أدب الرعب والعام

حكايات من النقطة 43

الحكاية الأولى

“عن عتريس ومحسن”

في ركنه البسيط، وأمام تلفاز لا يعرض سوى القناة الأولى، علا صوت مضغ عتريس لشطيرة الفول المدمس التي أعدتها له زوجته منذ ساعات . كان جائعاً في تلك الليلة أكثر من أي ليلة مضت، ولم يكن يعلم السبب بالضبط، لكنه فكر في أن ذلك يعود لتأخره في الطريق أكثر من المعتاد . أربع ساعات ذهاباً للعمل أصبحت خمساً . فقرات الظهر تستغيث .

توقفت حركة فكيه حينما رعش ضوء مصباح التنجستين العتيق فوق رأسه، وانتهى ببصره إلى المصباح . لحظات قليلة تمر قبل أن يبتسم ويعاود الأكل . يرعش الضوء مجدداً لكنه لا ينظر له هذه المرة، ويقول وهو يعاود النظر لشطيرته :

_الليل طويل يا محسن . تعال تعال .

تطير الورقة التي كانت تحتضن الشطائر منذ ثوان، فيراقبها بحذر . حسب معرفته بمحسن، فهو في العادة لا يحب العبث .

_خير يا محسن؟ من ضايقك؟ .

يشعر بهواء بارد يلامس ساقه، فيدرك أن محسن قد جلس بجانبه . في هذه اللحظة يدق جرس الهاتف الأرضي بعناد مستفز، وقد كان بعيداً عن عتريس بخطوتين . يمد يده ويحادث محسن :

_ هات .

لا يحدث شيء، يتأفف ثم يقوم من مكانه قائلاً :

_ اليوم، أنت غريب يا محسن! .

يرفع السماعة من مكانها فيخرس الصوت النابع منها، لتستقر في يده قبل أن يضعها على أذنه :

_ نقطة إسعاف 43 على طريق “….” الصحراوي .

يسمع صوت صديقه على الطرف الآخر :

_ عتريس ترسه.. أخبارك؟ .

_ عبده! . عاش من سمع صوتك . الحمد لله بخير، وأنت يا شريد؟ .

_ على قيد الحياة الحمد لله، اسمع، المرتبات تأخرت! .

_ ناولني المخلل يا محسن .

يصل صداها إلى “عبده” الذي لا يبدي رد فعل، بينما يكمل عتريس وفمه لا يتوقف عن المضغ :

_ المرتبات.. قالوا لي يوم الأحد إن كان لنا عمر . اصبر يومين .

_ كل مرة نفس الاسطوانة! .

_ يدي على يدك يا عبده.. ما لنا غير الصبر .

_ يا مسهل الحال يارب. صحيح.. لاحظت أنك تكلم محسن، صحبة لطيفة .

_ النقطة 43 مكانه يا عبده، تسألني والإجابة عنده . صحيح أنه غريب الليلة، لكن محسن هو محسن .

_ الصراحة؟ أنا كرهت نقطة 43 بسبب… يقاطعه عتريس :

_أنت حمار! . نقطة في مكان معزول . لا حوادث ولا يحزنون، وفوقه، تسلية مجانية مع روح طيبة! لما كلمتني من أسبوع على تبديل النقاط، وافقت فوراً بدون تردد . المخلل يا محسن! .

_عارف عارف… لكن الخوف أقوى مني .

_ يا عبده محسن روح طيبة، عفريت ودود جداً .

_ صحيح لكن محمود عنيف جداً .

_ محمود من؟ .

_محمود توأم محسن .

_محسن له أخ؟ .

_طبعاً! عرفة أتتذكره؟ . عرفة زميلنا الذي قيل أن قطاع الطرق تهجموا عليه في النقطة، وضربوه حد الموت؟ . في الواقع عرفة مات وحده دون تدخل بشري، أخمن أنه كان محمود شقيق محسن هو الذي ضربه . الكاميرات صورت كل شيء .

في تلك اللحظة يسمع “عبده” صراخ عتريس من الجهة الأخرى :

_ من! أنت لست محسن! ، أنت محمود! .

_ عتريس! .

يسمع صوت صفعة يتلوها صيحة ألم، ومعها نواح أقرب للبكاء :

_ وجهي! وجهي يحترق! .

يتلو ذلك صوت حشرجة مخيف وعميق .

إقرأ أيضا : حكايات من صعيد مصر

الحكاية الثانية

“حتى الموت”

كان عرفة لا يؤمن بالماورئيات أبداً، وقد ذهب به الحال إلى أبعد من ذلك، فكان يسخر من تلك الحوادث الغريبة وكأنما الثأر بينه وبينها .

حينما أخبره “عبده” صديقه في العمل، بأنه يريد تبديل النقطة 43 على الطريق الصحراوي مع نقطته، وافق فوراً رغم علمه بسوء سمعة النقطة 43 . وقد ضحك في قرارة نفسه على “عبده” الذي ترك النقطة 43 بسبب خوفه منها .

قال له إن النقطة غريبة وأنه يسمع ويرى أشياءً غريبة تحدث بها كل يوم، ولكن عرفة مثل عدم إيمانه بالخوف الماورائي، لم يؤمن بما قاله “عبده” .

الأخير كما هو واضح مصاب بعطل نفسي يجعله يتوهم ما ليس موجوداً بسبب الوحدة . ذاك أن النقطة 43 في مكان تنعدم فيه الحوادث تقريباً . تيقن من ذلك حينما وصل النقطة، وأدرك من السجلات أن سيارة النقطة لم تتحرك من مكانها لما يزيد عن السنة! .

في ثالث ليلة لعرفة داخل النقطة، أتاه طرق هستيري على باب النقطة، وكان حينها نائماً مثل صرعى الحرب، فلم يكن لشيء أن يوقظه إلا صوت الطرق العنيف على الباب الخارجي للنقطة . انتفض من فوره وقد أدرك بخبرته أن ذلك يحتّم أن يكون نداء استغاثة من أحد الشهماء لحادث على الطريق الصحراوي . وحينما فتح الباب الحديدي أخيراً، لم ير مخلوقاً ولا أي شيء في البدء، لكنها كانت لحظات قليلة تلك التي مرت، قبل أن يلمح بمحيط نظره شيء على الأرض . فكان أن حوّل مركز نظره فوراً إلى ما تحت قدميه، ليرى ذراعين مقطوعتين تستقران على الأرض ببساطة مخيفة . كانتا تقطران دماً وقد بدا أنهما قُطعتا حديثاً من مفصل كتف رجل نحيل .

ذُعر عرفة وتسارعت دقات قلبه حتى صارت أشبه بدقات طبول لعازف حيوي . أما رد فعله الطبيعي فكان إغلاق الباب بسرعة، بإدراك سريع أن هناك خطر بالخارج . بعد ثوان من تهدئة النفس ومحاولة استيعاب المشهد، راهن أنه يهلوس هلوسة الاستيقاظ بعد النوم، إن كان هناك ما يُدعى بذلك . وعليه فقد فتح الباب ببطء وهو يطالع الأرض . انفرجت أساريره حين رأى أن لا شيء هنالك . هكذا، وبسلاسة الرياح الصحراوية التي هبت على وجهه آنذاك، مر الموقف .

لكن شيئاً ظل يلسعه بين الحين والآخر . توجس مخيف . إدراك بطيء بأنه وحده تماماً في هذه البقعة من العالم . كان يعي هذا منذ البداية، عبده لم يعده الصحبة حينما أخبره بشأن النقطة، لكنه أبداً لم يفكر في عواقب الوحدة .

يدرك كذلك أن الكهرباء يمكنها أن تنقطع أحياناً، وأن الظلام يمكنه أن يكون مخيفاً أحياناً، أما ما لم يكن يعلمه هو أن صوت الرياح خارج النقطة يبدو كصوت ولولة امرأة فقدت رضيعها . كانت تلك الهواجس تداهمه ذات ليلة، ولم يفق منها سوى على صوت طرق خفيف على باب النقطة، وقد قدّر لحظتها أنه طرق مختلف عن المرة الماضية، غير أن ذلك لم يمنعه من السؤال . لحظات ويسمع إجابة واهنة :

_ عابر سبيل .

يفتح الباب من فوره وهو يفكر في أن العفاريت لا تتحدث العربية . كان عجوزاً يرتدي دثاراً يغطي جسده بالكامل، فلا يظهر منه سوى الرأس وقدمين نالا نصيباً لا بأس به من النحف .

_ البرودة أهلكتني، مطلع الشمس ليس بقريب .

_ تفضل .

يقولها عرفة وهو يتنحى عن المدخل، وقد استكانت مشاعره بقليل من السرور، لرفيق يقتل معه الملل .

يقول العجوز بوهن إذ يجلس قبالة عرفة على الأريكة :

_القبيلة قريبة، لكن الطريق طويل .

فهم عرفة أنه من البدو، لكن لم يفهم الشق الثاني من حديثه :

_ الطريق طويل؟ .

_ البرد والرمل والليل.. بسببهم الطريق طويل .

يهمهم عرفة أنه قد فهم . يكمل العجوز :

_بسبب العقارب والقطط .

_ قطط؟ في الصحراء؟ .

_ بسبب… اللهم احفظنا .

_ بسبب من؟ .

_ بسببهم .

يسهم عرفة وقد احتار في قول العجوز رغم الوضوح . يفكر، إنه يا عرفة يا غبي، يتحدث عن العفاريت! .

_ عمري سبعون سنة يا عرفة يا ولدي، وتعلمت من الحياة أكثر مما احتجت، لكن.. لو سألتني عن أهم درس تعلمته، فأقول إنهم لا يحبون العيش مع عرق آخر .

_ وأين يعيشون؟ .

_ الصحراء مكانهم المفضل .

_ في الصحراء لا توجد أعراق أخرى غيرهم .

_ وأين أنت الآن؟ . لو كنت مكانك.. لهربت من هنا .

يبتسم عرفة ساخراً :

_ وما الذي سيفعلونه؟، يضربوني حتى الموت؟! .

يضحك العجوز ثم يسعل، وإثر ذلك ينزاح الدثار عن كتفه قليلاً . يلهث قليلاً ثم يقول :

_ قطعة القماش البالية تلك، تنزاح دائما عن كتفي، ساعدني لأعدل وضعها .

ينظر له عرفة بشك، يكاد يسأله عن سبب المساعدة، لكنه يحجم عن ذلك في اللحظة الأخيرة . ويقف ليعدل ملبس الرجل الفضفاض، حينها يلحظ خواءً غير طبيعي مكان ذراعيه . يرتبك فيسقط دثار العجوز عن جسمه، وحينها يرى الأمر. إن العجوز مقطوع الذراعين! يهلع وينتفض مبتعداً عن العجوز، ويبتسم الأخير :

_ ما الأمر؟ لماذا أنت خائف؟ .

تتصاعد دقات قلب عرفة . يرى ابتسامة العجوز تتسع . يرى السواد يأكل بياض عينيه . ويرى الدم يهبط من شعره . يسمعه يتحدث، وحينما يفعل، لا يرى داخل فمه بياض الأسنان :

_ ليس وكأني سأضربك حتى الموت بدون يديّ .

أما الكاميرات فوق رأس عرفة، فكانت تصوره وحده، يُضرب من الهواء . رجال الشرطة حينما رأوا الشريط لأول مرة، ظنوا أنه إما ممثل بارع جداً، وإما أن هناك من ضربه بالفعل . رغم أن الشرطي حسن الزهار بدا ثابتاً في تلك الأثناء، الزهار الذي عاين جثة عرفة بنفسه، وأدرك أن بها رضوض وكسور واضحة . حسن الزهار الذي يدرك أن عرفة ليس ممثلا بارع أبداً .

إقرا أيضا : حكاية قرار

الحكاية الثالثة

“لكنهم يعلمون”

بكل الغلّ الموجود في العالم، سحب نفسا عميق من سيجارته المنهكة . لم يتركها إلا وقد احترقت أصابعه . حينها رماها بعنف وهو يسب ويلعن . كان ينتظر رئيسه ليخرج من الاجتماع الطارئ الذي دُعي له، وكانت أعصابه تحترق أثناء ذلك . حاول أن يشعل سيجارة أخرى لكن القداحة لم تساعده . ظل يضغط على زر الإشعال بعصبية، قبل أن يقذفها بكل ما أوتي من قوة نحو الأرض، قبل أن ينهال عليها بكعب حذائه الجلدي الأسود . يقول فجأة محادثاً زميله الذي كان يجلس خلفه :

_ قلت لهم! قلت لهم! .

لم يتجاوب رفيقه معه . يعرف أن حسن الزهار مثل الغاز، كلاهما سريع الاشتعال .

في تلك اللحظة يعلو صوت رنين هاتف حسن، فيرد فوراً ليقول :

_ قل لي كم مرة نصحتهم بهجر النقطة؟ .

ثوان تمر قبل أن يعاود الصراخ :

_ لكنهم يعلمون أن ثمة خطبا بالنقطة 43 يا فهمي! .

يتابعه رفيقه بصمت . كان يدرك أن حسن هو الوحيد الذي شعر بخطورة الوضع . وأشار عليهم بإغلاق النقطة 43 حتى إشعار آخر، لكنهم لم يمتثلوا له وأمروا بإعادتها للعمل مرة أخرى . اشتعل غضباً وحاول مرة أخرى منعهم، لكن الغضب لا ينجح مع الرجال الكبار . والآن يبدو أنه يحرق نفسه حتى الموت .

_ كل السجلات يا فهمي.. كلها! على مكتبي .

يقولها حسن ثم يغلق هاتفه بعصبية زافراً بقوة. ينظر لزميله ثم يقول :

_ وراءنا شغل يا كريم .

**

في مكتب الضابط حسن، جلس كريم قبالة رئيسه، قبل أن يقول الأخير :

_ الإسم؟ .

_ عتريس عبد الغفور السيد .

يقول الضابط حسن :

_ التفاصيل كلها يا كريم… لازم أسأل! .

ينطلق كريم فيقول برتابة كأنما تعود على عصبية رئيسه حسن الزهار :

_ 33 سنة، متزوج ولديه طفل، وزوجته حتى الآن لا تعلم . من المنيا مركز أبو قرقاص، مسجل سابق في قضية قتل ولكن أخذ براءة . الفحص المبدأي يقول أنه مات مخنوقاً . وثمة كدمات على وجهه .

_ والكاميرات؟ .

_ راجعتها.. ونفس ما حصل مع عرفة .

يضيق حسن عينيه ثم يقول وهو يشعل سيجارة كان يقبض عليها بشفتيه منذ فترة :

_ هات لي ملاحظة يا كريم .

_ عتريس كان يكلم أحدهم على الهاتف قبل الحادث .

_ عظيم.. أكمل .

_ سجل المكالمات يقول أنه يعود إلى رقم مجهول .

يتنهد حسن في إحباط :

_ خيط مقطوع… غيره؟ .

_ راجعتُ التسجيلات أكثر من مرة… ومتأكد أن عتريس كان يحادث شخص ما غير المكالمة طبعاً . شخص معه في الغرفة! .

بجشع، يسحب حسن نفساً من سيجارته، قبل أن ينفثه مهمهماً :

_ ضيف غامض .

ثم يلتفت إلى كريم قائلاً :

_ من صفر لعشرة، مقياسك الماورائي؟ .

_ عشرة من ناحية الماورائيات .

يبتسم حسن . كريم، رغم ذكائه، يؤمن بهذه الخرافات . هو منهم، من الذين يستعيذون من الشياطين .

_ جهز عربة القوة، وودع امرأتك . سنقضي الليلة في النقطة .

_ لكن… النقطة بعيدة يا حسن باشا! .

_ استئناف التحقيقات في مكاننا ووضعنا الحالي غير ممكن! .

_ على الأقل نخرج الصبح .

_ فكرة عظيمة لتضييع الوقت . جهز القوة يا كريم! .

يقولها حسن ناظراً إلى المعني بكامل السطوة والأمر .

إقرأ أيضا :حكايتي مع هدى

**

توقفت سيارة الشرطة اليتيمة أمام النقطة 43، ليترجل منها شخصان يلبسان الزي المدني . يقول ذا الشارب، وقد بدا أنه الأقل شأناً :

_ يا فرج الله! .

يرد عليه الآخر وقد بدا أنه الأعلى رتبة :

_ يا جدتي! أوصلتينا أخيراً الحمد لله.. ماشي لي على ثمانين في طريق صحراوي فاضي! .

يشوح الآخر بيده وهو يتحرك ناحية مدخل النقطة ويزيح الأقماع البرتقالية التي تمنع الدخول . يكمل الآخر الذي لم يكن سوى الضابط حسن عملية استفزازه :

_ كريم أنت ممل .

_ أعرف.. تحملني .

تمر لحظة صمت بينهما يقوم فيها كريم بمعالجة قفل النقطة، بينما حسن يقضي حاجته على الرمال بمقربة .

يلتفت له كريم حينما يسمع الصوت المميز، قبل أن يقول بوجه متقزز :

_ النقطة فيها حمام .

يرد حسن ساخراً :

_ هه! مبتدئ.. تخريب مسرح الجريمة يعد جريمة يعاقب عليها القانون .

_ أتظن أن مسرح الجريمة لم يُخرّب بعد؟ .

_ لن أخربه بناءً على ظنون يا “كركوري”.. واخرس لأني أحس بالغباء كلما سمعتك .

يتنهد كريم في ضيق، قبل أن ينفتح القفل في يده . يدفع الباب الحديدي ليرى عتمة مخيفة بالداخل . تهب عليه رائحة الدماء المتجلطة فيعقد حاجبيه . لا يذكر أن الصور التي رآها لمسرح الجريمة كان بها الكثير من الدماء . قبل أن يتحرك سمع صوت الكشاف اليدوي، ورأى الضوء يُسلط داخل النقطة . كان حسن الذي يسأل وهو يتقدم إلى مقابس الكهرباء ممسكاً بالكشاف ليضيء طريقه :

_ في الصور.. نعم أم لا يا كريم، ذكرني! أحياناً أشك في ذاكرتي .

يرتجف كريم وهو يرد :

_ لا… بقبر أمي لا! . ولا في صورة واحدة حتى! .

_ ليست صدفة أن يشم كلانا نفس الرائحة .

يقولها حسن وهو يرفع مقابس الكهرباء، ليغمر الضوء المكان . كانت النقطة أشبه بغرفة صغيرة . الصالة الرئيسية لمبيت السائق، التي تتصل بممر يودي إلى الحمام، ثم المطبخ، ثم أخيراً إلي الجراج حيث تستكين سيارة الإسعاف .

الصالة الرئيسية كانت بسيطة . تلفاز عتيق في ركن، سرير في ركن آخر . وعدة كراس خشبية مع أريكة جلدية .

يدخل حسن وهو يطالع المكان . تبعه كريم وهو يقرأ المعوذتين في سره . كان خائفاً ولم يكف عن محاولة استكشاف النقطة، خصوصاً الردهة التي تؤدي للمطبخ والحمام والتي لم يجد الضوء طريقه إليها . أخذ يحدق داخل الظلام باهتمام . شيء ما لفت انتبهاه، هل هو يتخيل، أم أن ثمة عينان حمراوان تحدقان به من داخل ذلك الظلام؟ . شيء ما يقف في نهاية تلك الردهة، ويرمقهما بكل البغضاء الموجودة في العالم! .

إقرأ أيضا : حكاية لم أجد لها عنواناً

**

تتعالى ضحكات حسن . يختنق في دخانه ويسعل ثم يعاود الضحك . يمسح دمعة كادت تفر منه وهو يقول :

_ حمراء؟ .. وأكيد كان عنده مخالب وأنياب بالمرة! .

يتأفف كريم وقدم ندم على إخبار حسن بما رأى في الردهة. يقول في محاولة منه للعودة إلى العمل :

_بعد فحص الأركان والأماكن المعتادة، لم أجد أي أثر لمخدر .
كان حسن لا يزال يستفيق من نوبة الضحك، لكنه يتمكن من الرد :

_ وأنا فحصت المطبخ والحمام وعربة الإسعاف.. لا توجد آثار لأي مواد مخدرة .

يطالعه كريم بنوع من الشك، ويرى حسن هذا، فيعاود الضحك :

_ لا لا… لم أر أي كائنات بعيون حمراء .

ثم يصمت فجأة، ويتخذ وجهه ملامح الجدية :

_ لكني رأيت شيئاً .

يحاول إشعال سيجارة بينما يقول :

_ لا أقول مخيف، لكن غريب بدرجة .

ينتبه كريم، ويصغي باهتمام .

_ في الجراج توجد صورة معلّقة لتلك الإمرأة. لا أعلم إن رأيتها أم لا .

تشتعل السيجارة أخيراً فيسحب منها القليل . يهفه ببطء ثم يكمل :

_ في البدء لم أهتم كثيراً صراحة . قلت ربما علقها أحد المسؤولين عن النقطة . أصحاب الفن مجانين حقاً . أكملت مهمتي ونظرت خلف الصورة بحثاً عن أدلة أو ما يقرب، لم أجد ما يفيد فتركتها ورحت أكمل جولتي في الجراج . عند لحظة التقت عيناي بالصورة مجدداً، وحينها أدركت أني أعرف تلك المرأة .

بدا كريم في أقصى درجات التنبه واليقظة لما يقوله رئيسه. يسأل :

_ من كانت؟ .

يطالعه حسن بهدوء :

_ أمك .

يقولها ثم ينفجر ضاحكاً مرة أخرى، وتعاوده نوبة سعال أخرى . فيدرك كريم أنه يمزح، وليس أي مزاح، بل مزاح من النوع الذي يجعل الدم يصعد إلى الرأس . يطالعه بعين غاضبة، قبل أن يجز على أسنانه ويشيح بنظره بعيداً .

_ كانت شرسة. غاضبة وكأن الصورة التقطت غصباً عنها .

يصمت كريم لوهلة قبل أن يقوم من مكانه ناحية الجراج ليرى الصورة التي يتحدث عنها مبغوضه حسن الذي تبعه وهو يدندن بأغنية ما .

_ تعرفت عليها؟ .

_ لا .

_ خرق واضح للقانون .

_ أنا وأنت في نقطة معزولة يا -كركر- يعني حُماة القانون على بعد.. كم؟ 150 كيلو؟ .

عند تلك اللحظة كانا قد وصلا للجراج الصغير الذي تلون بالرمادي الكئيب . كان بالكاد يحوي سيارة الإسعاف، مع ثلاجة طبية صغيرة بها بعض المسكنات والأدوية، وعلى الحائط المقابل للثلاجة، وُجدت الصورة متوسطة الحجم، للمرأة الغاضبة التي تحدث عنها حسن . الأخير الذي وقف صامتاً أمام الصورة يطالعها مع كريم . كانت لامرأة تبدو في عقدها الثالث، وتملك شعراً أسود، تجلس على أريكة قديمة وترتدي فستاناً أنيقاً . يتكلم كريم وهو يلمس حواف الإطار الذي يحفظ الصورة :

_ جميلة .

يقولها وينظر إلى حسن الذي بدا في أقصى درجات السكون والبرود أثناء مطالعتها . يسحب نفساً من سيجارته ويقف ساكناً لعدة ثوان، قبل أن يتحرك مغادراً الجراج . يتبعه كريم بذات الصمت حتى وصلا للصالة الرئيسية، فيجلس على أحد الكراسي، بينما يتقدم حسن إلى التلفاز ليشغله .

_ أردأ وسيلة متعة على الكوكب .

تضاء الشاشة على القناة الأولى، فيحاول حسن تغييرها لكنها لا تعود إلا للقناة الأولى . يضرب التلفاز بعنف ظاناً أنه به عطلا .

_ عظيم .

يقولها ثم يقف مبتعداً، لكنه يعود مسرعاً حينما يجد أن القناة تغيرت . على الشاشة رأيا الأمر، بدا الأمر أشبه بمن يصور مشهداً بكاميراً متحركة، غير أن المشهد بدا مألوفاً لكلاهما، ذلك أن المسرح كان النقطة 43! .

المشهد كان لعتريس وهو يحادث شخصاً في الهاتف . تمر ثوان قبل أن يقف عتريس منتفضاً وهو يرفع يديه برعب. بدا أن الهواء صفعه بعنف، قبل أن يضربه ضربة أخرى . ينتهي المقطع بعتريس ملقى أرضاً بعد أن سكنت حركته نتيجة لعملية خنق لم تصورها الكاميرات . حسن عاين جثته ويعرف أنه بالفعل مات مخنوقاً، لكن ممن؟ .

يُعاد المقطع من البداية في إلحاح مخيف. مشهد صامت مخيف طوله دقيقة تقريباً .

حل سكون قاتل بينهما، راح كريم يشاهد المقطع بذهول، بينما حسن يوجه أنظاره إلى الردهة، تحديداً إلى مدخل الحمام المظلم . ينفجر كريم فجأة :

_ قل لي أن ذاك طبيعي! .

كانت السيجارة بين أصابع حسن قد شارفت على موت سيحرق أصابعه حينما قال :

_الحمام .

_ما له؟ .

_ زاوية التصوير، المصور كان في الحمام .

بدا بارداً وهو يقولها، كان كما أدرك كريم منذ زمن طويل، خارقاً في إخفاء مشاعره . لكن وفي تلك الليلة كان حقاً قد تفوق على نفسه . إن سيد الهدوء والثبات الانفعالي يعطيه الآن جائزة لما وصل إليه . حتى في خطواته إلى الحمام كان هادئاً ثابتاً . يعلم أنه لن يجد شيئاً، وعلمه كان صحيحاً .

_ مناوبات! حسن باشا أرجوك! .

سحب حسن الغطاء السميك إليه، ثم رد وهو يقلب نفسه على الأريكة :

_ يا أخي أنت صدعتني! .

يحاول كريم محاولة أخيرة :

_ النوم خطر جداً .

_ حلو .. اصحى أنتَ وأنا أنام . الصباح رباح .

_ لازم نِرجع! .

يصمت حسن . قرر فجأة أن كريم أحمق ولا يستحق الرد . الجزء العاقل منه لم يرد النوم حقاً، كان يريد أن يهدأ ويفكر فقط لا غير . ذات الجزء العاقل أخبره أنه لا يستطيع التفكير على هذا الحال . استراتيجية النوم أولاً والتفكير لاحقاً لم تفشل معه أبداً . أما كريم فلاصق حسن وتيقن من أن سلاحه معبأ بالذخيرة ويصلح للقتل. رغم التناقض، فالسلاح هو الشيء الوحيد الذي أعطاه شذرات من الأمان .

إقرأ أيضا : الغريب – قصة قصيرة – (فانتازي-رعب)

**

كان كريم منهمكاً في كتابة مذكراته لتمضية الوقت حينما سمع الصوت . في البدء ارتجف، ثم سرعان ما أدرك أن الرياح تلاعبه ببعض الأصوات . ولم يكد يهدأ حتى سمع صوت دخيل على صوت الرياح، صوت مزعج أكثر من كونه مخيفاً . استل سلاحه ثم بحذر وقف إلى باب النقطة . فتحه بمقدار ضئيل ليستكشف، فلم يجد ما يستحق الاستكشاف . السيارة كما هي . الأضوء الكئيبة القادمة من أعمدة الإنارة كما هي . الطريق كما…. الطريق! ثمة شيء به، شيء صغير . ويبدو أنه مصدر الصوت المزعج .

أزاح الباب ثم بخطواته المترددة راح يقترب من الطريق . الإدراك وصله ببطء، وفي كل مرة يصل كان يرفضه بعنف. لكن ثمة لحظة اقترب فيها بمقدار لا يسمح برفض الإدراك . إن ما يراه الآن هو طفل رضيع . يزحف على الأسفلت الصلب . يبكي بكاءهم ويزحف زحفهم . الشيء الوحيد الغريب به هي الدماء التي كانت ظهرت على ركبته ويديه، الأماكن التي تلامس الأرض . شيء غريب آخر؟، حقيقة وجوده! .

تسارعت أنفاس كريم، والطفل يكمل المسير والبكاء . يتراجع الأول فيصطدم بشيء صلب كان يقف خلفه بثبات . دون تفكير، وبرد فعله التلقائي، استدار وهو يرفع سلاحه إلى العفريت المخيف الذي لا بد أنه كان يقف خلفه منذ فترة . في تلك اللحظة الفاصلة الصغيرة، أزال صمام الأمان وكان مستعداً تماماً لوضع بعض الثقوب في العفريت السيء الذي يحب الوقوف وراء البشر خلسة . يد ساحقة أوقفته وجمدت السلاح في يده، يد حسن مكفهر الوجه .

_ قتل حادثة ها؟ .

_ لازم نمشي! لازم! .

يترك حسن يد كريم :

_ ممّ كنت خائفاً؟ .

يعود كريم بنظره إلى الطريق فلا يجد الطفل . يقول مرتجفاً :

_ طفل صغير يزحف .

قبل أن يمعن النظر فيجد آثار الدماء فيصرخ :

_ آثاره، كان موجوداً !.

يتنهد حسن ويعود للداخل، يتبعه كريم :

_صدقني! .

_اخرس .

_ ننام في العربة؟ .

لا يرد حسن تجنباً للنقاش . يعود إلى الأريكة ويغمض عينيه محاولاً استكمال نومته البسيطة . يقول على حالته :

_ المرأة يا كريم… في الجراج .

_ ما لها؟ .

_ لما طالعتها في المرة الأولى كانت واحدة عشوائية .

_ ثم؟ .

_ في المرة الثانية معك، تغيرت الصورة . لم تكن تلك التي رأيتها أول مرة، كانت واحدة مختلفة.. واحدة أعرفها .
تتسع عينا كريم :

_ حسن باشا أنا عارف أن هزارك ساعات ب….

يقاطعه الأخير :

_ كانت امرأتي .

يزدرد كريم لعابه :

_ امرأتك؟ .

لا يرد حسن وقد بدا أنه نام بالفعل. يحاول كريم استنطاقه :

_ لا أذكر زواجك! .

_ امرأتي الميتة منذ خمس سنين .

ينتفض كريم :

_ لا لا لا لا… حسن باشا! .

يضحك حسن :

_ اسمع، أي حاجة تحصل تبلغني قبل التصرف .

يقولها ويغطس تحت اللحاف، تاركاً مرافقه على شفا الحديث مع نفسه .

إقرأ أيضا : قصص وحكايات – الجزء الثالث

**

يستيقظ حسن على أصوات حديث، كان صوت كريم يحادث شخصاً :

_بصراحة يا عبده كلامك غير منطقي! .

_ ….

_أكيد.. شهدت عليه بنفسي، لكن جزء مني مصمم يرفض .

_ ….

_ يعني مذنب؟ .

_ ….

_ يعني عارفين! .

_ ….

_ طيب ثواني!، ثواني قبل…..

بدا أن الطرف الآخر وضع السماعة ورحل، وبالمثل فعل كريم وهو ينظر إلى حسن الذي كان يراقبه بحذر . يسأله الأخير وهو يزيح اللحاف عن جسده :

_ عبده من؟ .

ينظر كريم لرئيسه :

_ أنا حذرتك! .

يمسكه حسن من تلابيبه :

_من عبده! .

لا يجيب . انتهى جو التوتر بينهما على صوت غناء أنثوي بعيد . يرتجف كريم بينما ينظر حسن للردهة، ليرى فستاناً يتمايل مع الظلال، أو ينبثق منها .

_النقطة ملعونة، ملعونة فعلاً. حاولت أحذرك يا حسن باشا. الإشارات كلها كانت موجودة وواضحة .

كان حسن مشغولاً مع المرأة التي تقترب وتغني . يعرف نبرة الصوت جيداً ولا يخطئها . إنها زوجته العزيزة، تغني بلحن أغنيتهما المفضلة .

_ هيام! .

يقولها حسن بذهول وهو يقترب منها . جزء بداخله يحذره صارخاً بأنها ليست هي، وجزء آخر أقوى مشتاق يقترب منها ويريد أن يصدق بأنها لا زالت حية . معبودته الأولى والأخيرة حية، ويبدو أنها مستعدة لمسامحته . لكم تمنى أن تأتيه فرصة طلب السماح! .

شهد كريم على الأمر مفزوعاً . رأى كيف اقتربت منه فقبلته فور تلاقيهما . قبلة عميقة تركت حسن مذهولاً لوهلة بعد انتهائها، قبل أن تنهش صدره نوبة سعال قوية . تتسع عيناه وهو ينازع الموت، هو يفهم الآن، يفهم تماماً كل ما يحدث . ولكن فيم يفيد الفهم والموت يقف بالجوار! .

إقرأ أيضا : حكايات جدتي عِطر – الجزء الثاني

الحكاية الرابعة

“عبده”

_ عبده عبده عبده… هو كلّه عبده! .

_أنت مشتبه به رئيسي في قضية مقتل حسن الزهار .

_ لا مؤاخذة يا باشا… قلت لي مات في نقطة إسعاف؟ .

_كريم حمدان اعترف عليك يا عبده . جرائم القتل في النقطة 43 أنت سببها .

_قلت لي أن كريم كان معه وقت موته؟ .

_ صحيح .

_ وقلت لي مات مسموماً؟ .

_ بالضبط .

_ والعبد لله معاه حجة غيابه، كنت في نقطتي شغال نوبتي، ولا عمري قابلت الضابط حسن ولا أعرف شكله أو حتى هيئته .

يبتسم الضابط المكلف باستجواب عبده :

_ كريم حمدان صديق عمري، وأنا مشتري لكل حرف يخرج منه، والصراحة كلامه كان منطقياً بالنسبة لي .

يهز عبده رأسه الأشعث بملل :

_على الله التساهيل، معه دليل رسمي يا باشا؟ .

_ لا للأسف.

_ والمتهم بريء حتى تثبت إدانته .

يضحك الضابط :

_حلوة! عرفتها من أي فيلم! .

_ هو صحيح القانون حافظ حقوق يا باشا، لكن القانون قانون ربنا! .

_ عاش.. طلعت مؤمن ومثقف وعارف قانون!

_وبريء.. أهم نقطة .

_ في قاموسي مذنب.. لكن النيابة للأسف مضطرة تطلعك بريء .

_من باب الفضول يا باشا.. قل لي تكهنات صاحبك… أقصد كريم بيه حمدان .

_ قال لي أنك اتصلت به على خط النقطة، وأنك قلت له أن العفاريت تقتل المذنبين عن غيرهم، تستهدفهم فقط لا غير . وأن حسن باشا الزهار مذنب في قتل زوجته هيام بالسم .

_قصة جميلة بحق! .

_الجرائم السابقة، عتريس وعرفة، كانوا مذنبين . عتريس قتل صبي توأم عن طريق الخنق، وعرفة قتل جاره بالضرب . عفاريت تحب العدالة .

_ سبحان الله.. القانون قانون ربنا صحيح! .

_ عموماً أنا حريص أن النقطة 43 تكون في طريقها للهدم، الاستجواب انتهى . تفضل .

يقف عبده :

_ العفاريت في كل مكان يا باشا . عن إذنك .

يقولها ثم يرحل بهدوء .

إقرأ أيضا : الحطاب والشجرة – حكاية من حكايات أمي

**

على سريره وفي ليلة طويلة راح يتذكر الأمر .
كان المشهد غريباً، لوحة سيريالة لفنان مجنون . رجل وحيد يحمل شمعة لا تنير إلا اليسير في الظلام، وحوله تتجمع عيون لا تحصى . عيون حمراء لا يبدو أنها تضمر خيراً . الغريب ولا شيء غير غريب في الموقف، أن ضوء الشمعة كان يرفضهم، وكأنه يخاف من الذهاب إليهم وكشف هيئاتهم . حاجز لا مرئي يصد الضوء عن أجسادهم، ويفكر صاحب الشمعة أنهم ربما لا يملكون أجساداً . ربما هم مجرد عيون هائمة في الظلام! .

كان قد تجاوز مرحلة الخوف منذ فترة، وتعوّد علي انقطاعات الكهرباء التي تحدث في مثل وقته هذا . بل اعتاد على وجودهم بشكل غريب . والحقيقة أنه لم يكن بينه وبينهم سوى السلام والاحترام . مثلاً في بعض الأحيان كان يذهب إلى الحمام فيلحظ جوزين أو ثلاثة من الأعين الحمراء بداخل ظلام الحمام، فيتركهم لحالهم ويمضي . ولا تمر ثوانٍ إلا أن يضاء مصباح الحمام من تلقاء نفسه، فتبدو له أن تلك إشارة واضحة أن يدخل وأنهم انتهوا مما كانوا يفعلونه . نوع من التفاهم والألفة دون تواصل حقيقي ملموس .

علم أيضاً أن لديهم سيطرة من نوع ما على كل شيء داخل النقطة . إما هذا وإما أنهم يوهمونه بقدرتهم على السيطرة، وفي كلتا الحالتين الأمر مثير لشيء لا يبعد كثيراً عن الخوف .

لا يذكر كم من الوقت مضى على انقطاع الكهرباء، ولكن عند نقطة ما، أدرك أن الشمعة قاربت على الانتهاء . طالعها قبل أن يطالعهم بقلق . لا يريد أبداً أن يقبع في ظلام تام مع أولئك ، ليس شجاعاً لذلك الحد . تنتهي أفكاره بشيء يُلقى إليه من الظلام . ينتفض مذعوراً قبل أن يحاول تبيان ذلك الشيء، ليجده أنه شمعة جديدة . للحظة كادت أنفاسه أن تنقطع، قبل أن يمسك بالشمعة ويشعلها قائلاً بتردد :

_ شكراً .

لم يتوقع أي شيء مقابل كلمته البسيطة، ولما أتاه الرد فوجئ، لم يعرف حتى أنهم يمكنهم الكلام :

_ اتفاق .

كان صوت فتاة صغيرة ثملة. لثوان صمت، ليقول بعدها :

_اتفاق بيننا؟ .

في أقل من دقيقتين اتفق عبده معهم على عدة أشياء، أخبروه أنه يمكنه الانتقام من مغتصب ابنته شريطة إحضاره إلى النقطة . سيقومون هم بالعمل القذر،
لاحقاً خمن أنهم يستمتعون بقتل المذنبين، وأنهم لم يتفقوا معه على شيء إلا لأنهم يريدون قتل الملل والمذنب .

أخبرهم حينها أنه لا يسعى للانتقام، فقد تصالح مع حقيقة الحال منذ زمن . فردوا بأنه رجل طيب وأنهم لن يتوانوا عن مساعدته بشيء لو أراد . في النهاية وعدهم بإحضار شخص ما لهم . أما شرطهم الغريب هو أن يتصل بالمقتول ويحذره قبل لحظات من نهايته، ولم يسأل لماذا، إنما شكرهم وانتهى الحوار .

بعدها بليال كان يجلس مع زميله عرفة في جلسة أُنس بطلها الحشيش، وراح عرفة يضحك ويقول أنه استمتع بالأمر، ولما سأله عبده عن مقصده، قال الوغد أنه غضب من جاره أشد الغضب ذات ليلة لأنه حاول مغازلة زوجته . فانتظره في أحد الأزقة وضربه ضرباً مبرحاً . يقول أن الرجل لم يعرف طعم الرحمة وانه استمتع بضربه، في الصباح التالي وصله خبر موت جاره لعدم تلقيه العناية اللازمة في الوقت الحرج .

شعر عبده أن القدر يخبره شيئا ما، رسالة أو تنبيه، إن عرفة لو ظل كما هو فقد يقتل المزيد . إن عرفة مشروع قاتل بامتياز .

بعدها بأيام أخبره أن يبدّل النقطة معه فحدث ما حدث . لما أعادوه لمكانه الطبيعي اكتشف وغدا آخر يدعى عتريس . رجل خبيث لم يتوان عن قتل واحد من توأم لثأر قديم مر عليه عقود . حكاية الصعيد والثأر لا تنتهي أبداً . هكذا رحل وغد آخر عن الدنيا .

ما لم يخطط له هو ذهاب حسن الزهار مع معاونه كريم حمدان إلى النقطة . غرضهما كان بريئاً وهو التحقيق . لكن الأشياء، الأرواح أو العفاريت، أياً كان اسمها، رأت أن كلاهما مذنب . حسن قتل وقُتل، أما كريم فذنبه لم يكتمل بعد، لكنه مثله مثل الآخرين، تم تحذيره بلهجة واضحة، وقد نجح ذلك حقاً . فبدلاً من الاستمرار في إجراءات طلاقه من زوجته، عاد إليها محباً وقد فهم أنها حامل ولكن لم يظهر ذلك عليها بعد .

حوله يرى حيوات تبدلت وحيوات انتهت بسبب النقطة، أما النقطة فباقية إلى أجل غير معلوم . وهو باق معها إلى أن يقتلوه هو شخصياً لذنب قد يرتكبه في الأيام اللاحقة . حينما رفض قتلهم لمغتصب ابنته، كان ذلك لأنه خطط للانتقام منه بنفسه بدون تدخلات خارجية، ولا زالت الخطة جارية بدون أي تغيير .

تمت بحمد الله .

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

51 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
51
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك