أتمني ألا يكون ظني صحيحا . لكني وجدت على المدخل الدمية المشوهة . ضربت الباب بكل قوتي .

لقد كان هناك أمامي مباشرة ، إنه هو ، كريستوفر .. سفاح الدمى المرعبة . بهيئته الأصلية يبدو كعجوز رغم أنه في الثلاثينات ، يمسك بابنة أختي و السكين على رقبتها . صحت فيه بجنون :

ــ كريستوفر انتهى الأمر ، لا تتهور أكثر .

ابتسم ببرود لم أر مثله في حياتي . و بحركة مسرحية استعراضية مرر سكينه على رقبتها برشاقة ليطلق شلال الدماء الساخنة ، و تسقط المسكينة تتلوى ممسكة بحنجرتها المقطوعة . بكل هدوء رمى السكين و جثا على ركبتيه واضعا يديه على رأسه مستسلما . عندها فقط كنت قد أصبحت مجنونا ربما أكثر منه . اقتربت .. اقتربت .. ثم أفرغت مسدسي في رأسه المخبول ، و انتهى كل شيء .

تمت ..

مصطفى 2018

- الجزائر - للتواصل مع الكاتب : [email protected]

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

15 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
15
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك