أدب الرعب والعام

جهاز احتواء الكيانات المجهولة : كـ.211 (سيف جلجامش)

جذب بغيضٍ البقية الباقية من سيجارته لينفث دخانها المسموم على وجهي، ثم شتمني، أنزلت زجاج السيارة، وقلت وأنا أقاتل رغبتي في السعال:

_ أرجوك يا سيدي، أنا لست هنا معك لكي يتم شتمي و إهانتي كل لحظة.

أجاب بلا مبالاة :

_ ما الذي تقصدينه؟ لم أقل سوى الحقيقة ، أنتم أوغاد حقرة ، منظمة بلهاء وعملاء أبناء كلب .

امتعضت من آخر كلامه، فوجدتني أرد عليه رغم معرفتي بأني سأندم على ذلك:

_ سيدي أنت تعمل تحت هذه المنظمة البلهاء، وكذلك أنت عميل من عملائها الذين تناديهم … إحم … بأبناء الكلب .. سيدي .

لاحظت تعكر مزاجه العكر أصلا بعد تذكيري له بالحقيقة المرة، فالتفت لي و رمقني بنظرة الأب المتوعدة بالعقاب لقليلي التربية وطويلي اللسان. قابلته أنا بنظرة هادئة ومتحدية، أدار وجهه عني وبعد برهة من الصمت قال :

_ نعم لا تنسي ذكر ” سيدي” في كل مرة تتحدثين فيها معي … وإلا ، أنا لست كلبا مثلك يا مروة ، عقلك الغارق في أوحال المراهقة والذي لا يزال محاصرا بالهرمونات وقصص الحب.. لا يستطيع أن يستوعب أنني لا أعمل معهم ، ولكنني ‘أتعاااامل’ معهم. لماذا ؟، لأنني ملعون بقدرات خارقة أغلب البشر مرحومون من حملها.. وإن رفضت أن ‘أتعاااامل’ معهم، فلن أكف عن لعن اليوم الذي أخرجني فيه أشرف و خيرية إلى هذا العالم وأنا على مائدة التشريح وصورة مخي البارز من جمجمتي تملأ عيناي.

إقرأ أيضا : القمر الأحمر : صحوة النسل الهجين

وأدار وجهه إلي مربتا على رأسي و ابتسامة عبيطة كوجهه كشفت أسنانه كلها قائلا:

_ هل تفهمين الآن لماذا أعتبركم بلهاء وأبناء كلب؟

وليس للمرة الأخيرة كتمت غيضي ولم أجبه .

كان ذلك هو العميل مصطفى، كهل أسمر البشرة غزا الشيب شعره في غير أوانه. فض غليظ ، سليط اللسان ، سمج الطباع ، ضيق الصدر ، أسود القلب ، لكنه رغم ذلك يبقى من بين أفضل عشرة عملاء خاصين في المنظمة.. برتبة عميل أول وصاحب أعلى معدل مناعة عقلية بينهم بنسبة 94 بالمئة. ما يعني أنه يصعب على الكيانات السيطرة أو التأثير على عقله، وبالمختصر المفيد لا يوجد جني يستطيع لطم هذا الرجل.

زد على ذلك قدرته الخاصة على التشويش و نفي القوى الخاصة لعدة كيانات خارقة. وبسبب ذلك عندما أتتني رسالة من المنظمة يطلبون فيها متطوعا في مهمة استطلاعية مع العميل الأول مصطفى، لم أتردد في اقتناصها رغم تحذير الكثيرين لي داخل المنظمة. فما إن أذكر اسمه أمام أحدهم تعقف أفواههم في قرف أو تتقطب حواجبهم في غضب. رغم كل ذلك قلت لنفسي أنني سأتحمله و أي شيء ينبع منه فقط لكي أستطيع أن أعمل بجوار أحد أرقى العملاء في المنظمة.

لم أقضي معه سوى يوم واحد، والآن أنا لا أكف عن التفكير في طريقة لقتله وتكسير وجهه.

_ مروة … مروة … يا بلهاء.

_ نعم سيدي!!

_ ما هي قدرتك الخاصة؟

_ألم تقرأ ملفي عندما قبلت بي؟

_ أجيبي على السؤال ، ولا تنسي سيدي مجددا.

_ يمكنني التحكم في مسار أي قوة حركية من مسافة معينة عن جسدي يا سيدي ..

_بالعبري البسيط يعني …

_ يعني إذا أطلق أحدهم رصاصة علي وأنا مفعلة لقدرتي أستطيع ردها إليه بأن أعكس شعاع حركتها.. لكن ذلك يحتاج مني إلى بعض التركيز، كما أني لا أستطيع إبقاء قدرتي مفعلة لمدة طويلة على التوالي.

_ هم.. على أقل أنت تصلحين كبزة مضادة للرصاص.

_ كل شيء من اللكمات حتى الصواريخ سيدي.

_ أجل أجل فهمنا، على كل حال لقد وصلنا.

ظهرت القرية الصغيرة ذات البيوت المتراصة و المعلقة على حافة الهضبة.. والتي توسط ساقتها بيت لا تختلف هندسته عن جيرانه قليلي الحظ سوى أنه بأربع طوابق و مطلي تماما بالأبيض الناصع و محاط بجنة خضراء من النخيل ومختلف الأشجار. كان تلك هي فيلا مهرب الآثار الذي نشك في امتلاكه لكيان ما.

إقرأ أيضا : جاكم : كـ.077 [أمنا الغولة]

طبعا بدأ مصطفى بذكر هذا الآخر بأشنع الصفات و أنذلها، فلا أحد يسلم من لسانه عدوا كان أم صديقا. ولم يصمت حتى وصلنا إلى بوابة منزله التي وقف عليها حارسين مزينين ببندقيتي كلاشنكوف، فتحت لنا البوابة فدخلنا وركنا السيارة، وقبل نزولنا التفت إلي مصطفى وقال:

_ لا تنسي دورك التمثيلي يا حلوتي.

ربت على رأسي بغلاظة وقرص خدي، فشتمته في سري وعدلت من خماري الوردي وخرجت من السيارة. صابغة على محياي ابتسامة عريضة كون دوري تمثل في بنت الأب الثري المدللة و المحبة للآثار، رغم تناقض ذلك.

استقبلنا وجه مهرب الآثار الملقب بالشيخ حكيم، بيد أن صفة الشيخ الملاصقة لاسمه لم تحمل ذرة من الحقيقة ، فالواقف أمامنا لم يكن قد تعدى 30 من عمره .

رحب بنا مناديا مصطفى باسمه المستعار.

_ أهلا أهلا بالأستاذ خيري، كيف أحوالك؟ نورتنا بحضورك.

شاركه مصطفى المصافحة والتحية ثم التفت إلي وقدمني :

_ مروة روح أبيها وفلذة الكبد الوحيدة، كما أنها محبة بل وعاشقة شديدة لكل ما هو قديم و مغطى بالغبار.

قفزت في مكاني من المفاجأة، اللعين نسي تماما اسمي المستعار واستخدم اسمي الحقيقي من دون تكلف.

_ ثم أردف بلهجة ذات معنى للشيخ حكيم :

وهي هنا لكي تتعلم حرفة العائلة.

ضحك الشيخ حكيم ثم أشار إلينا بالدخول ، استوينا بعدها على أريكة من أفخم ما يكون.. حيث راح مصطفى فارعا جسده عليها متلذذا بكل ثانية يمضيها داخل حضنها متناسيا تماما شخصية الرجل الثري الجامع للآثار التي كان يجب أن يلتزم بها. ويبدو أن ذلك أربك حكيم فقد بدى ذلك جليا على عينيه ، فرحت قائلة لكي أحول انتباهه مفبركة وجه خجلا:

_ اعذر أبي يا شيخ حكيم ، فإن كثرة الحفر والمطبات في الطريق أحيا ألم ظهره المزمن.

إقرأ أيضا : سمفونية مصاصي الدماء

_ لا بأس لتأخذ راحتك يا أستاذ.

لم يجبه مصطفى وهو مغمض العينين سوى بأن رفع يده في إشارة ‘أوكي’.

_ بالمناسبة شيخ حكيم أنا حقا معجبة بهذا العمل النبيل الذي تقوم به أنت وأمثالك، رغم معارضة الكثيرين لك.

_ نعم نعم يا مروة فالكثيرون لا يفهمون أن ما أقوم به هو حفظ لميراثنا التاريخي وليس نهبه. وماذا في ذلك إن كنت أبيعه للإفرنج و البريطانيين؟ على الأقل أنا متأكد بأنها في مأمن معهم، وليست وسط هذه البلاد الموبوءة بالحروب والنزاعات.

لو كان ما يقوله حقا لاحتفظ بها عنده وما باعها في مزاد بأغلى الأثمان ، لكني رحت قائلة:

_ أتفهم ذلك حقا، وأعتقد أن ما تفعله نوع من أنواع التضحية و السمو الإنساني.

فجأة لمحت بريقا في عينيه، ضحكت في كينونة نفسي وقد أدركت أنه وقع في الفخ. أحمر شفاه و رموش طويلة وأب ثري، يمثلان طعما مغريا لكثير من الرجال.

تزحزح في كرسيه مقتربا أكثر مني وقال:

_ كلامك حقا يسرني ويثلج قلبي يا مروة ، هل …

اعتدل مصطفى في قعدته مقاطعا إياه:

_ آسف يا شيخ حكيم لكنني احتجت تلك القيلولة السريعة، والآن أنا مستعد لرؤية مخزونك الجديد.

_ ما الذي تريد يا أستاذ خيري؟ فكل ما تحتاجه عندي.

_على عكس معاملاتنا السابقة التي لم تستلزم لقاء بيننا، اليوم أنا هنا لأنني جاد. أبهرني وقد أشتري منك كل شيء دفعة واحدة، شرط أن تكون من آخر تنقيب لكم إن كنت تفهم قصدي.

أضفت أنا:

_ هل تقصد قطعا من المناطق التي بزغت بعد جفاف نهري دجلة والفرات؟

ابتسم الشيخ حكيم و استقام من جلسته قائلا:

_استعد لغسل أعينكما جيدا لأنكما ستكونان أول من يرى تحفي القيمة.

قادنا الشيخ حكيم إلى قبو بيته، ونزلنا إليه لنتفاجأ بمنظر هوليوودي من الطراز الرفيع. سم حكيم ما شئت لكن عليك أن تعترف ، للعين ذوق راق .

كان رواقا ضيقا بعض الشيء، امتدت على ضفافه ما اختلف من التحف والآثار الملحوفة بالظلام لولا فوانيس زيتية عتيقة مدلات بين كل تحفة وأخرى كأنها ملاكها الحارس.

إقرأ أيضا : سْكيدْلْ

خرجت مني ضحكت حقيقية وقلت:

_ كما لو أنني داخل قصة من قصص ألف ليلة وليلة.

قال الشيخ حكيم وصدره قد امتلأ فخرا:

_ ما ترونه هو كنز مدفون اكتشفته خلال تنقيبي في مكان ليس ببعيد عن موضع تلاقي الدجلة و الفرات.

سأل مصطفى وهو يعاين أحد التحف لافا يديه خلفه

_مدفن من بالتحديد؟

_ في الحقيقة لا أعرف لكن من العدد الكبير للأسلحة الموجودة فيه، احتمال كبير أن المدفون كان أحد النبلاء أو قائدا عسكريا .

ثم أكمل:

_ بالحديث عن الأسلحة ..

تقدم الشيخ حكيم بسرعة أمامنا إلى أقصى الرواق و انغمس في الظلام، ثم دعانا أن نقترب، وما إن فعلنا ذلك انبثق النور كاشفا لنا حائطا من الصخر الأسود ذي بريق بنفسجي سحري، وقد نقشت عليه دائرة حوصرت بدورها بحروف لم تعرف سوى الإزميل و المطرقة كأداة لكتابتها.. لكن كل ذلك بهت أمام السيف ذي المقبض الذهبي والغمد الأسود ، و الذي توسط كل ذلك و هو يكاد ينغمس داخل الحائط في قالبه الخاص ..

حلت وهلة من الصمت لم يكسرها سوى صوت حكيم الخاشع قائلا:

_أتعرفون ما الأكثر إبهارا؟

توقف قليلا وهو ينظر إلى أعيننا المتسائلة و أكمل:

_ لا أحد يستطيع استلاله، رغم محاولة أقوى رجالي وأنا شخصيا، الا أننا لم نستطع كشف نصل السيف ولو قليلا.

مد حكيم يده واقتلع السيف من قلب الجلمود الأسود في فضاضة لا تليق بعمر السيف ووضعه أمامنا. أشرت إلى حكيم بأن ألمسه فهز رأسه موجبا.

مررت يدي على غمده وأنا أتحسس الحروف و الرسوم المشابهة للهب الممتدة خلاله ، سائلة حكيم:

_ ما الذي تعنيه هذه النقوش؟

_ “اهتج واستل نصل روحك ، دعها تحترق و معها أعداءك ” .. كترجمة تقريبية حسب قول أحد معارفي، ثم أدار وجهه نحو مصطفى الذي غزت الحيرة ملامح وجهه وقال:

_أعرف أن السيف يبدو جديدا و مفبركا لكنني أجزم لك يا أستاذ خيري أنه أصلي ولا …

قاطعه مصطفى:

_كم تريد مقابله؟

وبدأ حكيم باللف و الدوران ومصطفى يلاحقه ويرفع السعر، فيما أنا لا أستطيع إبعاد عيني عن السيف و كأن ولعا دفينا به قد طفح وبات لا يستطاع احتواءه .

إقرأ أيضا : الشياطين لا تأتي من تحت الأرض .. بل تهبط من السماء !

تجمعت أصابعي لا إراديا حول مقبضه الذهبي وهممت باستلاله. قاوم السيف قليلا لكنني شعرت بتيبسه يختفي ونصله يكاد ينبثق من غمده ليوقفني مصطفى في اللحظة التالية غارسا أصابعه في ذراعي بفضاضة مبعدا إياي عن السيف، ثم صرخ أو كاد يفعل :

_ ما الذي تفعلينه يا بنت …

و لم يكمل لأنني التفت إليه رامية ذراعه جانبا و زمجرت في وجهه:

_ ما الذي تعنيه يا مصطفى؟ ، أنا أقوم بعملي.

أمسكني مجددا بغل و جذبني نحوه:

_هل جننتِ؟ كيف لك أن تناديني باسمي الحقيقي؟

_ انظروا من يتكلم ، لم أكن أقوم سوى بواجبي ، كنت أتأكد من أن السيف طبيعي وليس أحد الكيانات.

_ لا داعي لفعل ذلك إنه ما نبحث عنه، شيء يكمن داخل ذلك الغمد وأنا لا اريد له أن يتحرر ،لذلك لا تحاولي استلاله.

أزلت يده عني بعنف وأنا أنظر له بتحد قائلة:

_ لا أحد يملي علي ما أفعله.

نظر إلي بغرابة وتساؤل، ليرفع راحة يده أمام وجهه في اللحظة التالية، وقبل أن أبدأ بنطق أول حرف لسلسلة الشتائم الموجهة إليه، مرت علي صدمة كهربائية مخدرة جميع حواسي ، وقد هممت بالسقوط لو لم يمسكني:

_ يا بلهاء هل أنت بخير؟

_ هه ماذا جرى … لا تقل لي أنك استخدمت قدرتك علي؟

_ نعم، إن السيف يحاول تلبسك، أخبريني ما هو مستوى مناعتك العقلية.

_ إنه 72 .

_ تبا إن هذا الكيان قوي ، قوي أكثر من اللازم ، لذلك لا تحاولي لمسه مجددا .

التفت كليهما نحو الشيخ حكيم الذي أمسك السيف بكلتا ذراعيه وقال بصوت أقرب للهمس:

_لقد خدعتني من البداية، لكن لماذا يا أستاذ خيري؟

كان واضحا أن السيف بدأ بتلبس الرجل ولن يفيد معه أي كلام ومنطق ، لذلك راح مصطفى مشهرا مسدسه عليه قائلا:

_صباح الفل يا روح أمك ، هات السيف أو ودع خلايا مخك البالي ..

رد عليه حكيم معقبا:

_ يا حراس .. يا حراس.

فيما انهمكت أنا في سرد الوضع الحالي لفرقة الدعم المسلحة ليأتي الرد السريع من سماعة الأذن:

_ سنكون عندكم في خمس دقائق ، انتهى.

كان الشيخ الذي ليس بشيخ لا يزال يصرخ بأعلى صوته طالبا النجدة فتقدم نحوه مصطفى وماسورة مسدسه تنتصف رأس الرجل، ظننت أن الرجل قد بلل سرواله لكن أسوأ من ذلك حدث، لقد استل السيف ..

افترق المقبض عن الغمد لكننا فوجئنا بأنه لا وجود لنصل، ولم تكد تمر ثانية حتى بدأ جسم حكيم بالتشنج و الغرغرة.. ابتعد عنه مصطفى بسرعة، ليهمد فجأة كما بدأ ..

_ لقد مات الرجل يا مروة …

في نفس الوقت سمعنا خطى الحرس وهي ترج السلالم، وبردة فعل سريعة أطلقت رصاصتين على بوابة القبو لتتلكأ تلك الخطى فجأة متصايحين ومنادين على سيدهم، انزوى كل منا في مكان يقيه رصاص العدو، استعديت لتفعيل قدرتي وهممت بالتقدم لكن مصطفى أشر لي بالتوقف قائلا:

_لا .. أنا كفيل بهم، لكن حاولي أن تأمني السيف من دون لمسه.

_ لكن سيدي قدرتي مثالية لهذا الموقف .

_ أنا أعلم، غير أنني لم أربى لكي أرى فتاة تقاتل في مكاني .

إقرأ أيضا : الطريق إلى المنارة

من لا يعرفه يعتقد حقا أنه إنسان ذو شهامة و نبل، لكن الحقير يريد فقط إفراغ سلاحه في رؤوس أولئك المساكين، بدأ إطلاق نار كثيف نحونا.. مانعا ايانا حق الرد ، وتحت ذلك الغطاء الناري بدأ الحرس بالولوج للقبو وبدأ مصطفى بالتحرك ، التفت نحو السيف متيقنة من النتيجة النهائية لهذا القتال، لأقابل بالشيخ حكيم وهو واقف أمامي . حلت عيني أولا على يده التي تمسكت بالسيف الذي اكتسب نصلا ذهبيا وهاجا أحيط بهالة مهتاجة كأنها مارج من نار.

ارتفع بصري لأقابل وجهه الذي اسود حتى كاد يكون مثل الحجر الذي وجد فيه السيف، ولكن عيناه او ما بقي منهما وهما تحترقان غيضا ، مجازا وحرفيا بنار ماثلت لون النصل الملعون ، هما ما جعلاني أتردد في الهجوم عليه أو تفعيل قدرتي ضده، ذلك الجزء الصغير من الزمن كان كفيلا بأن يركل صدري راميا إياي للجهة المقابلة من القبو ، كان مخي لينقسم لولا استخدامي لقدرتي في آخر لحظة عند الاصطدام ، فحولت قوة ردة الفعل كلها نحو الجدار ، سامعة اياه وهو ينشق خلفي، بيد أني لم أشعر سوى كأني ارتطمت بجدار من الإسفنج .

صوبت المسدس نحوه وأطلقت عليه، لكن من دون طائل، فرغم اختراق ثلاث رصاصات لجمجمته الا أنه لم يمل سوى رأسه في تساؤل وهو يتحسس الشروخ المنتشرة في جسده لينطق ببعض كلمات لم أفهمها، ثم نظر نحوي بتلك الأعين المحترقة و ابتسم من دون أن يبرز أسنانه ليندفع نحوي فجأة، وبلمح البصر كان عندي وسيفه يقتنص قطع رقبتي.

رفعت ذراعي واستقبلت ضربته، اصطدم سيفه بحاجز قدرتي ليتفاجأ بضربته ترد نحوه بضعف قوتها، فطارت ذراعه الحاملة للسيف مبتعدة عنه، ولمحت الاستغراب في وجهه العتيق. اقتنصت الفرصة ووضعت مسدسي في محل قلبه، فأحيانا بعض الكيانات تركز قوتها بالقلب وليس الدماغ خاصة السحرية منها ، لكن من دون جدوى وكل ما فعلته لم يزد سوى من ابتسامته. سدد إليّ ضربة اخرى لكنني صددتها بسهولة، ابتعد عني خطوتين و تكلم في ما يظهر أنه إطراء على قوتي ومهارتي أو ذلك ما ظننته ثم قال وهو يشير الى نفسه:

_ إنكيدو ..

فهمت أن ذلك اسمه، فرحت قائلة:

_ مروة … هلا أرحتني و مت من فضلك.

إقرأ أيضا : بين سماءين

أجابني بهزة رأس معلنا استعداده، ثم وضع السيف أمامه ممسكا إياه بكلتا يديه وبدأ بالتمتمة، فجأة بدأت هالة اللهب الذهبي المتطايرة حول نصل السيف بالتكدس هوله و تغليفه مما زاد من وهجه. مدد جسده و اقترب من الأرض أكثر و السيف في وضعية مناسبة للطعن لا التقطيع، استعددت لتلقي الضربة في الحال ومددت يدي اليسرى مفعلة قدرتي الخاصة بكامل تركيزي ، اندفع الآخر محاولا طعني، لينفجر نور حارق لحظة الصدام .

في الحال مسني الهلع، فالسيف لا يرتد، ركزت وحاولت تغيير اتجاه ردت الفعل، لكن السيف أبى التزحزح أو الانصياع لقوانين الفيزياء. ولم يطل الأمر حتى تكشف لي الأمر ، لم تكن ضربة سيف واحدة ، لقد كانت ضربة مئة نصل أو يزيد. وكانت تلك هي نقطة ضعفي الوحيدة ، فبإمكاني رد أي شيء ما دام هناك عدد اصطدامات محدود مع قدرتي لكن كلما زاد عدد الصدامات كلما وهنت قدرتي و تذبذبت.

كان الدم قد بدأ بالنزول من أنفي وألم لا يوصف احتل رأسي ، منذرا بأنه لم يبق لي الكثير حتى تتوقف قدرتي تماما. فجأة شعرت بألم أخر في يدي، لقد كان النصل و هو يشقها بين البنصر والوسطى ببطء ، امتلأت عيوني بدموع الألم فتشوش بصري و معه ذهب ما تبقى عندي من أمل، ورغم ذلك رأيت وهج السيف يضعف و يتذبذب:

_ الآن يا بلهاء .

صاح مصطفى ويحاول التشويش على قوة الكيان، التفت إليه هذا الأخير والغضب باد على محياه ، وحول تركيزه مني عليه ، اقتنصت الفرصة وغامرت. ركلت مفصل ركبته فجثا راكعا ، قفزت عليه بكل وزني متأكدة من وضع ركبتي على يده المتمسكة بالسيف .

إقرأ أيضا : بنات الماء

نظر إلي وكأنه يراني أول مرة وهو يتوسد الأرض ثم عادت ابتسامته، رفعت يدي السليمة وأنزلتها عليه، لم تزده لكمتي سوى جذلا.. لكن صدقني أن ذلك لن يدوم ، فقد كنت مع كل لكمة آخذ جزءا صغيرا من قوة ردة الفعل وأضيفها للكمتي التالية. وبتكرار ذلك تتضخم قوة لكمتي كل مرة بشكل متصاعد ومعها تتسارع وتيرة ضربي له أيضا، مثل الحفار الألي تماما .

بدأت بالصياح وأنا متأكدة بأن اللكمات التي كنت أسددها كفيلة بخرق جدار اسمنتي حتى شعرت بالأرض ترتج وحفرة تتشكل تحت رأس الكيان .. لينهار سقف جمجمته تحت الإلحاح العنيد لقبضتي مصدرا صوتا معويا مقززا. وتتبدد ابتسامته باختفاء وجهه في حفرة من الدم وشظايا العظام ، غير أنني لم أتوقف عن اللكم حتى انغرست قبضتي التي تشبعت بالصدوع والدماء.

اقترب مني مصطفى وربت على كتفي قائلا:

_ذكريني بأن لا أنفث دخان سيجارتي في وجهك مجددا.

التفت اليه ولطخات الدم جعلت من وجهي الأحمر أكثر احمرار:

_ أعتقد أن كلانا لا يحتاج لذلك.

أتى فريق الدعم وتم تأمين الكيان، قاموا بعدها بحقن يدي التي كادت تنشطر لجزأين بمصل مستخرج من الكيان 077 المدعو بأمنا الغولة.. فشفيت يدي في الحين من دون ترك أي ندوب لكن جوعا رهيبا مسني ولم يزل عني إلا بعد 3 أيام.

خلال ذلك الأسبوع قدمت طلب تنحي من الخدمة تحت إشراف العميل مصطفى، لكن الطلب طبعا قوبل بالرفض تحت ذريعة أن إدارة المنظمة رأت أن الانسجام بين قدراتنا الخاصة مثالي.

مزقت الرفض بغل ورميت به في سلة المهملات:

_ حقا، منظمة بلهاء وعملاء أبناء كلب .

ملاحظات : 

لم أرفق هذه المرة ملف الكيان مع القصة لطولها ، لذا اذا أردتم الملف أخبروني وسأنشره هنا أو في ” كشكول ” حسب رأي إدارة الموقع وسأرفق معه بعض الكيانات التي لم أجد وقتا لكتابة قصة عنها.

القصة القادمة ستكون أدبية بعض الشيء كون أنني استعدت شيئا من سلاسة قلمي وكتحدي لي أنتم من سيختار نوعها :

_رعب مستشفيات

_قتل وجريمة

_ رعب السحر والجان

المزيد من المواضيع المرعبة والمثيرة ؟ّ تابعنا هنا

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

13 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
13
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك